تنمية ومجتمع

رؤية شاملة: الابعاد الثقافية والسياحية لمشروع تطوير جبخانة محمد علي.

في الرابع والعشرين من شهر إبريل الماضي، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى وزيري عن بدء عمليات تطوير “جبخانة محمد علي باشا” الأثرية، وأوضح “وزيري” أن عمليات التطوير تلك ستستمر لمدة ستة أشهر، وأنها تأتي في إطار متكامل مع مجهودات وزارة التنمية المحلية الرامية لتطوير المنطقة السكنية المحيطة بالجبخانة والمعروفة باسم “إسطبل عنتر”، وهي إحدى مناطق حي مصر القديمة بمحافظة القاهرة. ولم يعلن المجلس الأعلى للآثار إلى الآن عن قراراه النهائي حول طبيعة الاستخدام المتوقع لهذا الأثر فور اكتمال عملية تطويره، وهو ما يتيح الفرصة لفتح حوار حول أفضل الاستخدامات الممكنة للجبخانة في ضوء طبيعة الأثر الجاري تطويره،…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

في الرابع والعشرين من شهر إبريل الماضي، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى وزيري عن بدء عمليات تطوير “جبخانة محمد علي باشا” الأثرية، وأوضح “وزيري” أن عمليات التطوير تلك ستستمر لمدة ستة أشهر، وأنها تأتي في إطار متكامل مع مجهودات وزارة التنمية المحلية الرامية لتطوير المنطقة السكنية المحيطة بالجبخانة والمعروفة باسم “إسطبل عنتر”، وهي إحدى مناطق حي مصر القديمة بمحافظة القاهرة. ولم يعلن المجلس الأعلى للآثار إلى الآن عن قراراه النهائي حول طبيعة الاستخدام المتوقع لهذا الأثر فور اكتمال عملية تطويره، وهو ما يتيح الفرصة لفتح حوار حول أفضل الاستخدامات الممكنة للجبخانة في ضوء طبيعة الأثر الجاري تطويره، والمنطقة التي يقع فيها.

تاريخ الجبخانة

شهدت قلعة الجبل، المعروفة أيضًا بقلعة صلاح الدين، في أواخر مارس 1824 وقوع انفجار ضخم بمخازن الذخيرة العسكرية راح على إثره قرابة 4000 قتيل من العسكريين والمدنيين، فضلًا عن وقوع حالة دمار واسعة طالت أغلب مباني القلعة، بالإضافة إلى 50 بيتًا بالمناطق السكنية المجاورة. وقد دفع الانفجار محمد علي باشا إلى التفكير في نقل مخازن البارود العسكرية إلى موقع بديل بعيد عن منشآت القلعة وعن السكان، لذلك اختيرت إحدى الهضاب الصحراوية التي تبعد مسافة 4 كم إلى الجنوب الشرقي من القلعة، كي تكون مقرًا جديدًا لمخازن الذخيرة.

استغرقت عملية بناء الجبخانة (مخزن الذخيرة العسكرية) ما يقارب أربع سنوات 1824-1829، وشُيدت على شكل حصن مستطيل الأضلاع ذي فناء واسع تبلغ مساحته 5 أفدنة. وقد توسط هذا الفناء مبنى تخزين على مساحة 2,350 متر، تم بناؤه بمواصفات خاصة تساعد في خفض درجات الحرارة بداخله، وهو ما من شأنه تقليل احتمالات وقوع الانفجارات إلى أدنى الحدود، حيث جرى تصميم النوافذ بشكل يساعد على انتشار الضوء الطبيعي داخل المبنى، لكن مع حجب أشعة الشمس المباشرة التي قد تتسبب في تسخين البارود واشتعاله، كما أحيط المبنى بمجموعة من صهاريج المياه الأرضية التي عملت كمكيف طبيعي لدرجات حرارة الهواء الجوي. 

