الدراسات العربية والإقليمية

تأثير العقوبات الأمريكية على إيران بين الداخل والخارج

       شهد عام 2015 توقيع الاتفاق النووي والذي اقتضى رفع العقوبات الدولية عن إيران في مقابل تفكيك برنامجها النووي، وقد تم الاتفاق، المعروف “بخطة العمل الشاملة المشتركة” بين إيران والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا بما عرف بمجموعة “5+1″، ولكن كان لإدارة ترامب رؤية مخالفة لهذا الاتفاق لما يحتويه من “ثغرات كبيرة” وعليه كان القرار في الثامن من مايو الماضي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع تطبيقها لدفعة أولى من العقوبات الاقتصادية على إيران. وقد ولد قرار الانسحاب الأمريكي مع تطبيق العقوبات حالة من التعقيد للأزمة الإيرانية سواء في الداخل الإيراني وما يشهده من عدم استقرار، وأيضا في الخارج نظرا…

نوران عوضين
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية

       شهد عام 2015 توقيع الاتفاق النووي والذي اقتضى رفع العقوبات الدولية عن إيران في مقابل تفكيك برنامجها النووي، وقد تم الاتفاق، المعروف “بخطة العمل الشاملة المشتركة” بين إيران والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا بما عرف بمجموعة “5+1″، ولكن كان لإدارة ترامب رؤية مخالفة لهذا الاتفاق لما يحتويه من “ثغرات كبيرة” وعليه كان القرار في الثامن من مايو الماضي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع تطبيقها لدفعة أولى من العقوبات الاقتصادية على إيران. وقد ولد قرار الانسحاب الأمريكي مع تطبيق العقوبات حالة من التعقيد للأزمة الإيرانية سواء في الداخل الإيراني وما يشهده من عدم استقرار، وأيضا في الخارج نظرا لتعدد الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة أو المتأثرة من القرار الأمريكي.

أولا: الانسحاب الأمريكي وتطبيق العقوبات: –

    يرجع الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي إلى عدد من الأسباب:

1- معارضة ترامب للاتفاق الذي ألزم الولايات المتحدة بالإفراج عن مليارات من الأصول الإيرانية المجمدة في مقابل وقف برنامجها النووي.

2- ما تثيره إيران من توترات وعدم استقرار بمنطقة الشرق الأوسط، حيث تواجدها العسكري بسوريا، ودعم الحوثيين باليمن.

3- استمرار إيران في تطوير منظومة الصواريخ الباليستية.

وفي السابع من أغسطس أعلن ترامب تطبيقه للعقوبات الاقتصادية بهدف الضغط على إيران إما لتغيير سلوكها المزعزع للاستقرار والاندماج في الاقتصاد العالمي، أو عزلتها اقتصاديا. وتدور العقوبات الأولية حول تجميد التعاملات المالية وواردات المواد الأولية، كما تستهدف قطاعي السيارات والطيران التجاري، ومن المقرر أن تبدأ حزمة أخرى من العقوبات توصف بكونها الأشد، في الخامس من نوفمبر القادم، نظرا تركزها بالأساس على مجالات الطاقة والنفط، إلى جانب الشحن البحري، والتعاملات المالية للمؤسسات الأجنبية مع البنك المركزي الإيراني.

ثانيا: العقوبات الأمريكية والداخل الإيراني: –

       شهدت إيران مع نهاية ديسمبر 2017 مظاهرات ناتجة عن ارتفاع الأسعار وزيادة البطالة والأزمة المالية الخانقة. وبعودة العقوبات الأميركية على إيران، من المتوقع أن يتعثر الاقتصاد المحلي مجددا، نتيجة لتوقع ارتفاع البطالة، وتضرر قطاع النفط، وتراجع الاستثمار الأجنبي.

وفي ظل تلك الأوضاع يبرز التصدع بالداخل الإيراني، فمنذ توقيع اتفاق 2015 كان هناك خلاف في الرؤية بين خامنئي وروحاني، فخامنئي كان يرى أن المشاكل لن تنتهي مع الولايات المتحدة نظرا لماهية الجمهورية الإسلامية وما تدافع عنه ضد نظام” الهيمنة والاستكبار”، لذلك يجب الحفاظ على الوعي حيال ما تنتويه الولايات المتحدة من عداء لإيران، في المقابل كان إعلان روحاني عن دخول إيران لمرحلة جديدة من العلاقات مع واشنطن بعد عهد من العداء.

زادت مظاهر الخلاف بعد ما شهدته إيران من عدم استقرار نتيجة لأزمتها الاقتصادية، حيث تشير بعض تصريحات خامنئي إلى تحميل روحاني المسؤولية عن عدم الاستقرار، حيث أرجع أسباب الأزمة إلى بعض السياسات التنفيذية الخاطئة، فإذا ما كانت الإجراءات أفضل وبشكل صحيح فإنه لم يكن بوسع العقوبات أن تؤثر كثيرا ويمكن الوقوف بوجهها.

على الجانب الآخر، يبرز الخلاف بين البرلمان الإيراني الممثل في نائب الرئيس، والحرس الثوري، حيث اتهم نائب رئيس البرلمان الإيراني علي مطهري الحرس الثوري الإيراني بعرقلة تطبيق الاتفاق النووي بسبب تجارب قوات الحرس الثوري على الصواريخ البالستية، فمعارضة قوات الحرس الثوري للاتفاق النووي أدت إلى تفاقم التردي الاقتصادي وتراجع الاستثمار الأجنبي وانسحاب ترامب من الاتفاق النووي.

لم يتوقف الأمر عند حد الخلافات بين المؤسسات الداخلية الإيرانية، ولكن امتد أمر الاضطراب  الداخلي إلى تنفيذ عمليات تتسم بالعنف حيال أفراد الحرس الثوري الإيراني ، حيث أبرزت تلك العمليات غياب الجاهزية، وبرز ذلك في حادث إطلاق النار على العرض العسكري للحرس الثوري الإيراني بمنطقة الأهواز سبتمبر 2018، فقد أظهر هذا الهجوم غياب الجاهزية لدي أفراد الحرس الثوري وفتح الباب أمام احتمالية تكرار الهجوم، وهو ما تكرر بالفعل في منتصف أكتوبر 2018خلال قيام جماعة “جيش العدل” بخطف عدد أربعة عشر فردا من قوات الأمن الإيراني، من بينهم شخصان منتميان إلى الحرس الثوري.

ثالثا: العقوبات الأمريكية والبيئة الخارجية الإيرانية: –

      كان الترحيب هو رد الفعل الأساسي لكل من السعودية والإمارات وإسرائيل. حيث أيدت السعودية والإمارات قرار العقوبات نتيجة لعدم تحجيم الاتفاق للنشاط الإيراني المهدد من خلال دعمها لجماعات الحوثي وتهديدها الصاروخي عبر اليمن، كذلك تنامي دورها الإقليمي من خلال وكلاءها بالعراق ولبنان وسوريا، عدم نجاح الاتفاق في إخلاء المنطقة من خطر السلاح النووي نتيجة لمواصلة إيران تطوير قدراتها النووية، ورهانهما على فعالية العقوبات الاقتصادية كمحجم لنشاطها التهديدي.

أما إسرائيل والتي ترى في إيران عدوها الرئيسي بالمنطقة، فقد دعمت القرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاقية التي لم تتفق معها منذ البداية؛ نظرا لما أنتجته من تطوير إيران لترسانتها النووية، ومع ذلك يثار في إسرائيل مخاوف من قبل العسكريين نابعة من عدم وجود ما يُلزم إيران بتحجيم نشاطها النووي كذلك مع احتمالية التعرض لضربات انتقامية او حدوث مواجهة عسكرية مباشرة.

على الجانب الأوروبي، فقد أثار قراري الانسحاب والعقوبات معارضة أوروبية، إذ أكدت الدول (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) التزامها بالاتفاق النووي برغم الانسحاب الأمريكي، كما أن الاتحاد الأوروبي سيعمل على تفعيل قانون إلى جانب إنشاء كيان قانوني بغرض مواصلة التجارة مع إيران وبخاصة التجارة النفطية ولتسهيل المعاملات المالية، الامر الذي يعفي الشركات الأوروبية من  الالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران، ولا يعترف بأي أحكام قضائية تضع تلك العقوبات موضع التنفيذ، كما أقرت مجموعة الدول الخمس الأوروبية حق إيران في تصدير النفط، مع إبقاء قنوات مالية فاعلة مع إيران واستمرار التبادل معها، وتطوير تغطية الائتمان عند التصدير وتشجيع الاستثمارات الجديدة في إيران.

وبالرغم من كل السياسات الأوروبية الهادفة إلى مواصلة التعاون الاقتصادي مع الجانب الإيراني وفي إنجاح الاتفاق، إلا أن ذلك لم يكن مبررا كافيا لدي بعض الشركات التي آثرت الانسحاب من إيران خشية تنفيذ الولايات المتحدة لتهديدها بفرض عقوبات على الأنشطة التجارية لتلك الشركات معها، كذلك فإن الولايات المتحدة قد وضعت تصريحاتها التهديدية في محل الفعل حين فرضت غرامات طائلة على بنوك لإدارتها معاملات مالية مع إيران، من بينها بنوك “تستاندرد تشارترد” و”إتش إس بي سي” و”لويدز” التي تقع مقارها في بريطانيا.

ومن ناحية روسيا والصين، ففي أبريل 2018 طالبت كلا الدولتين الدول الأعضاء بالأمم المتحدة مساندة بيان يعبر عن” دعم راسخ” للاتفاق النووي، كذلك فإن الصين تدعم إيران في تصديها للنفط نظرا لكونها من كبار مستورديه، لذلك يتضح وجود اتفاق أوروبي صيني في هذا الشأن. كما عملت روسيا على إجراء محادثات مع الأوروبيين لإنقاذ الاتفاق، ومواجهة تداعيات القرار على اقتصادياتهم، كذلك فإن روسيا عملت على دعم الاقتصاد الإيراني عن طريق توقيع اتفاق أولي لإقامة منطقة تبادل تجاري حر بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.، وامتد الأمر إلى توقيع إيران إلى اتفاق بحر قزوين مع كلا من روسيا كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان، هذا الاتفاق الذي يعمل على تهدئة التوترات الإقليمية ويمنح إيران مساحة آمنة دون خلافات ويفتح المجال نحو توطيد أكبر للعلاقات مع روسيا.

وبالرغم من تعدد مجالات الدعم الروسي للجانب الإيراني، إلى أن مشهد العلاقات يشهد نوع من التداخلات في بعض الأحيان ناتجة عن تضارب للمصالح والأهداف، فقد اتضح ذلك الأمر خلال فترة توطد العلاقات الروسية الإسرائيلية والتي نتج عنها سحب القوات الإيرانية لأسلحتها الثقيلة في سوريا إلى مسافة 85 كيلومترا من هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل، واستمرار المشاورات الإسرائيلية الروسية حول الوجود الإيراني في سوريا، وهو الأمر الذي أثار حينها الاحتجاج الإيراني والذي تبلور من خلال تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “بهرام قاسم” الذي أعلن عن أن مسألة تخفيض و إنهاء وجود إيران “الاستشاري” في سوريا سيتم في حالة الشعور باستقرار الأوضاع أو وجود اتفاق بين إيران وسوريا بذلك دون وجود مشاركة لطرف ثالث، “فلروسيا تنظيم علاقاتها مع بقية العالم بطريقة تخدم مصالحها، وهذا الحق مضمون لإيران أيضاً، ويتم العمل بناء على ذلك”.

ولكن هذا الخلاف لم يدم طويلا نتيجة لحادث سقوط طائرة روسية وتحميل روسيا الجانب الإسرائيلي المسؤولية عن هذا الحادث، الأمر الذي أسفر عن تسليح روسيا للنظام السوري بصواريخ ” إس 300″ ، إلى جانب تشغيل الإلكترونيات التي تجعل من الصعب على الإسرائيليين تنفيذ ضرباتهم الجوية، فضلاً عن منح السوريين أجهزة للتحقّق تحد من إمكانات الخطأ والتضارب بين الحلفاء. ولم تكن المسألة التوافق الروسي الإسرائيلي فحسب هي سبب القلق الإيراني، فهناك التخوف من حدوث خلاف في حال ما إذا اتجهت روسيا نحو زيادة إنتاجها النفطي بما يضر المصلحة الإيرانية.

وأخيرا، فإنه على الرغم مما يبديه النظام الإيراني بشكل علني عن مقاومته للضغوط والعقوبات المطبقة، فإن هناك عدد من الاحتمالات التي قد يتبعها الجانب الإيراني:

1- التفاوض: هناك عدد من البوادر المرجحة لمسألة التفاوض، بدايتها تتمثل في الجهود العُمانية في مسألة الوساطة بين البلدين إضافة إلى الجهود الأوروبية الحالية المبذولة في سبيل إنجاح الاتفاق. ثم هناك ما تمر به إيران داخليا من عدم استقرار وتحميل المرشد الأعلى مسؤولية مجريات الداخل لروحاني، وهو ما قد يدفع روحاني نحو السعي إلى التفاوض لإثبات صحة سياسة الإصلاحيين وللخروج من الأزمة الاقتصادية وتوسيع قاعدة الدعم الشعبية قبيل الاستحقاقات الانتخابية 2020، وهذا أيضا في ظل عدم ضمان استمرار الدعم الأوروبي الحالي، واستمرار انسحاب الاستثمار الأجنبي.

2- الإحجام عن التفاوض: يدعم نجاح هذا الاحتمال كلا من روسيا والصين، ففي ظل العقوبات المفروضة على روسيا والتوترات الناتجة عن الرسوم الجمركية على الصين، فقد تمثل الأزمة الإيرانية ردا من قبل الدولتين على الإجراءات الأمريكية الأخيرة ضدهما، كما فعلت الصين بقرارها استمرار استيراد النفط من إيران، واتفاق “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” مع إيران، وكذلك اتفاق دول بحر قزوين.

3- انسحاب إيران من الاتفاقية: فبالرغم مما تلوح به إيران من تهديد بين الحين والآخر متعلق بالانسحاب من الاتفاق، لكن وفي ظل ما تعانيه من أزمات داخلية، وضغط أمريكي لتحقيق عزلتها الدولية، يصبح من الصعب ترجمة احتمالية الانسحاب إلى واقع؛ لأن من المصلحة الإيرانية الاستمرار في الاتفاق لضمان مواجهة الضغط الأمريكي وتجنبا لتدهور اقتصادي أكبر.

4- الحرب: فبالرغم من تطويرها المستمر لمنظومة أسلحتها وصواريخها، إلا أن خامنئي قد أعلن عن عدم انسياق إيران للحرب، ولكن قد توجه إيران ضربات لحلفاء الولايات المتحدة من خلال وكلاءها بالمنطقة سواء الحوثيين أو جماعة حزب الله.

نوران عوضين
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية