الدراسات العربية والإقليمية

تراجع الأحزاب الحريدية في إسرائيل… ظاهرة ستؤكدها انتخابات الكنيست 2019

على مدى العقود الماضية لعبت الأحزاب الحريدية في إسرائيل دوراً مهما في رسم السياسات الإسرائيلية. وقد امتد نفوذ هذه الأحزاب ليؤثر على التشريعات والقوانين، وحتى وضع الميزانية الخاصة بالدولة. ويتوزع “الحريديم” في إسرائيل إلى حزبين رئيسيين، هما حزب “يهودت هتوراه”، وهو الحزب الممثل للحريديم الإشكناز، وحزب “شاس” الممثل لليهود السفارد. ويعتبر حزبي “شاس” و”يهدوت هتوراه” أبرز الأحزاب الحريدية تأثيراً على الساحة السياسية، إلا أن قوة هذه الأحزاب تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة ولم تعُد تحصد إلا القليل من المقاعد في الكنيست؛ ما يطرح تساؤلات حول وضع تلك الأحزاب في الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في أبريل 2019، ومدى تأثير هذه…


على مدى العقود الماضية لعبت الأحزاب الحريدية في إسرائيل دوراً مهما في رسم السياسات الإسرائيلية. وقد امتد نفوذ هذه الأحزاب ليؤثر على التشريعات والقوانين، وحتى وضع الميزانية الخاصة بالدولة. ويتوزع “الحريديم” في إسرائيل إلى حزبين رئيسيين، هما حزب “يهودت هتوراه”، وهو الحزب الممثل للحريديم الإشكناز، وحزب “شاس” الممثل لليهود السفارد. ويعتبر حزبي “شاس” و”يهدوت هتوراه” أبرز الأحزاب الحريدية تأثيراً على الساحة السياسية، إلا أن قوة هذه الأحزاب تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة ولم تعُد تحصد إلا القليل من المقاعد في الكنيست؛ ما يطرح تساؤلات حول وضع تلك الأحزاب في الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في أبريل 2019، ومدى تأثير هذه الأحزاب على الساحة السياسية في إسرائيل، وأسباب تراجعها في السنوات الأخيرة.

منذ سبعينيات القرن الماضي، ازداد نفوذ الأحزاب الصغيرة داخل إسرائيل، بما فيها الأحزاب الحريدية أو الأرثوذكسية المتطرفة كما يطلق عليها. ويرجع ذلك إلى نظام التمثيل النسبي الذي طبقته إسرائيل والذي يسمح بوجود توازن في القوى بين الأحزاب الصغيرة والكبيرة. وبحلول الثمانينات، لعبت الأحزاب الحريدية دوراً رئيسياً في تشكيل الحكومات الائتلافية في إسرائيل. وقد ساهم بروز تلك الأحزاب، وخاصة شاس، في ظهور بعض القوى المعادية لهم على الساحة السياسية، ولعل أبرزها ظهور حزب “شينوي” عام 2003 برئاسة تومي لابيد، والذي اشترط لدخوله في تشكيل الحكومة ألا يكون “شاس” شريكاً في الائتلاف. وبالفعل دخل الحزب في الائتلاف في انتخابات الكنيست الخامسة عشر برئاسة إرئيل شارون وترك حزب شاس في المعارضة لأول مرة في تاريخه.

حزبا “شاس” و”يهدوت هتوراه” في الانتخابات السابقة

لعبت الأحزاب الحريدية على مدى السنوات السابقة دور المساند لحزب الأغلبية في إسرائيل، وقد ساهمت ظاهرة الانشقاقات الحزبية في زيادة أهمية هذا الدور. كما أن النظام السياسي الإسرائيلي قد لعب دوراً مهما في استيعاب تلك الأحزاب نظراً لما تنفرد به السياسة الإسرائيلية عن غيرها من ربط الدين بالسياسة. فقد تأسس حزب “شاس” على يد الزعيم الديني اليهودي من أصول عراقية “الحاخام عوفاديا يوسف” عام 1984. ولعب الحزب دورا فاعلاً في الحياة السياسية في إسرائيل منذ نشأته حتى الآن، على عكس الأحزاب الدينية الأخرى في الكنيست التي تركز على القضايا الدينية وتعطيها الأولوية؛ فهو عادة ما ينضم  إلى الائتلافات الحكومية المتشكلة في أعقاب انتخابات الكنيست الإسرائيلي، إلا أن مواقفه السياسية توصف بالمتباينة، وتميل أحيانا إلى الوسطية، حيث يؤيد التفاوض مع الفلسطينيين، لكنه في الوقت ذاته يطرح مواقفا متصلبة حيال مختلف القضايا المتفاوض عليها. كما يدعم الاستيطان، لكنه يرفض التفاوض حول مستقبل مدينة القدس ويرفض التفاوض مع الدول العربية إن لم تشترط التعويض على اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم بعد هجرتهم من دول المنطقة على حد تعبير الحزب.

وبعد انتخابات عام 1992 انضم حزب “شاس” إلى اليسار الإسرائيلي ضمن الحكومة الخامسة والعشرين في تاريخ إسرائيل برئاسة زعيم حزب العمل “اسحاق رابين” لكنه انسحب من هذه الحكومة احتجاجا على توقيع اتفاق أوسلوا في 1993. وقد بلغ “شاس” ذروة قوته في انتخابات عام 1999؛ عندما حصل على 17 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي، قبل أن يتراجع تمثيله إلى 12 مقعداً عام 2006. ويعتبر” الاتحاد العالمي لليهود الشرقيين الملتزمين بالتوراة ” الاسم الرسمي الكامل لحركة “شاس” اليهودية “الحريدية” الشرقية التي أقيمت عام 1982 تمهيداً لخوض انتخابات بلدية القدس التي أجريت في عام 1983. وقد خاضت الحركة انتخابات عام 1983 وحصلت على ثلاثة مقاعد في مجلس بلدية القدس، الأمر الذي دفع “شاس” إلى الانتقال للعمل على المستوى القطري في إسرائيل تمهيدا لخوض انتخابات الكنيست الحادي عشر التي أُجريت في عام 1984، ووقف على رأس قائمة الحركة في هذه الانتخابات الحاخام “يتسحاق بيرتس”، حيث فازت بأربعة مقاعد برلمانية. وواصلت شاس منذ ذلك التاريخ خوض المعارك الانتخابية، وكانت شريكا تقريبا في جميع الحكومات الإسرائيلية بغض النظر عن الحزب الذي شكلها أو رئيس الحكومة وكانت أول معاركها وانجازاتها ما سمي عام 1986 بـ”حرب السبت”، حيث خضع شمعون بيرس الذي كان رئيسا للحكومة حينها لضغط زعماء الحركة وأمر بإغلاق أول “سوق سبت” في إسرائيل عرف حينها باسم “فيشفشوك”، والذي كان يتم تنظيمه كل يوم سبت في كيبوتس “نير الياهو”.

ويهدف حزب شاس وفقا لبرنامجه السياسي إلى مكافحة التمييز بين اليهود الشرقيين والغربيين، وتقريب اليهود الشرقيين التقليديين من اليهودية والتوراة وإعادة مجدها -وفقا لمفهوم السلفية اليهودية. كما يطرح الحزب نفسه دوما كحزب “اجتماعي- ديمقراطي” يضع مصالح الطبقات الضعيفة اجتماعيا اقتصاديا فوق كل اعتبار.

أما حزب “يهودات هتوراه”، فهو حزب ديني يميني متشدد تأسس قبيل انتخابات الكنيست في عام 1988 من خلال اندماج ثلاثة أحزاب دينية، هي: “أغودات إسرائيل”، و”ديغل هتوراه”، و”موريا”، وهو حزب محسوب على طائفة من اليهود المتدينين الأصوليين “الحريديم” من الأشكناز. ويشارك حزب “يهودات هتوراه” في كل حكومة تلبي احتياجات جمهور ناخبيه، ولكنه يحجم عن تولي حقيبة وزارية، ويكتفي بمنصب نائب وزير؛ لرفضه تحمل كامل المسئولية عن السياسة الحكومية من منطلقات دينية.

وبشكل عام، فإن الحزب لا يؤيد المفاوضات مع الفلسطينيين، ويصوت دائما ضدها في الكنيست، ولكن في حال كان ضمن الحزب ضمن الائتلاف الحاكم، أو في خضم مفاوضات مع الحكومة للحصول على مكاسب مالية، فإن نوابه يتغيبون عن جلسات الكنيست المخصصة لهذا الموضوع، كي لا يضطروا للتصويت لصالح اتفاقيات أو سير مفاوضات أو ما شابه.

وقد حصل الحزب في انتخابات الكنيست عام 1996 على 4 مقاعد، كما حصل في انتخابات 2006 على 6 مقاعد وحصل في انتخابات 2009 على 5 مقاعد، وحصل في انتخابات 2015 على 6 مقاعد.

الأحزاب الحريدية في انتخابات 2019

قبل شهر من انتخابات الكنيست المقبلة، أعلن قائدا “شاس” و”يهدوت هتوراه” تعهدهما بدعم نتنياهو في مواجهة منافسه بيني غانتس، زعيم “أبيض أزرق”. وقد كان ذلك متوقعا وفقاً للعديد من استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الفترة السابقة، حيث اعتادت أحزاب الحريديم الدخول في أي ائتلاف يستجيب لمطالبها. كما وجد الحزبان في نتنياهو شريكاً مناسباً، خاصة في ظل وجود منافسه “يائير لابيد” الذي يعتبر عدواً للتيار الحريدي، بالإضافة إلى إنه نجل “تومي لابيد” المعادي لهذا التيار، والذي يطالب بقانون التجنيد الإلزامي للحريديم.

وتؤكد استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الفترة الأخيرة هذا التحليل، فوفقاً لإستطلاع رأي أجرته مؤسسة Dialcom في 13 فبراير الماضي، فإن واحدا من كل خمسة من الحريديم لن يدعم الأحزاب الحريدية. وذهب هؤلاء إلى أنهم ينوون التصويت لصالح الليكود أو قائمة البيت اليهودي الموحدة. وفيما يتعلق بالتوزيع المتوقع للمقاعد، فوفقاً لاستطلاع رأي أجرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 24 فبراير، من المتوقع أن يحصل الحزبان مجتمعان على 12 مقعدا بالكنيست القادم.

ووفقا لاستطلاع نشره موقع “يديعوت أحرونوت” في يناير 2019، لو أن سكان القدس اليهود فقط صوتوا في انتخابات الكنيست المقبلة، لحصلت كتلة أحزاب الحريديين على حوالي 80% من الأصوات ويؤكد التقرير على أن السكان اليهود في القدس بغالبيتهم العظمى يمينيون أو حريديون. ويتبين أنهم لو صوتوا لوحدهم في انتخابات الكنيست القريبة، كان حزب الليكود سيحصل على 31 مقعدا في الكنيست، تليه كتلة “يهدوت هتوراة” الحريدية الأشكنازية على 26 مقعدا، ثم حزب شاس الحريدي لليهود الشرقيين بحصوله على 15 مقعدا.

ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته قناة كان القناة 11 الإسرائيلية في 14 فبراير 2019‏، فقد يحصل حزب “يهدوت هتوراة” على 7 مقاعد، ‎ويحصل “شاس” على 5 مقاعد في الانتخابات المقبلة.

وبشكل عام فإنه من المتوقع أن تستمر الأحزاب الحريدية في التراجع، ويرجع ذلك إلى ظهور بعض الموضوعات الخلافية التي أثرت سلباً على قدرة تلك الأحزاب على جذب الأصوات، وعلى رأسها إعفاء اليهود المتدينين من الخدمة العسكرية، وعدم المشاركة في سوق العمل، فضلاً عن الامتيازات المالية التي تمنح لهم؛ حيث باتت فئة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي تعارض بشدة الامتيازات الممنوحة للمتدينين. كما أن هذا التراجع ينبع أيضاً من التحولات السياسية والحزبية التي شهدتها إسرائيل في السنوات الأخيرة، وظهور أحزاب جديدة ساهمت في جذب الأصوات نظراً لتأثيرها على الساحة السياسية، خاصة الخارجية منها، وانغلاق الأحزاب الحريدية على مطالب الفئات الحريدية بشكل أكبر، بالإضافة إلى اتباع تلك الأحزاب نهجاً سياسياً حيادياً بعض الشئ، ما ترتب عليه كشف حقيقة تلك الأحزاب التي تهدف الحصول على أكبر قدر من المكاسب وتحقيق المصالح وتعزيز شريحة ناخبيها. ومع توالي الحكومات الإسرائيلية، بات واضحاً اندثار دور القوى الحريدية في صنع القرار الإسرائيلي خاصة مع ظهور قوة أخرى أكثر تأثيراً على الساحة السياسية.