ظلت الجبخانة مركزًا لتخزين بارود الجيش المصري لقرابة ثمانية عقود، لكن مع تطور تكنولوجيات التسليح العسكري وتغيير الظروف السياسية في البلاد، تم التخلي عنها، ويرجح أنها أُغلقت بشكل نهائي في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، لكنها استخدمت على مدار العقود اللاحقة كمقرات مؤقتة لقوات الهجانة، ثم استُخدمت بشكل غير رسمي من قبل الأهالي كإسطبلات للدواب، واستعين بها أيضًا في تصوير المشاهد الخارجية في عدد من الأفلام السينمائية، مثل فيلم الناصر صلاح الدين 1963م.

إهمال يحاصر الأثر

أخذت المباني العشوائية في الظهور بالمنطقة المحيطة للجبخانة خلال سبعينيات القرن الماضي، واستمرت تلك العشوائيات في التوسع حتى كونت الكتلة العمرانية المعروفة حاليًا باسم “إسطبل عنتر”، وتصنف منطقة إسطبل عنتر بأنها من المناطق المحرومة في نطاق القاهرة الكبرى، حيث ينعدم وجود المؤسسات الثقافية والرياضية والخدمية والتعليمية داخلها، كما رصدت أجهزة الدولة وجود مجموعة كبيرة من المباني السكنية الخطرة على حياة السكان في هذه المنطقة، يقع أغلبها على الجرف الغربي لهضبة إسطبل عنتر.

وقد تسببت حالة الفقر الشديدة التي توصف بها المنطقة، بالإضافة إلى ارتفاع مستويات الأمية وانعدام المرافق الثقافية والخدمية والترفيهية، في ارتفاع معدلات تجارة وتعاطي المخدرات، فضلًا عن انتشار الجريمة والعنف، وقد ساهمت كل هذه الظروف الاجتماعية والعمرانية في معاناة الجبخانة ذاتها من حالة جسيمة من الإهمال الأثري والأمني خلال العقود الماضية، حيث تعرضت لكافة أشكال التخريب والسرقة والاستغلال غير المرخص من قبل أهالي المنطقة، كما تحولت مبانيها إلى وكر للخارجين على القانون وتجار ومتعاطي المخدرات. 

مشروعات لتطوير المنطقة

بدأت الحكومة المصرية خلال الفترة من أكتوبر 2017 حتى ديسمبر 2021 في تنفيذ مشروع شامل لإزالة المباني العشوائية الخطرة بالجرف الغربي لإسطبل عنتر على مساحة 10 فدادين، وبعد حصول محافظة القاهرة على تمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية، تم وضع خطة لإعادة استخدام الفراغات الناتجة عن إزالة العشوائيات الخطرة، عن طريق تشييد مجموعة من المرافق العامة لخدمة لمواطنين بمناطق إسطبل عنتر وعزبة خير الله والزهراء ودار السلام.

وتتنوع المرافق المخطط تشييدها بين قسم للشرطة، ونقاط للإسعاف الطبي، والحماية المدينة، ومكتب للبريد، ووحدة صحية، وموقف للسيارات، ومسجد، وسوق حضري، ومناطق لألعاب الأطفال، وملاعب كرة خماسية، ومسرح مكشوف. وبالإضافة إلى كل ذلك تقوم محافظة القاهرة برصف طريق المحجر أسفل هضبة إسطبل عنتر ليكون شريانًا مروريًا رابطًا مع منطقة الزهراء المجاورة. علاوة على ذلك تم استحداث طريق آخر متفرع عنه يصعد مباشرة باتجاه بوابة الجبخانة. 

من جهة أخرى، بدأ المجلس الأعلى للآثار نهاية إبريل الفائت في تنفيذ عملية شاملة لرفع كفاءة الجبخانة، وتشتمل تلك العملية إزالة الإتساخات المتراكمة على الأسوار ومبنى التخزين، وأيضًا رفع المخلفات الصلبة الملقاة بالفناء، بالإضافة إلى إعادة الأحجار المهشمة إلى حالتها الأصلية، مع تنفيذ عملية ترميم معماري شاملة للأثر. 

 ضمان لاستدامة الأثر

صرحت القيادات التنفيذية بمحافظة القاهرة في أكثر من مناسبة بتطلعاتها لتحويل “جبخانة محمد علي” إلى مزار سياحي، أسوة بمختلف المواقع التراثية الشهيرة بمحافظة القاهرة كقلعة محمد علي ومجمع الأديان وغيرها، وهو الامر الذي تكتنفه بعض التحديات لعل اهمها ان جبخانة محمد علي بُنيت كمنشأة عسكرية ذات طراز معماري بسيط جدًا، وذلك كي تتماشى مع استخداماتها كمخزن للذخيرة، لذا فهي ليست في مبانيها أو أسوارها جماليات هندسية أو زخرفية تشجع السائحين على زيارتها ضمن برامجهم السياحية في القاهرة، كما أن الطبيعة الاجتماعية للمنطقة قد لا تشجع على استقبال السائحين، خاصة الأجانب، فضلًا عن ذلك تتسم الطرق المؤدية إلى الجبخانة من كورنيش النيل مرورًا بمنطقة الزهراء وصولًا إلى هضبة إسطبل عنتر بالضيق الشديد والعشوائية، وهو ما قد لا يترك انطباعًا جيدًا لدى السائح الأجنبي. ومن ثم فقد يكون من المناسب التفكير   في إعادة استخدام الجبخانة بطريقة تفيد المجتمع المحلي من جانب، وتضمن استدامتها كأثر من الجانب الآخر. ويقترح في هذا الإطار أن تتحول الجبخانة إلى مركز ثقافي متكامل يقوم بتوفير أنشطة ثقافية متنوعة، لإفادة وتنمية أبناء المنطقة المحيطة، سواء من الأطفال أو الشباب. 

حيث يمكن أن يتم استغلال مبنى تخزين الذخائر بالجبخانة في إنشاء المرافق الثقافية المفتقدة بمنطقة إسطبل عنتر، كمكتبة عامة، ومعرض فني، ومدرسة أكاديمية لتعليم الحرف اليدوية التي تشتهر بها المنطقة، مثل صناعة السجاد والشمع والصابون الطبيعي. كما يقترح أن يتم استغلال الفناء الخارجي في إنشاء حدائق ترفيهية وملاعب رياضية وسينما مفتوحة وفصول مفتوحة لتعليم الهوايات المختلفة، كما يُقترح أن يتم ضم إدارة المسرح المفتوح المزمع إنشاؤه خارج بوابة الجبخانة إلى سلطة المركز الثقافي، وذلك لعقد مختلف الفاعليات الفنية التي تنظمها الجبخانة.

ومن المهم أن يعتمد مشروع مركز جبخانة محمد علي الثقافي المقترح بعد إنشائه، على التكنولوجيات الصديقة للبيئة، سواء في الإضاءة أو التهوية أو إدارة المخلفات، وذلك لكي تتلاقى هذه الأنشطة مع أهداف التنمية المستدامة التي تحرص الدولة على تنفيذها بمختلف القطاعات. 

أرشيف الصور

تم التقاط الصور التالية بتاريخ 19 مايو 2022، خلال زيارة ميدانية أجراها الباحث لجبخانة محمد علي بمنطقة إسطبل عنتر.

1.واجهة الجبخانة:

C:\Users\mostafa.abdellah\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\photo_2022-05-23_09-01-02.jpg

2.الضلع الشرقي من أسوار الجبخانة:

3.أعمال تنظيف الاتساخات من على أسوار الجبخانة:

4.أعمال صيانة الأحجار المهشمة بالأسوار:

5.أعمال إزالة المخلفات الصلبة من داخل فناء الجبخانة:

6.الفناء الخارجي للجبخانة، ويظهر مبنى التخزين على اليمين والسور الخارجي على اليسار:

7.مبنى مخزن الذخيرة من الداخل:

المراجع

  • كل رجال الباشا، خالد فهمي، دار الشروق، 2008، القاهرة. 
  • القاهرة منتصف القرن التاسع عشر، تأليف ستانلي لين بول، ترجمة أحمد سالم سالم، الدار المصرية اللبنانية، 2017م، القاهرة. 
  • خريف المحروسة، محمد كامل، كيان للنشر والتوزيع، 2018، القاهرة. 
  • خطة التطوير المقترحة لمحيط جبخانة محمد علي بإسطبل عنتر، وحدة تطوير العشوائيات، محافظة القاهرة، 2020م.
مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة