رهانات أمريكا وإيران

بعيدا عن التحليلات المعقدة التى تتحدث عن عودة الولايات المتحدة للسيطرة على ثروات المنطقة، أو تضخيمها خطر إيرانى من أجل المزيد من ابتزاز دول الخليج، أو المساعى الإيرانية للهيمنة الشيعية على الإقليم، فإن التصعيد الحالى والمتبادل بين إيران والولايات المتحدة قد يعود الى أسباب أكثر بساطة من ذلك، وقد لا تشكل هذه الاعتبارات الاستراتيجية الكبرى جزءا أساسيا منها. المسألة ببساطة تعود الى رهان أمريكى يقابله رهان إيرانى حول الهدف الذى يمكن الوصول اليه من التصعيد. الرهان الأمريكى بدأه الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران. مبررات الانسحاب لم يكن لها ارتباط كبير باعتبارات أيديولوجية أو استراتيجية بشأن خطر إيران،…


بعيدا عن التحليلات المعقدة التى تتحدث عن عودة الولايات المتحدة للسيطرة على ثروات المنطقة، أو تضخيمها خطر إيرانى من أجل المزيد من ابتزاز دول الخليج، أو المساعى الإيرانية للهيمنة الشيعية على الإقليم، فإن التصعيد الحالى والمتبادل بين إيران والولايات المتحدة قد يعود الى أسباب أكثر بساطة من ذلك، وقد لا تشكل هذه الاعتبارات الاستراتيجية الكبرى جزءا أساسيا منها.

المسألة ببساطة تعود الى رهان أمريكى يقابله رهان إيرانى حول الهدف الذى يمكن الوصول اليه من التصعيد.

الرهان الأمريكى بدأه الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران.

مبررات الانسحاب لم يكن لها ارتباط كبير باعتبارات أيديولوجية أو استراتيجية بشأن خطر إيران، و لكن كما جاء فى برقية السفير البريطانى السابق فى واشنطن الى وزير خارجيته والتى تسربت أخيرا واستقال السفير فى أعقابها، فإن الانسحاب تم لأسباب شخصية، لأن الاتفاق مع إيران كان قد وافق عليه سلفه الديمقراطى باراك أوباما، أى أنها كانت صفقة أوباما و ليس صفقة ترامب.

وتشير البرقية الى أن البيت الأبيض لم يكن لديه استراتيجية حول كيفية المضى قدماً عقب الانسحاب من الاتفاق.

هدف ترامب إذن أن يلغى صفقة أوباما و يتوصل الى صفقته هو مع إيران، و لا يهتم أن تكون هذه الصفقة الجديدة مختلفة بشكل كبير عن القديمة. وقد جاء هذا المعنى فى تقرير نشر حديثا بموقع بوليتكو الأمريكي، وكان عنوانه: صفقة ترامب الأفضل مع إيران تشبه إلى حد كبير صفقة أوباما، و جاء فيه أنه فى الأسابيع الأخيرة، أشار الرئيس ترامب إلى أن صفقة عهد أوباما قد لا تكون سيئة للغاية، وحث ترامب إيران مرارًا وتكرارًا على الدخول فى مفاوضات معه، كما تضمن التقرير آراء عدد من المحللين والمسئولين الأمريكيين السابقين، أشارت الى أن ترامب يريد إبرام صفقة تعكس بشكل أساسى الاتفاق الذى وقعه سلفه فى البيت الأبيض، رغم أنه لا يعترف به الآن.

ترامب قرر استخدام ما يعرف بإستراتيجية أقصى الضغوط كى تأتى إيران لمائدة المفاوضات، بدءاً بعودة العقوبات الاقتصادية التى تم رفعها عند التوقيع على الاتفاق، ومرورا بفرض المزيد من العقوبات، منها الحظر الكامل لتصدير البترول الإيرانى و إلغاء أى استثناءات بهذا الشأن، وحتى زيادة الوجود العسكرى بالخليج، والدعوة لإنشاء قوة دولية لحماية ناقلات البترول فى مياه منطقة الخليج.

أى ببساطة ودون تعقيدات يراهن ترامب على زيادة الضغوط على إيران من أجل تحقيق انتصار دبلوماسى شخصى بالتوصل لاتفاق جديد بشأن البرنامج النووى الإيراني، يرتبط باسمه وليس باسم سلفه أوباما.

أما الرهان الإيرانى فهو قائم على حرمان ترامب من الحصول على هذا الانتصار الدبلوماسي، الذى تعتقد إيران أنه قد يساعده فى الفوز مرة أخرى فى انتخابات الرئاسة المقبلة، وبالتالى لا تريد أن تقدم له هذه الهدية، لاعتقادها أن بقاءه فى البيت الأبيض ليس فى مصلحتها بشكل عام، حتى لو كانت أفكاره بشأن الاتفاق النووى الجديد لا تختلف كثيرا عن أفكار سلفه أوباما، وأن مجرد عودة إيران للتفاوض دون قيام إدارة ترامب بتقديم بعض التنازلات بشأن العقوبات يمثل تنازلا إيرانيا من طرف واحد لا تقبله القيادة الإيرانية، كما تدرك إيران أن ترامب لا يريد التورط فى حرب جديدة بالشرق الأوسط.

باختصار فإن إيران تراهن على الانتظار، وتحمل أعباء العقوبات حتى موعد الانتخابات الامريكية المقبلة بدلا من التفاوض والمساهمة فى فوز ترامب لو تفاوضت معه الآن، خاصة أن غالبية المرشحين المنافسين لترامب من الحزب الديمقراطى قد أعلنوا أنهم سيعودون للاتفاق النووى مع إيران لو وصل أحدهم للبيت الأبيض.

أما قيام إيران ببعض التصعيد فهدفه التلويح للولايات المتحدة بأنها قادرة على الحركة و الرد رغم العقوبات المفروضة عليها.

ختاما، فإن الرهانين الأمريكى والإيرانى محسوبان بدقة، ولايتضمن أيهما تصعيدا لعمل عسكرى شامل، كما أن كليهما يركز على القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي، ولا يضع فى اعتباره الآن او فى حالة التوصل لاتفاق جديد المطالب الأخرى المتعلقة بتغيير السلوك الإيرانى فى المنطقة، ولا عزاء للعرب.

*نقلا عن صحيفة “الأهرام”، نشر بتاريخ ٢٦ يوليو ٢٠١٩.

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

إخوان إيطاليا

img

رأي

ما بعد زيارة بايدن

img

رأي

ملامح العالم فى ٢٠٢٢

img

رأي

هل يعيد التاريخ نفسه؟

img

رأي

الداخل يهزم الخارج

img

رأي

أحاديث المياه

img

رأي

السد فى جلسة استماع

img

رأي

عودة الجغرافيا

img

رأي

كلاشنكوف كورونا

img

رأي

التاريخ والسياسة

img

رأي

اختطاف الانترنت

img

رأي

قصة أمريكتين

img

رأي

من سيقود العالم؟

img

رأي

الصحوة المدنية

img

رأي

مصر و”كاتسا”

img

رأي

أمريكا الجديدة

img

رأي

دعه يحفر قبره

img

رأي

توصيات فيتنامية

img

رأي

استخلاصات كورونية

img

رأي

فرص لمصر

img

رأي

سؤال سيغير العالم

img

رأي

استراتيجية الخروج

img

رأي

طريق العودة

img

رأي

أسئلة ما بعد كورونا

img

رأي

فرص كورونا

img

رأي

الرئيس بايدن

img

رأي

المعتدلون يمتنعون

img

رأي

زلزال الشباب

img

رأي

فى انتظار نوفمبر

img

رأي

هل انتهى اليسار؟

img

رأي

الحرب والسياسة

img

رأي

بدون «لايك» و«شير»

img

رأي

النادى المتوسطى

img

رأي

طالبان المسيحية

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

جيل لا نعرفه

img

رأي

من تونس لبغداد

img

رأي

هل تتساقط الثمار؟

img

رأي

الظهير السياسى

img

رأي

القاعدة والسياسة

img

رأي

من يحتاج ترامب؟

img

رأي

المرشح الطازج

img

رأي

التوك شو

img

رأي

التجربة الفنلندية

img

رأي

جيل منتخب اليد

img

رأي

الجهاد الأمريكي

img

رأي

مراجعات ديمقراطية

img

رأي

ماذا يقرأ شبابنا؟

img

رأي

مكانة مصر

img

رأي

عبور الأزمة

img

رأي

صورة مصر بالخارج

img

رأي

العودة للمحليات

img

رأي

التكيف مع التنين

img

رأي

هل طار عصفور القرن؟

img

رأي

العمود الثالث

img

رأي

بدون “ناتو” أفضل

img

رأي

عصفورة القرن

img

رأي

الذئاب البيضاء

img

رأي

مصر ونظام إقليمي بحري

img

رأي

خطابات تفسر العالم