الأجندة

المشهد الأوروبي : تأزم داخلي متصاعد.. واتساع فجوة القيادة

تبدو أزمات السياسة والحكم، ومعها الضغوط التي تواجه الاتحاد الأوروبي، مرشحة للاحتدام في عام 2019، إذ إن هناك وضعًا متأزمًا في البلدان الأوروبية الرئيسية (مثل: ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلجيكا، واليونان)، وبدرجة أقل في السويد والدنمارك، وذلك بسبب تواصل الضغوط التي تواجه المعادلة السياسية التي أطّرت الحياة السياسية الأوروبية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد قامت هذه المعادلة على مزيجٍ من الاستقطاب والتوافق بين يمين ويسار تقليدِيَّيْن، يمثل كل منهما طبقات اجتماعية واضحة المعالم، بحيث يتفق الطرفان على صيغة تجمع بين الرأسمالية ودولة الرفاه، ويختلفان حول الدور النسبي لكلٍّ منهما. إلا أن نجاح هذه الصيغة في العقود…

فريق عمل "توقعات ٢٠١٩"

تبدو أزمات السياسة والحكم، ومعها الضغوط التي تواجه الاتحاد الأوروبي، مرشحة للاحتدام في عام 2019، إذ إن هناك وضعًا متأزمًا في البلدان الأوروبية الرئيسية (مثل: ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلجيكا، واليونان)، وبدرجة أقل في السويد والدنمارك، وذلك بسبب تواصل الضغوط التي تواجه المعادلة السياسية التي أطّرت الحياة السياسية الأوروبية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد قامت هذه المعادلة على مزيجٍ من الاستقطاب والتوافق بين يمين ويسار تقليدِيَّيْن، يمثل كل منهما طبقات اجتماعية واضحة المعالم، بحيث يتفق الطرفان على صيغة تجمع بين الرأسمالية ودولة الرفاه، ويختلفان حول الدور النسبي لكلٍّ منهما. إلا أن نجاح هذه الصيغة في العقود السابقة أنتج الضغوط التي تواجهها أوروبا اليوم، إذ أدى التحسن في الخدمات الصحية إلى ارتفاع نسبة المسنين، وزيادة الأعباء التي تتحملها الدولة، . كما أن المنافسة العالمية، وتوسع اقتصاد الخدمات، تسببا في تآكل الطبقة العمالية، وتوسع الطبقات الوسطى، عبر انضمام فئات إضافية لم يتم بعد تأمين الوضع الاجتماعي والضمانات التي تناسبها.

شعبوية متصاعدة

ومع اتساع قاعدة الطبقات الوسطى، وتنوع مشاربها وأيديولوجياتها، اضطرت أغلب الأحزاب اليسارية أو على الأقل تلك التي وصلت إلى سدة الحكم إلى تغيير برامجها لتكون أكثر ليبرالية، ولتخاطب أكبر عددٍ من شرائح الطبقات الوسطى. وفيما تبنّت هذه التيارات مشروع الوحدة الأوروبية، وخطابًا مرحِّبًا بالهجرة، وبالثقافات الأخرى، وبتوسيع مجال الحريات، فقد ظهرت كرد فعل على هذا التوجه تياراتٌ شعبوية معادية لكل النخب (الشعبوية اليمينية) أو لبعضها (الشعبوية اليسارية)، تعادي بدرجات متفاوتة العولمة الرأسمالية، والمشروع الأوروبي، والهجرة، وتتمسك بالثقافة الأصلية، وبالدور الحمائي للدولة. ونجحت تلك التيارات الشعبوية في توسيع قواعدها، لا سيما بعد أن وضحت تكلفة العولمة، وتدهور مستوى معيشة قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى، كما فرضت تغيير جدول القضايا المطروحة على الساحة، وفرض الاهتمام بقضايا الهوية، وأجبرت أغلب القوى الأخرى على التوجه يمينًا في معالجة قضايا الثقافة والهجرة.

اتجاهات التأزم

من المرجّح استمرار التأزم السياسي في الدول الأوروبية، وفي الاتحاد الأوروبي، بناءً على وجود واستمرار عددٍ من الاتجاهات، من أبرزها:

1- تزايد التشاؤم والضبابية : ففي أغلب الدول الأوروبية يسود تشاؤم منذ سنوات عديدة بشأن مستقبل الأوطان، لكن الجديد أن التشاؤم بات متزايدًا بشأن المسارات المهنية الفردية، إذ تظن فئات أوروبية متزايدة أن النخب السياسية لن تجد حلولًا للمشكلات، مع اختلاف في تفسير أسباب الفشل المتوقع. لذا، ترتفع نسبة الناخبين الذين يصوتون لمرشح دون أن يكونوا مقتنعين ببرنامجه لأنه «أخف الأضرار»، وذلك سواء انتخبوا أحزابًا تقليدية أم شعبوية. ويترتب على هذا الوضع ضبابية كبيرة، إذ لم يعد من الممكن التنبؤ بنتائج أي اقتراع.

2- فجوة أوروبية-أوروبية : حيث ترى فئات أوروبية يتزايد عددها، لا سيما في إيطاليا وفرنسا، في كلٍّ من المشروع الأوروبي والعولمة فخًّا لا يمكن الخروج منه، ولا يمكن حل المشكلات في إطارهما. إذ ترى دول الجنوب والشرق الأوروبي أن المشكلة تكمن في هيمنة ألمانيا، وميلها إلى اتخاذ قرارات منفردة (في موضوع الهجرة)، وفي كون اليورو مُصمَّمًا لتلبية احتياجات برلين، ولتسهيل آليات عمل الاقتصاد الألماني، في حين أنه يعرقل آليات الاقتصادات الأخرى. وتنظر قطاعات ألمانية إلى دول الجنوب الأوروبي على أنها متقاعسة، ومبذرة، تريد من الألمان دفع فواتير ليوفروا عناء إعادة الهيكلة.

3- تداعيات متفاوتة للعولمة : حيث تسببت في تزايد الهوة بين المستفيدين منها والمتضررين٬ حيث اتسعت الفروق بين الدخول وبين القدرات الشرائية، حتى في الطبقات الوسطى في أوروبا. ونجحت سياسات إعادة التوزيع في الحد من تلك الظاهرة في بعض الدول، لكنها لم تقضِ عليها. وحتى حال النجاح النسبي، فإن الاستياء المجتمعي يبدو كبيرًا، حيث لا يجب على الناخبين الاعتماد على الإعانات، مع اتجاه حكومات أوروبية إلى تقليصها. ويلاحظ أن المستفيدين موضوعيًّا من الأوضاع ليسوا دائمًا راضين عنه، حيث يشتكون من القلق على وظائفهم، وإجبارهم على العمل ساعات إضافية. وينبع القلق هنا من إمكانية نقل المصانع والمكاتب الأوروبية إلى دول أخرى، والتبعات المتوقعة لثورة الذكاء الصناعي. ناهيك عن معاناة مناطق داخل الدول الأوروبية من الركود، والهجرة الداخلية، وضعف الأمن.

4- الاستقطاب الهوياتي الحاد : إذ إن هناك استقطابًا في كل مجتمع أوروبي حول قضايا الهجرة، والهوية الثقافية، والتعددية الثقافية، ومنظومة القيم الليبرالية، ومفهوم الدولة الأمة. ويتجلى ذلك في قضية الهجرة بين اتجاهين رئيسيين: الأول، يرى أن الهجرة ضرورية لأوروبا، سواء لقلة عدد المواليد، أو إثراء الثقافة الوطنية والتعددية، أو التوجس من الفكر القومي المتعصب. ويرى هذا الاتجاه أيضًا في الوحدة الأوروبية ضرورة لمواجهة تحديات الصين والولايات المتحدة وروسيا. أما الاتجاه الثاني، فينظر للهجرة كغزو إسلامي يريد فرض قيم مغايرة، ويهدد الهوية الوطنية٬ كما يرى المشروع الأوروبي والليبرالية الاقتصادية و/أو الثقافية الجديدة مشروعًا سلطويًّا لا يحترم إرادة الشعوب، وينتقص من سيادة الدولة الوطنية وقدرتها على إدارة الملفات. ويُلاحَظ أن الموقف الأوروبي تجاه الإسلام بشكل عام، والإسلام السياسي خاصة، يقسم المعسكر الليبرالي، فهناك نسبة معتبرة من الليبراليين يتوجسون منهما، بينما توجد نسبة ضئيلة من المحافظين مرحبة بهما. واستطاع المعسكر الثاني فرض قضايا الثقافة والهجرة والهوية على رأس قائمة القضايا المطروحة للنقاش العام، والمحدِّدة لسلوك الناخبين، كما أجبر قوى عديدة على التوجه يمينًا لمراعاة الرأي العام.

5- تباين أولويات التهديد : فثمة إدراكات بأن إدارة الرئيس الأمريكي «ترامب»، والنظام الروسي، يحاولان إضعاف الوحدة الأوروبية. فهناك من يرى أن واشنطن ترغب في الحد من قوة ألمانيا، وترغب في التعامل مع كل دولة أوروبية على حدة. بينما تنظر روسيا للغرب كعدو لم يحترم كلمته منذ التسعينيات. وبين هذا وذاك، فإن ثمة نظرة إلى أن الصين توظف عثرات بعض الدول الأوروبية من أجل زيادة تغلغلها، كما في اليونان والمجر والبرتغال وهولندا. وتتصل قضايا الدفاع المشترك في أوروبا بتلك القضية، فثمة اتفاق على ضرورة تعزيزه، لكن في المقابل هناك خلافات حول تحديد أولوية التهديدات (روسيا أم جنوب المتوسط؟)، بخلاف الموقف من تركيا. فضلًا عن إشكالية التمويل، فثمة استياء أوروبي عام من ألمانيا.

6- خلافات فرنسية-ألمانية : ففي مواجهة التحديات المتعاظمة للمشروع الأوروبي، تبدو احتمالية اتفاقٍ ألماني-فرنسي لإعادة الحيوية إلى أوروبا ضعيفة إلى حدٍّ بعيد، في ظل تباينات عديدة بين برلين وباريس.

قضايا ملحة

في عام 2019، تتمثل القضايا الأكثر إلحاحًا وخطورة على الساحة الأوروبية في:

1- هزة مالية محتملة في إيطاليا : فثمة مخاطر من تعرض هذا البلد، الذي يُنظر إليه على أنه الرجل المريض اقتصاديًّا في أوروبا، لهزةٍ مالية كبرى، لا سيما وأن نظامها البنكي مهدد بالانهيار تحت وطأة الديون، بخلاف أنها دولة أكبر حجمًا بكثير من اليونان، وسيتطلب إنقاذها مجهودًا وتمويلًا قد لا تقدر عليه أوروبا، ومن الواضح أن بعض الحلول الأوروبية محل الدراسة سيترتب عليها تفاقم المشكلة على المدى الطويل.

2- تنامي مأزق القيادة الأوروبية : حيث تبدو ألمانيا في حالة شلل في مرحلة انتقال السلطة بين المستشارة «أنجيلا ميركل» وخَلَفِها٬ فيما تعاني فرنسا ضعفًا بعد الأزمة السياسية الكبيرة التي تعرّضت لها إثر احتجاجات حركة «السترات الصفراء» في نوفمبر 2018. ويتفق المراقبون على ضرورة توصل البلدين إلى اتفاقٍ لإعادة الحيوية للمشروع الأوروبي، لكن ذلك يبدو صعبًا، لا سيما وأن الرأي العام الألماني لا يريد ما يسميه مكافأة من يعتبرهم المبذرين في أوروبا، ويطالب بالتركيز على معالجة مشكلة اتساع رقعة الفقر في بلاده. وينادي بعض الخبراء الألمان بضرورة طرد دول الجنوب من الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل إقرار مبدأ وجود مجموعة أسرع من الأخرى فيها. لكن ومع ذلك، فإن ألمانيا تحتاج سياسيًّا إلى فرنسا، وإن تراجع الاعتماد الاقتصادي عليها، بعد انسحاب بريطانيا العظمى. على جانب آخر، ترى فرنسا أن قدرتها محدودة بسبب أوضاعها المالية الراهنة، وضعف شعبية رئيسها «إيمانويل ماكرون» بعد الاحتجاجات الأخيرة.

3- الحد من تدهور العلاقات الأوروبية : إذ تبدو العلاقات بين الدول الأوروبية الرئيسة، خاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وبريطانيا، فاترة بل ومتوترة. ومن المتوقع أن تعمل تلك الدول على تحسينها، أو الحد من تدهورها، برغم غياب الثقة بين القوى الحاكمة في هذه الدول. ويبرز هنا تساؤل على المدى الطويل: هل ستختار فرنسا التحالف مع ألمانيا ضد المتوجسين من الوحدة الأوروبية؟ أم ستفضل التحالف مع هذا الفريق لفرض مراجعة قواعد اللعبة، لا سيما حول السياسات النقدية والضريبية؟. اختار الرئيس الفرنسي الخيار الأول، لكن النتائج تبدو مخيبة للآمال بالنسبة له. بموازاة ذلك، يلاحظ أيضًا أن دولًا، مثل بولندا وفرنسا، قد تحاول توظيف عداء «ترامب» لألمانيا لتحقيق مكاسب في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

4- جمود الجيش الأوروبي الموحد : حيث لا يُتوقع الإقدام على خطوات أوروبية ذات مغزى فيما يتعلق ببناء جيش موحد، في ظل المأزق الفرنسي، وتباين النظرة إلى أولويات التهديد بين الدول الأوروبية.

5- احتمال نشوب أزمات خارجية: حيث لا يمكن استبعاد سعي روسيا أو الولايات المتحدة أو تركيا إلى خلق أزمات في الداخل الأوروبي، أو على الحدود، أو فيما يتعلق بالتجارة، مما يترتب عليها مزيدٌ من الإضعاف.

فريق عمل "توقعات ٢٠١٩"