كشف حساب

شهد الأسبوع الماضى هجومًا إعلاميًا على القوات المسلحة المصرية يشبه إعصار «دوريان»، الذى شب على جزر البهاما وساحل الجنوب الشرقى للولايات المتحدة. وبينما قام هذا الأخير بتدمير الجزر والعصف بالساحل، فإن الهجمة الإعلامية لن تنجح فى هجومها، لأن الشعب المصرى من ناحية لديه الكثير من الصلابة، ومن ناحية أخرى لأن لديه «كشف حساب» الجيش المصرى، والذى يستطيع التمييز ما بين الصدق والكذب والغث والسمين. عين الإعصار الإعلامى كانت ممثلًا ومقاولًا لديه شهادة على التعامل مع عدد من مشروعاتنا القومية، بعضها وقائع واجبة التحقق والتحقيق، وبعضها الآخر انطباعات شخصية، الكثير منها ذائع فى الصحف وشبكات التواصل الاجتماعى حول الأولويات وعما إذا…


شهد الأسبوع الماضى هجومًا إعلاميًا على القوات المسلحة المصرية يشبه إعصار «دوريان»، الذى شب على جزر البهاما وساحل الجنوب الشرقى للولايات المتحدة. وبينما قام هذا الأخير بتدمير الجزر والعصف بالساحل، فإن الهجمة الإعلامية لن تنجح فى هجومها، لأن الشعب المصرى من ناحية لديه الكثير من الصلابة، ومن ناحية أخرى لأن لديه «كشف حساب» الجيش المصرى، والذى يستطيع التمييز ما بين الصدق والكذب والغث والسمين.

عين الإعصار الإعلامى كانت ممثلًا ومقاولًا لديه شهادة على التعامل مع عدد من مشروعاتنا القومية، بعضها وقائع واجبة التحقق والتحقيق، وبعضها الآخر انطباعات شخصية، الكثير منها ذائع فى الصحف وشبكات التواصل الاجتماعى حول الأولويات وعما إذا كان البناء ضروريًا أو أن الأجدى استهلاك قيمته من قِبَل الأكثر احتياجًا. حول العين تعددت حلقات، الأولى كانت موجات كبيرة من الدعاية الإخوانية المتربصة، والجاهزة بحملة منظمة تجمع وتربط وتقيم وتمد ما جاء فى العاصفة بالربط التاريخى لدور القوات المسلحة فى التاريخ المصرى.

الحلقة الثانية تأتى من جانب قناة الجزيرة، التى تدخل إلى الموضوع من نافذة الحلقة الأولى، وكأنها تقوم بعمل إعلامى يقوم باستقصاء ما يحدث، وكأن ما جرى يجرى فى كوكب آخر أو فى الأبعاد السحيقة للقطب الجنوبى. الحلقة الثالثة لمجموعة من الهواة، بعضهم يظهر للمرة الأولى، والبعض ظهر فى أدوار متقطعة من قبل تسخر وتحرض. الحلقة الرابعة قامت على حشد أشكال الإعلام من أفلام وموسيقى وأغنيات، المهم أنها تصب السخائم على القيادة المصرية والنظام المصرى، والشعب المصرى ما لم يقم بالثورة فورًا. الحلقات كلها تدور وفق منظومة منظمة ومحبوكة الاستعداد والتدبير، وفى سرعات كبيرة لعلها تولد رياحًا كالعواصف، وأمطارًا كالأعاصير، لعلها تكتسح وتدمر ما قام منذ 30 يونيو 2013.

لماذا حدث كل ذلك الآن، وبمثل هذه السخونة والعنف اللفظى والوقاحة فى التعبير؟ المرجح أن ذلك لأنه بات جليًا أن مصر قد حققت نجاحات كبيرة، بعضها خارجى، مثل المشاركة فى قمة الدول السبع والمؤتمر اليابانى الإفريقى، والبعض الآخر داخلى مثل التقارير الإيجابية عن الاقتصاد المصرى، والتى بثها صندوق النقد الدولى بعد انتهاء الجولة الأخيرة لعمل الصندوق فى مصر، وارتفاع قيمة الجنيه المصرى إزاء الدولار، وتصاعد إنجازات المشروعات المصرية مثل الصوب الزراعية، والعاصمة الإدارية، والمتاحف، والمناطق الصناعية، فضلًا عن انخفاض معدلات التضخم والبطالة، وتقريبًا جميع المؤشرات الكلية المصرية.

ولا يقل أهمية عن ذلك كله أن مصر حققت نجاحات كبيرة فى التعامل مع الإرهاب، وكانت ضربة «خلية الكويت» مُوجِعة بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، فقد حرمتها من قاعدة مالية معتبرة، وجسر قوى لباقى منطقة الخليج، خاصة قطر وتركيا، كما أنها دفعت جماعات منهم إلى الخارج فى أوروبا أو تركيا، وكلتاهما أكثر تكلفة. وما لم يقل عن ذلك ألمًا صدور أحكام قضائية رادعة على قادة الجماعة، وظهور بدايات انشقاق بين شباب الجماعة فى السجون وقياداتها فى الخارج. هذه التطورات الأخيرة تحديدًا هى التى أطاحت بلب جماعة الخارج، وكان القرار هو هذه الحملة الإعلامية بكل ما كان لدى الإخوان من قوة. وسواء كانت عين العاصفة قد جاءت بالصدفة أو أنها كانت بالتدبير، فإن استغلال الموقف بدا مُغْرِيًا لجماعة استبدت بها الغربة وطال السفر، ودون شعاع ضوء فى نهاية النفق يعيد ما كان ويسترجع مَن انكسر.

ولكن أيًا ما كانت التساؤلات التى تولدت فى عقل المواطن المصرى، وما جرى بالغريزة على شبكات التواصل الاجتماعى، فإنه فى لحظة الاختيار ما بين القوات المسلحة المصرية وجماعة الإخوان ستكون الاستجابة هى رفض الاختيار لأنه وقع بالفعل فى 30 يونيو 2013. وبالمناسبة فإنه كان نفس الاختيار الذى سار فيه الشعب السودانى عندما تخلص أخيرًا من حكم الإخوان المسلمين الذى استمر ثلاثين عامًا، انتهت فيها السودان إلى التقسيم بين الشمال والجنوب، والحروب الداخلية فى الشمال والجنوب، والانهيار الاقتصادى، واللعنة الدولية. أكثر من ذلك فإن لدى الشعب المصرى كشفًا طويلًا للحساب حول ما حققته القوات المسلحة المصرية خلال السنوات الماضية منذ مشاركتها الشعب المصرى فى الإطاحة بحكم الإخوان، ومضيها فى مقاومة وتحجيم الإرهاب وتحقيق الاستقرار.

والقائمة بعد ذلك طويلة من السير قدمًا وبشجاعة كبيرة فى كبرى عمليات الإصلاح الاقتصادى فى التاريخ المعاصر، وتحقيق انطلاقة لمصر فى الطريق إلى المستقبل فى الداخل والخارج أيضًا. الشعب المصرى على يقين فى ذات الوقت أنه سوف يأتى وقت تقدم فيه المراجعة لتصحيح المسار، تمهيدًا للإجابة الضرورية عن تساؤلات تحصن المسيرة وتحميها.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٥ سبتمبر ٢٠١٩.

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

الخطاب الصينى

img

رأي

مصر والأزمات الدولية

img

رأي

فتح التاريخ الأميركي

img

رأي

فى آداب معركة الوعى

img

رأي

الثورة الذهنية

img

رأي

١١ سبتمبر والكورونا

img

رأي

حدود القوة…!

img

رأي

مصالحات إقليمية

img

رأي

لماذا تدق الأجراس؟

img

رأي

«سيجون ٢»

img

رأي

مصر تصالح نفسها

img

رأي

رحلة بايدن!

img

رأي

الدولة الفلسطينية

img

رأي

رسائل مصيرية

img

رأي

التخطيط للمستقبل

img

رأي

حصاد سنوات عشر!

img

رأي

هجوم بايدن الدبلوماسي

img

رأي

سيناريوهات فلسطينية

img

رأي

الصفقة..!

img

رأي

عام جديد ٢٠٢١

img

رأي

ثلاث قصص لم تنته بعد!

img

رأي

أزمة البطاطس!

img

رأي

الاستشراق الجديد

img

رأي

أيام ترامب الأخيرة!

img

رأي

ثلاث انفراجات كبرى!

img

رأي

«طيبة» مرة أخرى

img

رأي

معضلات إدارة بايدن

img

رأي

الضرورات والاختيارات

img

رأي

البعث

img

رأي

هل هناك اختيار آخر؟

img

رأي

عجائب أمريكية

img

رأي

الفتنة الأمريكية

img

رأي

اكتشاف مصر والمصريين

img

رأي

أكتوبريات؟!

img

رأي

تشغيل التغيير

img

رأي

قطر في مذكرات خائن

img

رأي

المحروسة

img

رأي

السيناريو الكابوس

img

رأي

«خوارزمية» المجتمعات

img

رأي

الإضافة اللبنانية

img

رأي

تجديد الفكر المدني

img

رأي

حكام العالم الأربعة

img

رأي

الكابوس الأمريكي

img

رأي

نصف العام الآخر؟!

img

رأي

قصة مصرية

img

رأي

نهاية أوسلو!

img

رأي

بروج مشيدة

img

رأي

الخروج من الإعصار؟!

img

رأي

نتنياهو مرة ثالثة!

img

رأي

الحيرة الأميركية

img

رأي

على حافة الهاوية!

img

رأي

المأزق التركي

img

رأي

أين أنت يا كوبر؟

img

رأي

كعب أخيل

img

رأي

الدائرة الكربونية!

img

رأي

فى انتظار «أرامكو»!

img

رأي

ثورة «الأرز»!

img

رأي

ثورة الـ”واتسآب”

img

رأي

نافخ الصفارة!

img

رأي

ما الذى جرى فى مصر؟

img

رأي

الحرب التي لم تنتهِ بعد

img

رأي

كشف حساب

img

رأي

علامات الساعة السياسية

img

رأي

هونج كونج

img

رأي

الحروب الباردة…!

img

رأي

ماذا نفعل مع إيران؟

img

رأي

الصفقة الرابعة

img

رأي

لقاء القدس!

img

رأي

حرب أم لا حرب؟!

img

رأي

تأريخ التاريخ!

img

رأي

المسألة السودانية

img

رأي

إعادة بناء الأمة

img

رأي

في انتظار رمضان!

img

رأي

معركة المحتوى

img

رأي

المأزق البريطاني

img

رأي

أوراق فلسطينية

img

رأي

العرب وأفريقيا 2019

img

رأي

حكمة الشعوب

img

رأي

الهزيمة الأمريكية

img

رأي

في ذكرى 25 يناير

img

رأي

إلى أين تذهب مصر؟!

img

رأي

الشرق الأوسط 2019

img

رأي

رجل العام 2019: ترمب!

img

رأي

استقالة جيمس ماتيس

img

رأي

الحرب المنسية

img

رأي

البترول والسياسة