الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

هل تنخرط إسرائيل في نظام العقوبات على روسيا؟

أكّد “يائير لابيد” أثناء اندلاع الحرب في أوكرانيا (كان وزير الخارجية آنذاك) أن إسرائيل لن تقبل أن تتحول إلى ملاذ آمن للأوليجاركية الروسية في مجال الأعمال. واشترط اضطرار بلاده للاندماج في العقوبات الاقتصادية على روسيا باستمرار التصعيد وتزايد حدته في أوكرانيا، واستكمل: “حتى الآن لم تنخرط إسرائيل رسميًا في العقوبات على روسيا”. وبعد التلويح الروسي الرسمي بغلق الوكالة اليهودية في أراضيها، بعثت إسرائيل برسائل هجومية تهدد فيها باتخاذ خطوات سلبية تجاه روسيا، “من الممكن” أن تكون إحدى هذه الخطوات هو أن تنخرط إسرائيل رسميًا في نظام العقوبات على روسيا. تناقش الورقة جدوى احتمال أن تفرض إسرائيل عقوبات على روسيا، والتداعيات…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

أكّد “يائير لابيد” أثناء اندلاع الحرب في أوكرانيا (كان وزير الخارجية آنذاك) أن إسرائيل لن تقبل أن تتحول إلى ملاذ آمن للأوليجاركية الروسية في مجال الأعمال. واشترط اضطرار بلاده للاندماج في العقوبات الاقتصادية على روسيا باستمرار التصعيد وتزايد حدته في أوكرانيا، واستكمل: “حتى الآن لم تنخرط إسرائيل رسميًا في العقوبات على روسيا”.

وبعد التلويح الروسي الرسمي بغلق الوكالة اليهودية في أراضيها، بعثت إسرائيل برسائل هجومية تهدد فيها باتخاذ خطوات سلبية تجاه روسيا، “من الممكن” أن تكون إحدى هذه الخطوات هو أن تنخرط إسرائيل رسميًا في نظام العقوبات على روسيا.

تناقش الورقة جدوى احتمال أن تفرض إسرائيل عقوبات على روسيا، والتداعيات المحتملة على الاستقرار السياسي في إسرائيل.

الصورة العامة

(1) تجد الطغمة المالية من أثرياء العالم في إسرائيل ملاذًا آمنًا لأموالهم، وأمنهم الشخصي؛ ويعود ذلك إلى عدة عوامل من أهمها: 

أ- اللوائح القانونية التي تمنح الأثرياء متسعًا من تراكم الثورة، وعدم السؤال عن مصدرها، وكذلك متنفسًا من دفع الضرائب في مقابل زيادة الاستثمار في السوق الإسرائيلية. 

ب- التأثير على دوائر السياسة في إسرائيل والوصول إلى قرارات تزيد من قوة الأثرياء، وهو ما اتضح على سبيل المثال في سهولة حصول “رومان أبراموفيتش” (الملياردير الروسي) على الجنسية الإسرائيلية في 2018 بعد موجة العقوبات الاقتصادية التي طالت روسيا وقتها.

نتيجة لذلك، حلّت إسرائيل في المركز الرابع بين أكثر المناطق الجاذبة لاستقطاب أصحاب الملايين، وأصبحت وجهة مزدهرة للباحثين عن الثروة. وفاق عدد أصحاب الملايين 157 ألف مليونيرًا، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 174 ألف مليونير بحلول عام 2024، و20 مليارديرًا.

تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأولى ضمن قائمة الدول التي تستضيف الأثرياء اليهود في العالم، وفي المرتبة الثانية من حيث حجم الثروة جاءت روسيا، بينما حلت إسرائيل في المرتبة الثالثة. وتشير التقارير إلى أن هناك 12 ثريًا يهوديًا يجملون الجنسية الروسية، يبلغ إجمالي ثروتهم 82 مليار دولار (حسب إحصائيات 2020). ولكن تذكر التقارير الروسية الرسمية (تقارير 2014) أنهم 48 ثريًا يهوديًا بإجمالي ثروة 133 مليار دولار أمريكي.

(2) لم تنضم إسرائيل إلى نظام العقوبات المفروض على روسيا رسميًا حتى الآن، ولكنها سارت على استحياء في منع قدوم أي أموال روسية “جديدة” إلى إسرائيل. إذ استلمت البنوك الإسرائيلية خطابات حكومية تحظر عليها استقبال ودائع أو معاملات مالية من روسيا.

فيما تشير تقارير البنوك الإسرائيلية إلى أن 20% تقريبًا من إجمالي ثروة أغنى رجال الأعمال الروس اليهود في إسرائيل لا تزال داخل خزائن البنوك، ولم يُفرض عليها حظرٌ حتى الآن.

محددات التصرف الإسرائيلي

هناك مجموعة من الخطوط الأساسية التي ستضعها إسرائيل في حساباتها قبل الانخراط في عقوبات اقتصادية ضد الأثرياء الروس، وهي:

1. لا يوجد في إسرائيل نظام عقوبات خاص بها، بل يتم تشكيل لجنة عقوبات خاصة تدرس الحالات بشكل فردي، أي إن كل حالة لها حيثياتها الخاصة، وحساب التداعيات السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي من قرار فرض العقوبة. في حالة سيناريو اضطرار إسرائيل لفرض العقوبات فستمتثل إسرائيل مبدئيًا بالقائمة الواردة من الولايات المتحدة. 

2. قانون ميلتشن: سنّت حكومة إيهود أولمرت في 2008 قانون ميلتشن الذي يسمح للأثرياء في العالم بعدم دفع الضريبة، وعدم تقديم أي ذمم مالية للبنوك الإسرائيلية شريطة ضخ الاستثمارات في الاقتصاد الإسرائيلي. وأظهر نتنياهو في 2018 تعنتًا واضحًا من أجل استمرار العمل بالقانون وعدم إلغائه بعد تنامي أصوات تدعو لبطلانه.

هل تُقدِم إسرائيل على إلغاء القانون؟ في الواقع، مرت إسرائيل بثماني محاولات فاشلة في مسار إلغاء القانون، رغم معارضة وزراء المالية آنذاك “يائير لابيد” (رئيس الوزراء الحالي) و”موشيه كحلون” واشترك معهم مراقبو الدولة. سيتسبب إلغاء القانون في التأثير السلبي على بقية الأثرياء المستثمرين في إسرائيل مما قد يدفعهم للهرب إلى دول إقليمية مثل الإمارات أو تركيا. وهو ما يُفقد إسرائيل محركًا مهمًا من محركات الاقتصاد الإسرائيلي في الوقت الحالي، سيما وأنه بحسب خريطة هجرة رجال الأعمال حول العالم يتبين أن إسرائيل تحتل المركز الرابع بين قائمة الدول المستقبلة لحاملي رؤوس الأموال.

world map showing millionaire migration in 2022

3. شراكة متسعة بين الأثرياء الروس وإسرائيل: نتج خلال العقود الماضية رسوخ شراكة متعددة المجالات بين الأثرياء الروس وإسرائيل على النحو التالي:

1. استثمارات في قطاع السكن خاصة في تل أبيب، وتمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية. ارتفعت أسعار الشقق في إسرائيل (حسب أحدث إحصاء فبراير 2022) بنسبة 2.1%، وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الشقق في إسرائيل تعد مفصلًا مهمًا في تحريك الرأي العام ضد الحكومات خاصة في ظل وجود الحكومة الهشة الحالية.

2.استثمارات في قطاع التصنيع الدفاعي عبر شركات إسرائيلية خاصة، على غرار شركة التحليلات والتكنولوجيا العسكرية التي كان يترأسها “بيني جانتس” (وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي) والتي أعلنت إفلاسها بعد موجة العقوبات التي فرضت على روسيا في 2018، بسبب أنها كانت تابعة لاستثمار ثري روسي. 

3. تأثر عدد من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية المدرجة في البورصة الأمريكية بسبب الحرب في أوكرانيا ونظام العقوبات المعمول به في الولايات المتحدة.

4.الهجمات العسكرية الإسرائيلية في سوريا: شهدت قمة طهران الأخيرة بين تركيا وروسيا وإيران توافقًا مبدئيًا على خطورة الهجمات الإسرائيلية على الاستقرارين الأمني والسياسي في سوريا. وحملت التطورات الأخيرة لطبيعة التنسيق الروسي الإسرائيلي توترًا طفيفًا يحمل رسائل سياسية من موسكو تجاه إسرائيل. ولكن يبقى الحال أن إسرائيل تتخوف من نفوذ إيراني مكثف في الجبهة الشمالية على أمنها القومي المباشر مما يتطلب وتيرة مكثفة من العمليات العسكرية الإسرائيلية.

السيناريوهات المحتملة

تتمثل مجموعة من السيناريوهات أمام صانع القرار الإسرائيلي بشأن العقوبات المحتمل فرضها على روسيا بمن فيهم الأثرياء في إسرائيل. 

أولًا- استثناء بتنسيق مع الولايات المتحدة:

يبدو أن هناك حلفاء للولايات المتحدة ينكشفون على السوق الروسية بشكل مؤثر مثل الهند التي طالبت أن يكون هناك قانون خاص لاستيراد الطاقة من روسيا بعيدًا عن نظام العقوبات. ويمكن أن تلوح إسرائيل بتنسيق مشترك مع واشنطن من أجل تسوية أوضاع الأثرياء الروس اليهود، خاصة هؤلاء البعيدين عن السياسة أو الكرملين بشكل مباشر.

سيما وأن الاقتصاد الإسرائيلي يمثل أحد أهم محددات بقاء الحكومة الإسرائيلية الائتلافية الحالية، ولا يتحمل ظواهر اقتصادية سلبية مثل هروب الاستثمارات أو فرض عقوبات عليها.

* أو في المقابل، يمكن أن تتعهد الولايات المتحدة بضمانات لإسرائيل بضخ استثمارات في قطاع التكنولوجيا المتقدمة الإسرائيلي لتعويض تأثيرات العقوبات، أو تعزز مسارًا إقليميًا تكامليًا بين إسرائيل ودول في الشرق الأوسط مثل الإمارات وتركيا.

ثانيًا- وكيل إماراتي:

تتزايد المؤشرات الدالة على احتمالية هروب أثرياء الروس إلى دولة الإمارات بسبب تساهل الأخيرة في مسألة الشفافية المالية وضوابط المال غير المشروع. وتتفق التقديرات على أن الإمارات لم تتحرك بجد لتنظيم هذه الضوابط، يضاف إليه أن الإمارات لم تعلن انحيازها للصف الأمريكي حتى الآن، وتحاول إيجاد توازن في علاقاتها مع تنامي روابطها السياسية والاقتصادية مع موسكو. وكل ذلك لا يمنع تعاونًا بين البنوك الإماراتية والإسرائيلية في عقد تنسيق في عملية انتقال ثروات الروس اليهود وغير اليهود بين تل أبيب ودبي، لا سيما وأن الجانبين يلوحان برفضهما مسار الاتفاق النووي على وضعه الحالي، وقد يدرسان خلق أوراق مساومة أمام الولايات المتحدة.

ثالثًا- ضغط أمريكي:

يتبقى سيناريو أن توجه واشنطن قرارًا إلى إسرائيل بانضمامها بشكل كامل ورسمي لنظام العقوبات على روسيا دون الالتفات إلى التأثيرات، وهو ما قد يعني إلغاء قانون ميلتشن الذي يعد مظلة لعدد كبير من الأثرياء في إسرائيل، أو تنامي استياء روسي داخلي خاصة من حزب أفيجدور ليبرمان (وزير المالية الحالية) الذي يعتبر نفسه حامي المجتمع الروسي في إسرائيل.

ختامًا، يمكن القول إن الموقف الإسرائيلي من أزمة العقوبات المحتمل فرضها على الأثرياء الروس اليهود في إسرائيل يعد مؤشرًا مهمًا في مسار العلاقات الإسرائيلية الأمريكية. لذلك يعد هذا الملف مؤشرًا على عدم ارتياح إسرائيلي كامل من استمرار الحرب في أوكرانيا.

ولا يزال هناك بعض التوتر الخفي في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب بسبب أن إسرائيل تحرص على خلق توازن مع جميع الأطراف دون انحياز كامل وغير مشروط للولايات المتحدة التي تحاول فرض مقاربتها لشكل النظام الدولي (حفظ الهيمنة الأمريكية).

ورغم رفض الولايات المتحدة لمشروع نورد-ستريم 2 بين ألمانيا وروسيا في بادئ الأمر، فإن إدارة بايدن عالجت المسألة باتفاق ثلاثي يمنح واشنطن الحق في إلغاء المشروع في حالة حدوث تعارض مصالح. لذا، حسب فلسفة الإدارة الأمريكية الحالية يبدو أن بايدن من المستبعد أن يلزم إسرائيل بقرار أحادي الجانب دون تنسيق مع إسرائيل يمنحها مرونة تحفظ لحكومتها الاستمرار فترة أطول.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية