تقارير

تفاهمات قائمة: دلالات وتأثيرات زيارة الرئيس الروسي إلى إيران

بجانب التفاهمات السياسية والأمنية فيما يتعلق بالشأن السوري على مستوى الأطراف روسيا وتركيا وإيران في قمة طهران، إلا أن تفاعلات اللقاءات الثنائية بين الأطراف الثلاثة منحت زخما ودلالات أعمق للقمة. كان السبب الرسمي للاجتماع الثلاثي لرؤساء روسيا وتركيا وإيران هو الوضع في سوريا، لكن يبدو أن روسيا وإيران تركزان على تعزيز بعض القضايا الاقتصادية والأمنية التي تحقق المستهدف في عقد شراكة استراتيجية بين البلدين، حيث قال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن روسيا تخطط لرفع العلاقات مع إيران إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، يأتي التصريح كحلقة ضمن مجموعة خطوات عقدتها روسيا وإيران منذ فترة سبقت اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا (فبراير…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

بجانب التفاهمات السياسية والأمنية فيما يتعلق بالشأن السوري على مستوى الأطراف روسيا وتركيا وإيران في قمة طهران، إلا أن تفاعلات اللقاءات الثنائية بين الأطراف الثلاثة منحت زخما ودلالات أعمق للقمة. كان السبب الرسمي للاجتماع الثلاثي لرؤساء روسيا وتركيا وإيران هو الوضع في سوريا، لكن يبدو أن روسيا وإيران تركزان على تعزيز بعض القضايا الاقتصادية والأمنية التي تحقق المستهدف في عقد شراكة استراتيجية بين البلدين، حيث قال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن روسيا تخطط لرفع العلاقات مع إيران إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، يأتي التصريح كحلقة ضمن مجموعة خطوات عقدتها روسيا وإيران منذ فترة سبقت اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا (فبراير 2022)؛ بهدف الوصول إلى مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، ويبقى السؤال المطروح إلى أين يمكن أن تصل العلاقات الإيرانية الروسية، وما هي التأثيرات التي تحملها المرحلة الجديدة في العلاقات بين البلدين؟

الصورة العامة

منذ عام 2012، كان هناك تحسن ملحوظ في العلاقات الروسية الإيرانية، انعكس في اجتماعات كبار الشخصيات من البلدين، وفي عملياتهما العسكرية المشتركة في سوريا، وفي خطط لتعزيز حقيقي لعلاقاتهما في مجالات الأمن والاقتصاد. لم يعكس حينها التحسن في المصالح المشتركة لروسيا وإيران وحاجتهما لبعضهما البعض إلى تشكيل تحالفا بعد؛ ويعود السبب في ذلك إلى تعارض الكثير من المصالح الأمنية في الشرق الأوسط وبالتحديد في سوريا.

لكن بعد وصول رئيسي خلفا للرئيس الإيراني حسن روحاني، تبنت طهران استراتيجية جديدة في سياستها الخارجية تقتضي البحث عن بديل للعلاقات مع الغرب حتى في حال رفع العقوبات ونجاح الوصول إلى اتفاق نووي. وحرصت طهران على إتمام عدد من الاتفاقات والشراكات مع دول الشرق (أي روسيا والصين والهند) ودولا أخرى قبل النظر في مسارات العلاقات الإيرانية مع الغرب.

في 19 يناير 2022، زار الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي موسكو لعقد اجتماعات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كانت هذه هي الوجهة الأولى التي سافر إليها رئيسي في زيارة رسمية منذ انتخابه في يونيو 2021، وأول زيارة منذ زيارة روحاني في مارس 2017. قال حينها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على تويتر في نهاية الاجتماعات أن البلدين قد اختتمتا اتفاقية تعاون طويل الأمد: لأن الرؤساء وجهوا وزراء الخارجية بصياغة خطة لاتفاقية تعاون استراتيجي لمدة عشرين عاما.

وقد ركزت الخريطة المبدئية للتعاون الاستراتيجي على مجالات الأمن من جهة والاقتصاد والتجارة بشكل أساسي من جهة أخرى، كما ساعدت إيران في ولاية رئيسي على منح العلاقات دَفعة قوية للأمام تختلف عن الرغبة الإيرانية إبان عهد روحاني. وهو ما يوضحه تصريح سفير إيران في موسكو الذي قال إن حكومة روحاني كانت تعتبر الغرب هو القوة الحاسمة ولا تولي اهتماما بالشرق، بينما حكومة رئيسي الأقرب إلى تعزيز العلاقات مع الشرق.

يخرج هذا المشهد عن سياقات قد تبدو حاسمة (على السطح) في تفسير المرحلة التي تدخل فيها العلاقات الإيرانية الروسية، أبرزها:

(1) سياق مصير المباحثات بشأن الاتفاق النووي: ولكن تعزيز العلاقات بين البلدين وبالتحديد من الجهة الإيرانية هو قرار استراتيجي يخرج عن مآلات الاتفاق النووي بين النجاح أو الفشل ويعكس بوضوح الخروج عن سياسة روحاني القديمة التي عطلت الرغبة الروسية القديمة في تعزيز العلاقة مع إيران.

