أسواق جديدة تفتح أمام سلعة «اللاجئين»

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لا صوت يعلو فوق أصوات التعاطف والترحيب باللاجئين الأوكرانيين، هذه هى الحالة الواضحة فى القارة الأوروبية، حيث بدأت فتح الأبواب وتوفير التمويل العاجل فى الأسابيع الأولى مباشرة من عمر الأزمة، لاسيما وقد تجاوز عدد اللاجئين الذين خرجوا من أوكرانيا 4 ملايين نسمة. الدول الأوروبية التى لم تكن لديها موجات نزوح ولجوء سابقة على أزمة أوكرانيا، مر الأمر لديها فى هدوء نسبى، لكن بالنسبة للدول التى استقبلت من قبل لاجئين من أصحاب الجنسيات العربية والإفريقية، ظهرت فيها اشكاليات لم تكن فى الحسبان، خاصة مع بروز حالة تمييز ظاهرة ما بين آلية ونمط استقبال الأوكرانيين، وبين وضع قديم يعيشه اللاجئون السابقون. كما…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لا صوت يعلو فوق أصوات التعاطف والترحيب باللاجئين الأوكرانيين، هذه هى الحالة الواضحة فى القارة الأوروبية، حيث بدأت فتح الأبواب وتوفير التمويل العاجل فى الأسابيع الأولى مباشرة من عمر الأزمة، لاسيما وقد تجاوز عدد اللاجئين الذين خرجوا من أوكرانيا 4 ملايين نسمة. الدول الأوروبية التى لم تكن لديها موجات نزوح ولجوء سابقة على أزمة أوكرانيا، مر الأمر لديها فى هدوء نسبى، لكن بالنسبة للدول التى استقبلت من قبل لاجئين من أصحاب الجنسيات العربية والإفريقية، ظهرت فيها اشكاليات لم تكن فى الحسبان، خاصة مع بروز حالة تمييز ظاهرة ما بين آلية ونمط استقبال الأوكرانيين، وبين وضع قديم يعيشه اللاجئون السابقون. كما أسلفنا تباينت المواقف والسيناريوهات التى شهدتها البلدان المختلفة، وصار لكل دولة حالتها الخاصة التى تعالج الأمر فيها وفق معطياتها الخاصة، وبالكاد تلتزم بمراعاة خجولة للضوابط القانونية والدولية التى تخص حقوق وأوضاع اللاجئين فى بلد الاستضافة. بريطانيا فى كثير من القضايا تبدو سابقة لدول الاتحاد الأوروبى، وهى فى سياساتها وتعاطيها مع مثل تلك الأمور تحرص على الاحتفاظ بهذا السبق، لذلك ففى خضم انشغال الجميع بمتابعة تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، ذهبت إلى استحداث تخريجة مثيرة فيما يخص قضية اللاجئين. فى منتصف إبريل الماضي؛ خرج اعلان صادم عن توقيع اتفاق رسمى بين بريطانيا ورواندا لجمع المهاجرين غير الشرعيين، وحددهم الاتفاق بالرجال غير المتزوجين الراغبين بالاستقرار فى بريطانيا، ومن ثم ترحيلهم إلى منشآت مخصصة للاجئين فى دولة رواندا، بانتظار عملية البت فى طلباتهم. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث يشير ما تسرب من تفاصيل الاتفاق إلى أن كلا من بريطانيا ورواندا، يجب عليهما تشجيع هؤلاء اللاجئين المنقولين، على استمرار البقاء فى رواندا لمدة خمسة أعوام أخرى بعد اعتماد أوراقهم وتنظيم وضعهم كمهاجرين. وقعت على الاتفاق أثناء زيارة إلى كيجالى وزيرة الداخلية البريطانية «بريتى باتيل» مع وزير الخارجية الرواندى «فينسنت بيروتا»، ودفعت بريطانيا إلى رواندا مبلغ 156 مليون دولار بشكل مبدئى مقابل خطة تجريبية مدتها خمسة أعوام، فضلا عن التعهد بتوفير ميزانية أخرى تخصص بحسب كل شخص تقبله رواندا. برغم التعتيم على تلك الاتفاقية غير المسبوقة سادت حالة من الغضب والاستنكار كافة المنظمات الداعمة للاجئين حول العالم، وجرت المقارنة المنطقية بين تلك الاتفاقية وقرارات أخرى صدرت فى مارس، لذات الوزارة البريطانية تسمح باستضافة لاجئين أوكرانيين فارين من الحرب، ممن وصلوا إلى المملكة المتحدة لفترة مبدئية مدتها 12 شهرا.

التبريرات البريطانية لتلك الخطوة الصادمة، أن هذا العام شهد عبور (4500 مهاجر) للقناة الانجليزية من فرنسا إلى بريطانيا فى قوارب صغيرة، وهو أربعة أضعاف عدد العابرين فى الفترة ذاتها من العام الماضى. كما تسبب تكدس القوارب وافتقادها إلى معايير السلامة، فى وقوع عشرات الضحايا قبالة الساحل الفرنسى الشمالى فى عام 2021 وحده. وعن خطاب الداخل البريطانى الذى انزعج بدوره من مثل تلك الاتفاقات، اعتبرها لا تبتعد كثيرا عن الممارسات القديمة التى كانت تقوم بشحن المخلفات السامة من الدول المتقدمة، إلى مدافن القمامة فى العالم الثالث، والتظاهر بأن هناك مقابل هذه الخدمة رسوم تنمية ملائمة، اليوم الحكومة تتعهد بمنع طالبى اللجوء من اختيار بريطانيا وجهة لهم. كما خرج من يروج إلى أن رواندا فى احتياج لمثل هذا الدعم المالى التنموى، خاصة وهى دولة تستضيف على أراضيها منذ سنوات ما يقارب (130 ألف لاجئ)، ولديها نظام محكم لاستقبال اللاجئين فى معسكرات ومراكز عبور، وفى حال نجحت خطة الشراكة مع الجانب البريطانى سيرتفع تصنيف رواندا الدولى، بصفتها شريكا فعالا فى حوكمة الهجرة واللجوء على المستوى العالمى.

بعد أن مضى شهور على توقيع الاتفاقية ودخول الخطة موضع التنفيذ، ظهر أن أول فئة سوف يتم ترحيلها هى مجموعة من السوريين، رغم أن اللغط الحقوقى والقانونى حول هذه الخطة لم يهدأ منذ جرى الكشف عنها. البرلمان البريطانى علم أن هناك أعدادا لأول مجموعة (15 شخصا) من طالبى اللجوء السوريين، ينطبق عليهم اشتراط أنهم وحدهم دون عائلات، وهؤلاء بالفعل وصولوا بريطانيا سلفا بمفردهم. وبعد نقلهم إلى رواندا بحسب ما أخطرت به الحكومة البرلمان، ستبدأ عملية دراسة طلبات لجوئهم ويمكن لهم الحصول على حق البقاء والعيش فى رواندا، مع تحمل بريطانيا التمويل اللازم لاتمام هذا الأمر. السوريون من جانبهم فى حالة إحباط شديدة بالطبع، وبدأوا فى التواصل مع الكثير من المنظمات الحقوقية المعنية بقضايا اللاجئين، حيث يؤكدون أن الحكومة البريطانية تضغط عليهم لتنفيذ خطتها مع رواندا، وأن المعرضين للترحيل إلى هناك يقارب 100 شخص وليس خمسة عشر فقط كما أشاعت المصادر الرسمية.

المنظمات التى تصدت لتلك القضية أعلنت انها ستلجأ للمحكمة العليا، بعد أن أغلقت الحكومة البريطانية كل أبواب الحوار، لكن فى الحقيقة الأمر برمته يبدو متجاوزا لمثل تلك الخطوات القضائية المحدودة. ففى الوقت الذى تتفاعل فيه القضية داخل بريطانيا؛ دخل الاتحاد الأوروبى هو الآخر فى مباحثات عبر «وكالة فرونتكس» لشئون الحدود وحرس السواحل مع حكومة النيجر، لإقامة مناطق حدودية على أراضيها. وبدعم من المنظمة الدولية للهجرة، تهدف خطة الاتحاد إلى إبقاء الأشخاص غير حاملى الوثائق هناك حتى تتم دراسة حالاتهم. على هذا النحو نكون أمام انتهاك إنسانى ثلاثى الأبعاد، وضوحه يمثل نقيضا صارخا، للأسواق المظلمة التى يجرى الإعداد لها فى صمت ودأب.

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 11 يونيو 2022

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب