ملفات خاصة

ولاية الفقيه وسياسة الملالي.. مربعات مذهبية وجيوب طائفية تطوق استقرار المنطقة

يكاد يكون الدين، والإسلام على وجه الخصوص، أحد المرتكزات المفتاحية في فهم العديد من التطورات التي تجري في المجال العام بالشرق الأوسط؛ إذ يمثل مدخلًا رئيسيًّا في فهم تفاعلات المنطقة وصراعاتها خلال العقود الماضية، بينما يكشف عن المخاضات العديدة التي عبرت إليها المنطقة في تمثلاتها لعملية توظيف الدين في السياسة بعد تحويله إلى أيديولوجيا تكون بمثابة المكون الهوياتي والسياسي للفرد، والذي يعبر عن انتمائه القومي الديني، في مقابل المواطنية والمدنية، وتوفير كل عناصر الحشد والتعبئة التي تنزاح معها المكونات الأخرى. وقد مهد الظهور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، عقب سقوط الخلافة العثمانية؛ أحد أبرز صيغ التعاطي الجديد الذي…

رامي شفيق

يكاد يكون الدين، والإسلام على وجه الخصوص، أحد المرتكزات المفتاحية في فهم العديد من التطورات التي تجري في المجال العام بالشرق الأوسط؛ إذ يمثل مدخلًا رئيسيًّا في فهم تفاعلات المنطقة وصراعاتها خلال العقود الماضية، بينما يكشف عن المخاضات العديدة التي عبرت إليها المنطقة في تمثلاتها لعملية توظيف الدين في السياسة بعد تحويله إلى أيديولوجيا تكون بمثابة المكون الهوياتي والسياسي للفرد، والذي يعبر عن انتمائه القومي الديني، في مقابل المواطنية والمدنية، وتوفير كل عناصر الحشد والتعبئة التي تنزاح معها المكونات الأخرى.

وقد مهد الظهور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، عقب سقوط الخلافة العثمانية؛ أحد أبرز صيغ التعاطي الجديد الذي الذي بدأت “الجماعة” الوليدة ممارسته، عبر تحيين مقولات الدين على الواقع السياسي المعاصر، وأحداثه، وصراعاته، ومحاولة خلق مرجعية كلية، تتمثل في أدبياتها التي أسست من خلالها تصوراتها حول الدولة وآليات الحكم والنظام السياسي وماهية كل ذلك.

لذا، انطلقت الجماعة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في الانخراط مع مجمل الأوضاع السياسية العامة، محليًّا وإقليميًّا، واستفادت من عدة ظروف عالمية، فانطلقت في نشر أفكارها داخل عدد من دول العالم؛ الأمر الذي كشف وبوضوح أن ثمة سعيًا لفرض خطاب أممي إسلامي مؤدلج مذهبيًّا وطائفيًّا، يهيمن بصورة أو بأخرى في عدة مجالات حيوية، ويمد نفوذه، وهو ما يثبت أن تعاطي الخطاب الإسلامي مع مقولات السياسة وشئون الحكم يعد من المقولات التأسيسية التي تجعل جماعات الإسلام السياسي تعمد إلى تأويل النص والتراث الديني، بصورة نفعية، لصناعة حقائق سياسية محضة.

ثم جاءت الثورة الإسلامية التي قادها “الخميني” في إيران عام 1979، لتمثل تتويجًا لذلك التراث النظري لعملية خلط الدين بالسياسة. وفي لحظة تاريخية توافرت شروطها، شكلت جناحًا شيعيًّا يحمل نفس الفكرة والمضمون السياسي، والأهداف الأيديولوجية. وقد بدت الأمور مع “الخميني” مختلفة، من خلال تسييس المذهب الشيعي، عبر توطيد أركان نظرية ولاية الفقيه، وتأميم الخلافات العقائدية داخل الدرس الحوزوي الذي كان يحمل تأويلات عديدة، مغايرة للرؤية التي فرضها “الخميني” في نهاية المطاف لتأبيد سياسية الملالي، حيث جرى نبذ واستبعاد كل الاجتهادات الفقهية الشيعية التي كانت ترفض قيام الجمهورية الإسلامية، في زمن ما يعرف بـ”الغيبة” -مثلًا- بغية الاستحواذ على السلطة، والهيمنة على الحكم، وإزاحة المنافسين، عبر وسائل القمع التعسفي، بالاغتيال تارة، والسجن تارة أخرى.

ومن جهة أخرى، حشد “الخميني” كل إمكانيات الثورة التي قادها، وشرع في العمل على تصديرها بين الطوائف الشيعية في المنطقة العربية والإسلامية، الأمر الذي صنع من المعارضة الشيعية في الفضاء الإسلامي صراعًا سياسيًّا، تجاوز الأيديولوجيا والهوية الدينية، عبر متغيرات الفعل السياسي الذي تطور عبر عقود الثمانينيات، وما تلاها، خاصة بعد سقوط العراق، وإعدام “صدام حسين” بقرار من “نوري المالكي”، وأحداث ما عُرف بـ”ثورات الربيع العربي”. والأخيرة فرضت مخاطر جيوسياسية في ضوء الصراع الذي احتدم في عدة مناطق، من بينها اليمن وسوريا التي تحركت فيهما إيران عبر وكلائها المحليين، وتكفلت بتأسيس العديد من الميليشيات والفيالق التي تلحق بتبعية الحرس الثوري الإيراني، فظهرت جماعة “الحوثي”، وفي دمشق تعددت أسماء الميليشيات المسلحة التي تعمل ميدانيًّا وتفرض تغييرات ديموغرافية صعبة ومعقدة في الداخل السوري، وهو ما يجعل من المنطقة العربية عمومًا، والخليج خاصة، أمام مواجهة ملحة ومعقدة أمام المخططات الإيرانية في إنجاز مشروعها القديم “الهلال الشيعي”، عبر العمل على إحكام السيطرة على مجالاتها الحيوية، في الدوائر الإقليمية، مستفيدة من فراغ مقعد القيادة في المنطقة العربية، وغياب الرؤية الاستراتيجية لواقع وأزمات الإقليم.

وتتباين كثافة الشيعة في المنطقة العربية من دولة لأخرى، بيد أن العوامل السياسية منحت من تلك الكثافة اليد العليا في بعض الدول، وشكلت منها رأس حربة، مثل “حزب الله” في لبنان، وأنصار الله “الحوثيين” في اليمن.

وتفرض الحالة الشيعية في منطقة الخليج العربي، من خلال الوسائط التي تلعبها إيران، حالات انسدادية وصدامية، فقد ظلت علاقة إيران بدول الجوار في مناطق الخليج باردة وغير ودية، وتتهمهم بالتعاون مع الغرب، بالرغم من أن الحرب الخارجية التي خاضتها طهران كانت مع العراق وهو حليف السوفيت، بيد أن تلك الحرب عمقت من هوة الخلافات تبعًا للدعم الواسع الذي حظي به العراق في مواجهة إيران. وفي المملكة العربية السعودية، تُعد الحالة الشيعية حالة خاصة وغير عادية، لما تحمله الرياض من رأسمال رمزي سني، تحوزه من خلال الأماكن المقدسة للمسلمين، وباعتبار أن “الوهابية” التي تأسست في شبه الجزيرة العربية، وقامت على أركانها الدولة السعودية، تصطدم عقائديًّا، وبشكل مباشر، مع المذهب الشيعي. والرياض كدولة تختصم طهران سياسيًّا منذ لحظة اندلاع ثورة “الخميني”، فضلًا عن عواصم خليجية أخرى؛ كالمنامة، وأبوظبي، والكويت، وبغداد، وغيرها.

ويكشف تقرير “المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية”، الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، في بروكسل في عام 2005، أن عدد السكان الشيعة يقدر بمليوني نسمة تقريبًا، ويمثلون نسبة 10-15 في المائة من إجمالي السكان. ويتركز الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة، الغنية بالنفط، ويمثلون أغلبية السكان فيها، وخاصة في القطيف والأحساء. كما ينتشر الشيعة الزيديون في مناطق عدة في الجنوب (عسير، وجيزان، ونجران) المتاخم لنفوذ الحوثيين “أنصار الله” في اليمن. ويغلب على شيعة السعودية في المنطقة الشرقية المذهب الإمامي الاثني عشري.

في نهاية شهر يوليو 1987 قُتل في مكة المكرمة أكثر من 400 شخصا، معظمهم من الحجاج الإيرانيين، وسقط عدد من رجال الشرطة السعوديين، وأُصيب كثيرون جراء تدافع بالمسجد الحرام خلال موسم الحج، الأمر الذي نجم عنه تدهور حاد في العلاقات السعودية- الإيرانية. وإلى ذلك، تأسس “حزب الله-الحجاز” في مايو 1987، وأعلن عن وجوده عبر أول بياناته التي أعقبت حادثة الحج بلهجة عدائية صريحة وتصاعدية ضد السعودية. ففي السبعينيات تعرف مجموعة من الشيعة السعوديين، الذين كانوا يدرسون في النجف لدى “محمد باقر الصدر”، على تعاليم “الخميني”. وبعد انطلاق الثورة الإيرانية انتقلوا إلى مدينة قم الإيرانية، حيث شكلوا تجمع علماء الحجاز، الذي تبلور منه حزب الله الحجاز. ومنذ لحظة البداية انبثق عن الحزب جناحان؛ أحدهما للأنشطة الدينية والسياسية، وهو تجمع علماء الحجاز، وثانيهما للمهام والأنشطة العسكرية.

وقد تجدد ذكر اسم “حزب الله” عندما أعلنت البحرين ضبط تنظيم سري باسم “حزب الله – البحرين”، في عام 1996. وعلى خلفية ذلك أصدرت الحكومة في المنامة قرارًا بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية إلى درجة قائم بالأعمال. وكشفت في تقرير رسمي أن الهدف من ذلك التنظيم هو التآمر لقلب نظام الحكم، وأنهم تلقوا تدريبات في طهران.

وكان الهدف الاستراتيجي لـ”حزب الله-الحجاز” هو إقامة جمهورية إسلامية في شبه الجزيرة العربية، على النموذج الإيراني، عبر الإطاحة بالنظام السعودي من خلال العنف، بحسب دراسة للباحث “توبي ماثيسن”، بعنوان “حزب الله الحجاز.. بداية ونهاية تنظيم إرهابي”.

وتعددت الحوادث الإرهابية التي تعرضت لها السعودية عبر هذا الحزب وعناصره التي حاولت تشكيل خلايا في مناطق نفوذها وحواضنها الاجتماعية، المتواجدة فيها كتلة شيعية. ففي أغسطس 1987، وقع انفجار في “معمل غاز” في رأس الجعيمة بالمنطقة الشرقية بالسعودية، ونفت الحكومة في أول الأمر شبهة تدبير الحادث، غير أنها في وقت لاحق أشارت بأصابع الاتهام نحو “حزب الله- الحجاز”. وبعد شهور قليلة من ذلك الحادث، في مارس 1988، وقع تفجير مشابه في مصنع صدف للبتروكيماويات في الجبيل، لكن “حزب الله- الحجاز” تبنى العملية عبر خلية تضم أربعة أعضاء، وكان أحدهم يعمل في المصنع، وجرى تجنيده. وقد تم القبض على أعضاء الخلية، ونُفذ فيهم حكم الإعدام إثر فتوى من مجلس هيئة كبار العلماء.

ويعيش في المدينة المنورة منذ عقود عدد من الشيعة الذين ينتمون للمذهب الاثني عشري، ويجابهون في تلك المدينة المقدسة أغلبية سنية، فضلًا عن تواجدهم خارج مناطق الكثافة الشيعية في القطيف والأحساء. وفي فبراير 2009، حاول عدد من الشيعة الدخول إلى مقبرة البقيع، وذلك في غير الوقت المخصص للزيارة، وهو ما أدى إلى احتجاج نحو ألف من شيعة القطيف والأحساء (شرق المملكة)، فواجهتهم قوات مكافحة الشغب، ونجم عن ذلك إصابة البعض، واعتقال البعض الآخر.

وتمخضت عن تلك الأحداث شخصية “نمر باقر النمر”، الذي برز كقيادة دينية روحية وسياسية شيعية، وأخرجته نحو فضاء الراديكالية السياسية، ووضعته في مواجهة مباشرة وحادة مع السلطات السعودية، عبر خطاب ألقاه عقب حادثة البقيع. ونُعرج على بعض المقاطع الدالة التي تفصح عن رؤى وتوجهات الرجل، وطموحه الأيديولوجي والسياسي في صياغة تياره الخاص الذي يسعى نحوه منذ لحظة خروجه من بلدته العوامية في شرق السعودية نحو طهران، وحتى لحظة عودته للسعودية في عام 1994، بعد الصلح الذي نفذته السلطات السعودية مع المعارضة الشيعية، مستفيدًا من حصوله على العفو العام الذي اتخذه الملك الراحل “فهد بن عبدالعزيز”.

فمن بين ما ورد في خطابه: “قد لا أنتهي من كلمتي إلا وأنا في السجن، أو تحت التراب ،….، إن رفض الظلم هو التشيع ،… كرامتنا أغلى من حياتنا، من قام بضرب النساء والرجال هم السلطة السياسية، وليس السلطة الدينية، السلطة الدينية ما هي إلا أداة، … لن نسكت، ولن نخاف.. إذا حال الوضع بيننا وبين كرامتنا سندعو للانفصال، كرامتنا أغلى من هذا الوطن”. وهي على كل حال، عناصر خطاب المظلومية التي يحشد من خلالها الإسلاميون، بوجه عام، صورة البطل المقاوم الذي يقدم ذاته فداءً لتحقيق الفكرة المنشودة.

ولا يعرف الشيعة الإمامية في السعودية مرجعية دينية واحدة؛ فمنهم من يقلد “آية الله علي خامنئي” في إيران، ومنهم من يقلد “آية الله علي السيستاني” في العراق. وينقل مركز الخليج للبحوث والدراسات الاستراتيجية أن حجم سكان الشيعة في البحرين 70% من إجمالي السكان، وفقًا لتقارير دولية رسمية.

بيد أن تقرير “الحرية الدينية في العالم”، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2006، يشير إلى أن نسبة الشيعة في دولة الإمارات ضمن إجمالي عدد السكان يصل إلى نحو 15%، في حين أن مصادر أخرى تقدر نسبتهم في حدود 10%.

كما يتركز الشيعة في إمارة دبي والشارقة وأبوظبي، فضلًا عن وجود محدود في عدد من الإمارات الأخرى. ويغلب على المجتمع الشيعي في الإمارات مذهب الإمامية، وتتنوع أصولهم القومية إلى عرب أو قوميات أخرى، ومن أبرزهم: اللاريون، والأشكنانيون، والهنود.

ويتولى سير عمل الجهات الدينية الشيعية في الإمارات مجلس يشرف على متطلباتهم الدينية؛ هو مجلس الأوقاف الجعفرية الخيرية، الذي تأسس بمرسوم أميري من حاكم دبي، الشيخ “مكتوم بن راشد آل مكتوم”. أما النشاط السياسي لشيعة الإمارات فهم مثل باقي المواطنين، فلا يوجد للشيعة أحزاب أو جمعيات سياسية، إذ لا يسمح القانون في دولة الإمارات بتشكيل الأحزاب، أو إقامة التجمعات السياسية.

وبينما تتسع حركة اللاعب الإيراني، في ظل حالات الاستقرار والضعف الإقليمي، والهزات التي تتعرض لها المنطقة، فقد ساهم الربيع العربي، بما أحدثه من تغييرات جيوسياسية، في منح الجمهورية الإسلامية مساحة أكبر وحرية أكثر، إذ سمحت مآلات أحداث الربيع العربي بفراغ مقاعد الحكم في بعض هذه الدول، وما ترتب عليه من فوضى وصراع إقليمي معقد وسيولة سياسية، بأن تعقبت سياسة الملالي تلك الموجات، واستثمرت سياسيًّا وعسكريًّا وميدانيًّا فيها، بينما وضعت أهدافها الاستراتيجية كلاعب مؤثر.

ومع منتصف شهر فبراير 2011، اندلعت المظاهرات في دولة البحرين عبر عدة قرى شيعية، في محاولة لاستغلال اللحظة التاريخية التي سقط معها نظاما بن علي ومبارك. وحاول الملك حينها إخماد الفتنة، إلا أن المظاهرات لم تتوقف. وزادت التوترات خلال شهر واحد عندما حاول آلاف الشيعة السير في مظاهرة نحو مدينة الرفاع، وهي مدينة سنية، في وسط الجزيرة، ويتواجد فيها العديد من قصور عائلة آل خليفة الحاكمة. وقد تم إيقاف المتظاهرين عند حواجز الطرق، واشتبك بعضهم مع قوات الأمن. وفي الشهر ذاته (مارس 2011)، اندلعت المزيد من الاحتجاجات في المنامة، عندما حاول الشيعة إغلاق الحي المالي، ما أدى إلى تعطيل عمليات القطاع المصرفي الكبيرة في البحرين.

في تلك الأثناء، ومع اضطراب الأمور، اضطرت الرياض في منتصف مارس إلى أن ترسل قوات عسكرية لمساندة المنامة من جهة، ومن جهة أخرى رأت أن ما يحدث في البحرين يمثل قلقًا متصاعدًا لجهة امتداد خطر تلك التوترات نحو المنطقة الشرقية المتاخمة للبحرين، حيث يتمركز فيها أغلب الشيعة السعوديين، فضلًا عن أن أي مكاسب سيحققها الشيعة من خلال تظاهراتهم ستصبح حقوقًا ينتفض لها الشيعة في السعودية، خاصة مع اندلاع الاحتجاجات في منطقة القطيف، خلال شهر فبراير من عام 2011، بذريعة المطالبة بالإفراج عن المعتقلين التسعة على خلفية أحداث تفجيرات مدينة الخبر في عام 1996. الأمر الذي يكشف بوضوح ودقة شديدين أن ثمة عوامل خارجية تستثمر في الواقع المحلي، وتوظف تناقضاته السياسية والحقوقية، بحيث تدفع الأحداث نحو تفخيخ حركة الاحتجاج، بحيث تبدو المسألة الشيعية إشكالية قائمة في الخليج العربي عمومًا، وفي الرياض والمنامة خاصة.

بدت طهران في تلك اللحظة تقدم الأيديولوجيا عبر الدفاع عن القضايا الشيعية؛ لهذا ساندت مطالب السكان الشيعة في البحرين لتحقيق “إصلاحات سياسية”، بيد أن حقيقة الأمر تتمثل في محاولة تمديد طهران لأطر تحركاتها السياسية، والتحرش بمنطقة الخليج العربي والسعودية التي تشترك مع البحرين في حدود جغرافية متاخمة للمنطقة الشرقية التي تتمركز فيها نسبة كبيرة من الشيعة السعوديين، كما تفاعلت طهران مع الأحداث التي شهدتها القطيف، شرق المملكة العربية السعودية، ووصفت ذلك بأنه “سوء تعاملها مع الأقلية الشيعية” في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، وجاء إعدام رجل الدين الشيعي السعودي “نمر النمر” ليخلق أزمة دبلوماسية جديدة بين الرياض وطهران في يناير 2016.

وقد عمقت طهران في الفترة بين عامي 1994 و2004 حضورها في الداخل اليمني، إذ كانت العلاقات فيما بينهما في وضع جيد، وتمكنت طهران خلالها من التبشير المذهبي بشكل كبير بواسطة كوادر شيعية عراقية من أعضاء حزب الدعوة العراقي، ممن كانوا يقيمون في اليمن على خلفية النزوح جراء حرب الخليج. وعبر تطورات سياسية أنتجت سقوط نظام “علي عبدالله صالح”، بدا الحوثيون فصيلًا مناوئًا ووكيلًا محليًّا لإيران، يواجه الرياض وأبوظبي.

إجمالًا، من الصعوبة بمكان غض الطرف عن تأثر بعض الشيعة في دول المنطقة، ومنها الخليج العربي، سيما في الرياض والمنامة، بالخطاب السياسي لإيران، وذلك تحت وطأة تشكل تكتلات مذهبية، واستقطابات سياسية وأيديولوجية، تمثلت في تبلور طهران كحالة شيعية سياسية، تؤبد من الحالة الأقلوية التي تمركزها، حتى يجدوا في الخطاب السياسي لإيران مكونًا هوياتيًّا طائفيًّا لهم، يختزلهم في المذهب. ومن جهتها، تظل توجهات سياسة طهران في الشرق الأوسط نحو “تمكين” الشيعة. ولهذا تمددت السياسة الخارجية الإيرانية في عدد من المناطق التي تمثل حدودًا متاخمة لدول الخليج العربي، في محاولة لاستكمال الهلال الشيعي لمجابهة النفوذ السعودي والإماراتي.

على أية حال، تُضحي المسألة الشيعية في المنطقة العربية رهينة بتفعيل معايير المواطنة، والاندماج في المجتمع المدني، ودرجة التحديث التي يتأثر بها كل طوائف المجتمع، باعتبار ذلك هو الضامن الوحيد لاستقرار المجتمع، ووأد أي محاولة لتسييس الهوية المذهبية، واستغلالها من جانب أي قوى خارجية.

رامي شفيق