(2) سياق الحرب في أوكرانيا: قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا شهدت العلاقات الروسية مع أوروبا والولايات المتحدة توترا ملحوظا وعليه كانت ترى روسيا في الورقة الإيرانية ورقة مهمة يمكن التلويح بها في مواجهة الولايات المتحدة. وبما أن زيارة بوتين إلى إيران تعد أول زيارة خارجية له بعد اندلاع الحرب إلا أن قرار ترقية العلاقات مع إيران هو قرار استراتيجي مرتبط بدوافع تتعدى فكرة الهرب من عزلة دولية محتملة على موسكو.

(3) سياق زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط: حملت الزيارة أصداء قوية حول هدف الولايات المتحدة بتشكيل تحالف أمني إقليمي موجه ضد إيران وأنشطتها في الشرق الأوسط، ولكن في واقع الأمر تكسر المباحثات التي أقيمت بين الإمارات وإيران وبين السعودية وإيران تفسير أن يكون هناك تحالفا إسرائيليا-عربيا موجه ضد إيران بالإضافة إلى عراقيل سياسية وأمنية أخرى.

يمكن القول في هذا السياق، إن قرار ترقية العلاقات الإيرانية الروسية كان خطوة ضمن سلسلة تمهيدات سياسية وأمنية واقتصادية تأخذ البلدين إلى هدف استراتيجي وهو عقد شراكة استراتيجية طويلة الأمد تقوم على مرتكزات الأمن والاقتصاد بشكل رئيسي. وأن السياقات الدولية المتزامنة مع الحدث لا يمكن وصفها بالمتغيرات المفسرة بقدر ما يمكن وصفها بمحفزات دفعت ترقية هذه العلاقة.

الأمن والاقتصاد في العلاقات بين روسيا وإيران

اهتم البيت الأبيض بالتطور اللاحق في العلاقات الروسية الإيرانية، ووصفته بـ “التهديد الحقيقي” وفي روايات أخرى “التهديد العميق”، خاصة أن الوصف ترافق مع تسريبات استخباراتية أمريكية تقول إن إيران بصدد توريد 100 طائرة مسيرة إلى الجيش الروسي تساعده على اقتحام مناطق جديدة في أوكرانيا. ورغم ذلك لم تؤكد إيران أو روسيا أية أخبار بشأن تلك التسريبات الأمريكية.

تاريخيا، (حسب بيانات معهد سيبري) لم تسجل إيران صفقات سلاح تم توريدها إلى روسيا، بل العكس هو الذي يتم إذ لم تتوقف روسيا عن توريد الأسلحة إلى إيران بين منظومات صاروخية، أو صواريخ، أو دبابات.

ولكن تظل قضايا الأمن حاضرة بقوة في العلاقات الروسية الإيرانية، تحت عنوان وهو تعزيز الامن الإقليمي ويشمل مفهوم الإقليم في العلاقات الروسية الإيرانية مساحة جغرافية واسعة ترتبط بدول القوقاز، والمحيط الهندي، والشرق الأوسط وبالتحديد سوريا.

وقد اتفقت الأطراف الثلاثة في قمة طهران على إدانة الهجمات الإسرائيلية في سوريا باعتبارها مهددا للاستقرار الأمني وخرقا لسيادة الدولة السورية، وهو ما يبرر التحفظ الإيراني والروسي على احتمالية شن عمليات عسكرية تركية في سوريا ضد معاقل الأكراد.

كما تعد منطقتي القوقاز والمحيط الهندي مرتكزا مهما لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إيران وروسيا (كما سيرد ذكره لاحقا)، وهو ما دفع إيران إلى الإعلان (قبل زيارة بوتين) عن نشر قوة طائرات مسيرة في المحيط الهندي؛ بدافع جمع المعلومات الاستخباراتية وتأمين منطقة المحيط الهندي من عمليات القرصنة البحرية ضد السفن التجارية في السلع والنفط.

أما في مجال الاقتصاد والتجارة، فيعد هو المرتكز الأساسي في التعاون الاستراتيجي المخطط له بين البلدين. ويعود ذلك بناء على عدة مؤشرات وهي:

  1. استثمرت روسيا في ميناءين في جنوب شرق إيراني، ميناء بوشهر وميناء جابهار، كما فتحت موسكو مباحثات مع إيران في 2019 تقتضي باستخدام الاسطول الروسي للميناءين كقاعدتين عسكريتين لمدة قد تصل إلى 49 سنة.
  2. إيران تعيد إحياء مشروع مجمّد لتطوير الممر التجاري بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا بالأسواق الآسيوية. أعلنت شركة شحن إيرانية مملوكة للدولة أنها شحنت أول شحنة من البضائع من روسيا إلى الهند عبر ممر تجاري جديد يمر عبر إيران.

وبحسب صحيفة النبأ الإيرانية، ستعبر الشحنة بحر قزوين إلى ميناء أنزلي شمال إيران، ومن هناك ستنتقل عبر الطرق إلى ميناء بندر عباس الجنوبي في الخليج الفارسي، من هناك سيتم تحميلها على متن سفينة وإرسالها إلى ميناء نهاب شيبا الهندي.

ويتمثل المستهدف الاستراتيجي للهند وروسيا بأن تتحول إيران إلى مركز إقليمي للنقل التجاري بتدشين ممر ملاحي بري-بحري يعزز فرص التبادل التجاري الهندي الروسي، ويعد ممر “شمال – جنوب” أهم حلقات التجارة بين آسيا وأوروبا ويعد بالمقارنة مع المسارات التقليدية أقصر زمنيا بنسبة 40 بالمائة وأقل كلفة بنسبة 30 بالمائة.

  1. أعلن الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية عن توقيعه مذكرة تفاهم بقيمة 40 مليار دولار مع شركة النفط الروسية غازبروم في مجال التعاون الاستراتيجي، مشيرًا إلى أنه تم توقيع عقود بقيمة 4 مليارات دولار الموقعة حتى الآن مع قيام الشركات الروسية بتطوير سبعة حقول نفطية.

وقد أصبحت الهند ودول آسيوية أخرى مصدرًا حيويًا لعائدات النفط لموسكو، على الرغم من الضغط الهائل الذي تمارسه الولايات المتحدة عليهم لعدم زيادة الشحنات. 

نقاط التماس السلبية

هناك حدودا للمدى الذي ترغب أن تصل إليه روسيا وإيران في علاقاتهما الاستراتيجية المخطط لها، يمكن توضيحها فيما يلي:

  1. أفغانستان: تعد أفغانستان نقطة مهمة في خريطة الطموحات الاقتصادية الروسية-الإيرانية بجانب الهندية. ومع وجود طالبان في السلطة، فقد يواجه الميناء بيئة تشغيلية أكثر صعوبة على الرغم من أن الجماعة المتشددة قالت إنها تريد استمرار العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الهند.
    وهو ما يعني أن الأمر يستدعي تنسيقا روسيا عال المستوى مع جماعة طالبان لتأمين الممر التجاري المهم.

ورغم المساعي الهندية لتحسين علاقاتها مع حركة طالبان لتقليل المخاطر الأمنية المحدقة بالممرات التجارية الناشئة في المنطقة إلا أن هذه الاستراتيجية قد لا تحقق نتائج ملموسة بسبب البيئة الاقتصادية والأمنية الهشة والاختلافات الثقافية الجوهرية بين الطرفين. 

كما أن العلاقة الوثيقة بين إسلام آباد وحركة طالبان تشكل تهديدا للمصالح الهندية بالمنطقة لأنها تمنح باكستان عمقا استراتيجيا وأمنيا ضد الهند.

  1. العلاقات الروسية-الخليجية: لا ترغب موسكو في المخاطرة بعلاقاتها مع دول الخليج، سيما وأن الامارات والسعودية يضخان استثمارات هائلة في السوق الروسية قطاعات الطاقة والعقارات وتجارة التجزئة. كما وقعت روسيا اتفاقية تعاون عسكري مع السعودية.

تتماس بين روسيا ودول الخليج عدد كبير من القضايا أهمها الحفاظ على استقرار أسعار النفط، وعدم المشاركة الخليجية في العقوبات الاقتصادية على روسيا.

  1. الأزمة السورية: رغم التعاون العسكري المشترك بين روسيا وإيران في سوريا والتي أعطت نتائج إيجابية ملموسة، إلا أنه ليس من المؤكد التوافق بين الطرفين على طبيعة الترتيب السياسي والاقتصادي لمرحلة ما بعد الاستقرار الأمني في سوريا. إذ تتحفظ روسيا على بعض المشروعات الإيرانية في سوريا وفي اللاذقية في المجالات العسكرية والتكنولوجية. 

كما أن طبيعة السلاح الروسي الوارد أن يصل للجيش الإيراني قد يعرقل خطط روسيا في إصلاح الجيش السوري وفق رؤيتها العسكرية الخاصة إذا ما وصلت هذه الأسلحة إلى سوريا.

بالإضافة إلى أن إسرائيل لا تخطط لوقف عملياتها العسكرية جنوبي سوريا في مواجهة الأنشطة الإيرانية ووكلائها هناك مما يؤزم الوضع الأمني بشكل أكبر.

ختاما يمكن القول إن روسيا وإيران تخططان للدخول في مرحلة جديدة في إطار علاقة استراتيجية شاملة تختلف عن مراحل سابقة، حفزتها سياقات دولية وإقليمية مهمة ولكنها تظل خطوة ضمن سلسلة خطوات سابقة ترسم بعدا استراتيجيا. ولكن تواجه هذه العلاقة حدودا ضيقة لا زالت حاضرة، تحد من الجدوى السياسية والأمنية لهذه العلاقة. 

أخيرا، لا زالت زيارة بوتين إلى إيران إعلانا سياسيا مهما في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين وفي إطار التطورات العالمية، مؤداها أن روسيا تقود معسكرا دوليا مناهضا للرؤية الأمريكية. يغلف هذا الإعلان طموحا اقتصاديا بإحياء ممرات تجارية جديدة تعزز فرص نجاح الرسالة الروسية.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية