إخوان تونس.. انتهاك وفساد وصناعة للتطرف

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى تلك الواقعة، ربما لا نحتاج إلى كثير من التحليل، أو وضع نقاط فوق زوايا وحروف خاصة بالملابسات، وقد لا يكون الاستدلال بدرجة المشقة التى من الممكن أن تعترى القضايا المختلفة، فحقيقة الأمر فى هذه الجريمة- يكفينا فقط روايتها بمشاهدها وأرقامها ووقائعها المتتالية كى تصلنا جرعة الصدمة كاملة- ستكون وحدها كفيلة ببعث الطمأنينة فى النفس بأن من اتخذ قرار الحرب على كل ما هو يمثل «مشروع الإخوان» يقف فى الاصطفاف الصحيح دون مراء، وأن ملاحقة نشاطهم الممتد بكل الوسائل الممكنة فى جميع دول العالم، العربية والأجنبية، يظل «فرض عين» لكل من يحلم بمستقبل نظيف آمن، لأوطاننا وأجيالنا ولمعادلات الأمن التى…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى تلك الواقعة، ربما لا نحتاج إلى كثير من التحليل، أو وضع نقاط فوق زوايا وحروف خاصة بالملابسات، وقد لا يكون الاستدلال بدرجة المشقة التى من الممكن أن تعترى القضايا المختلفة، فحقيقة الأمر فى هذه الجريمة- يكفينا فقط روايتها بمشاهدها وأرقامها ووقائعها المتتالية كى تصلنا جرعة الصدمة كاملة- ستكون وحدها كفيلة ببعث الطمأنينة فى النفس بأن من اتخذ قرار الحرب على كل ما هو يمثل «مشروع الإخوان» يقف فى الاصطفاف الصحيح دون مراء، وأن ملاحقة نشاطهم الممتد بكل الوسائل الممكنة فى جميع دول العالم، العربية والأجنبية، يظل «فرض عين» لكل من يحلم بمستقبل نظيف آمن، لأوطاننا وأجيالنا ولمعادلات الأمن التى يجب العض عليها بالنواجذ.

وزارة الداخلية التونسية، أعلنت الأحد الماضى عن عثورها على «٤٢ طفلًا» تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة وثمانية عشر عامًا، و«٢٧ شخصًا آخرين» تتجاوز أعمارهم الثمانية عشرة حتى ٣٥ عامًا، وجميعهم يقيمون فى مدرسة تتبع جمعية دينية إخوانية بمدينة الرقاب، التابعة لمحافظة سيدى بوزيد وسط تونس. واعلان الوزارة أكد أنه ثبت لديها، تعرض الأطفال إلى ممارسات عنيفة عامة، فضلًا عن ثبوت تعرض طفلين منهم على الأقل حتى الآن على اعتداء جنسى جسيم ومتكرر. أضافت الوزارة بعضًا من التوصيفات الأخرى، مثل سوء المعاملة والاستغلال البدنى فى أعمال الزراعة وأشغال البناء، فضلًا عن تأكيدها بأنهم تلقوا تعليمًا فى مناهج للأفكار المتطرفة، وتدريبًا على الممارسات المتشددة. ما دفع الوزارة إلى إغلاق المدرسة على الفور، ونقل الأطفال إلى مركز حكومى لرعاية الأطفال، جنوب تونس العاصمة، لتلقى العلاجات اللازمة والبدء فى إجراء التحقيقات الموسعة لملابسات تلك الواقعة.

أول ما تكتشفه من التحقيقات الرسمية أن المدرسة تابعة لجمعية «مالك بن أنس» وهى تتسمى بكونها مدرسة قرآنية، فيما أخرج هؤلاء الأطفال من التعليم الأساسى للدولة التونسية، ما سيخضع المتورطين فى الأمر لتهمة دفعهم الأطفال للانقطاع عن التعليم، وإقناع ذويهم بتكفلهم بإقامة الأطفال فى مبنى ملاصق للمدرسة، غير مخصص لهذا الغرض بالطبع وشهدت جنباته العديد من الممارسات السالفة محل الاتهام. والى سيدى بوزيد أكد فى مداخلات إعلامية، صاحبت الكشف عن تلك الجريمة، أن الجمعية الدينية تملك وجودًا قانونيًا منذ ٢٠١٢، وأن هناك قرارًا بالغلق صدر ضدها فى ٢٠١٥، ثم جرى التراجع عنه، باعتبار أن الجمعية أثبتت قانونيتها وامتلاكها ترخيصًا من وزارة الشئون الدينية، ليصدر ضدها لاحقًا قرار آخر بغلق المدرسة، ثم إيقاف نشاط الجمعية فى نفس السنة. لتأتى المحكمة الإدارية فيما بعد هذا التاريخ لتلغى تلك القرارات، بعد طعن الجمعية أمامها لعدم اختصاص الوالى بإصدار قرار بتجميد النشاط. وفى محاولة من الوالى لرفع يده عن مسئولية ما يجرى، أكد أنه أصدر قرارًا ثانيًا بالغلق فى ٣٠ من شهر يناير الماضى، وأن المدرسة ظلت منذ ٢٠١٥ تحت المتابعة الأمنية والإدارية.

صاحب المدرسة يدعى «فاروق الزريبى»، يبلغ من العمر ٢٩ عامًا، كان مقيمًا بدولة جنوب إفريقيا قبل أن يعود إلى تونس ٢٠١١، ليحصل على ترخيص بتأسيس المدرسة فى فترة حكم «حركة النهضة» الإخوانية. التحقيقات التونسية أثبتت أن فحص حسابات المالك البنكية، تحوى مبلغًا ماليًا يقدر بحوالى ٢ مليار دينار تونسى، وأن جانبًا كبيرًا من هذا المبلغ وصل للحساب المسجل باسمه، مرجحين أن تكون مصادر التمويل أجنبية، خاصة أنه لا ينتمى إلى عائلة ثرية، كما أنه لا يملك مصادر معلومة للدخل. ويواجه اليوم «الشيخ فاروق»، وفق تسميته الشائعه، اتهامًا بالاتجار بالبشر والأطفال، والزواج على خلاف الصيغ القانونية، فضلًا عن شبهة انتمائه لتنظيم إرهابى، حيث يجرى الآن فحص ما كانت المدرسة تقوم به من تسفير لهؤلاء الأطفال، عند بلوغهم سن الشباب، إلى خارج البلاد بمعرفة وسطاء يلحقونهم بتنظيمات إرهابية.

تقع هذه المدرسة فى منطقة خالية من التجمعات السكانية، وبعيدة عن الشوارع الرئيسية، ببلدة الريحانة من معتمدية الرقاب، عندما صدر فى حقها قرار غلق بعد شكايات من الأهالى فى ٢٠١٣، شككوا فى نشاطها ولاحظوا تحركات مريبة داخلها، إلا أن المشرفين عليها لم يمتثلوا لهذا القرار، ومورست ضغوط من شخصيات إخوانية تابعة لـ«حركة النهضة» على المسئولين حينها، كى يستأنفوا نشاط المدرسة، لتعاود مرة أخرى عملها، ولتواصل مزيدًا من استقطاب الأطفال من جميع مدن البلاد للتدريس لهم وإيوائهم بذات المكان. انما خلف الأبواب المغلقة كانت تجرى انتهاكات واسعة، فضلًا عن استجلاب عناصر غير تونسية للإقامة والعمل بتلك المدرسة وملحقاتها.

رغم فداحة صدمة المجتمع التونسى، بعد اطلاعه على تلك التفصيلات وغيرها مما ظل يجرى طوال سنوات مضت، وانتظارًا لتكشف المزيد من التفاصيل التى تتجاوز بالطبع الانتهاك الجنسى وصناعة جيل من المتطرفين الجدد، هرعت «حركة النهضة» سريعًا لمحاولة شن هجوم مضاد، لمحاصرة تداعيات الأزمة التى أطاحت بالمسئولين وحكام ولاية سيدى بوزيد، فعلى لسان النائب عن «حركة النهضة»، ناجى الجمل، استنكر تدخل السلطات بالقوة لغلق المدرسة، وتشكك فى الاتهامات الموجهة لها، مشيرًا إلى أن عقلية الاستبداد وتجفيف منابع التدين، ما زالت تحكم تصرفات بعض أجهزة الدولة بحسب تعبيره!!

أظن أن الرواية وحدها كفيلة باستيضاح أمور ظلت تجرى فى معظم بلداننا العربية وغيرها من الدول، تحت ستار تفاصيل متنوعة، لكنها تتفق على نسق واحد يتكرر، فالأمر لا يخص تونس وحدها، وليست هى المتفردة باستهدافها، فقط ربما لدى الفرع الإخوانى فيها القدرة على تقديم تسهيلات، وسبغ الحمايات ونسج الأستار التى تخفى وراءها ما تخفيه.

*نقلا عن صحيفة “الدستور” نشر بتاريخ ٧ فبراير ٢٠١٩.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب