وحدة الدراسات الأفريقية

ضغوط متصاعدة: العقوبات الأمريكية على إثيوبيا

وقّع الرئيس الأمريكي “جو بايدن” أمرًا تنفيذيًا، في 17 من سبتمبر 2021، يسمح لوزارتي الخارجية والخزانة بفرض عقوبات ضد مسببي الأزمة في شمال إثيوبيا. ودعا القرار إلى ضرورة إيجاد حل للنزاع عبر التفاوض. ويشير هذا القرار إلى الاهتمام الأمريكي المتزايد بالصراع في إثيوبيا، والرغبة في إعادة الاستقرار إلى البلاد، وإيقاف الحرب الأهلية الدائرة، لكن على ما يبدو أن الأطراف لم تعطِ اهتمامًا كبيرًا للعقوبات، وأن القرار لن يسهم في وقف الاقتتال الدائر على السلطة، خصوصًا أن للصراع امتدادات خارجية تعمل على تغذيته. أولًا- قراءة في محتوى القرار الأمريكي: بالنظر في مضمون القرار الأمريكي، يمكن الخروج بعدد من الملاحظات الأساسية التي…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

وقّع الرئيس الأمريكي “جو بايدن” أمرًا تنفيذيًا، في 17 من سبتمبر 2021، يسمح لوزارتي الخارجية والخزانة بفرض عقوبات ضد مسببي الأزمة في شمال إثيوبيا. ودعا القرار إلى ضرورة إيجاد حل للنزاع عبر التفاوض. ويشير هذا القرار إلى الاهتمام الأمريكي المتزايد بالصراع في إثيوبيا، والرغبة في إعادة الاستقرار إلى البلاد، وإيقاف الحرب الأهلية الدائرة، لكن على ما يبدو أن الأطراف لم تعطِ اهتمامًا كبيرًا للعقوبات، وأن القرار لن يسهم في وقف الاقتتال الدائر على السلطة، خصوصًا أن للصراع امتدادات خارجية تعمل على تغذيته.

أولًا- قراءة في محتوى القرار الأمريكي:

بالنظر في مضمون القرار الأمريكي، يمكن الخروج بعدد من الملاحظات الأساسية التي تتضمن:

1. استخدام العقوبات كأداة في يد إدارة “بايدن” للضغط على أطراف الصراع: يعطي القرار الولايات المتحدة سلطة في مواجهة الأزمة، حيث سيمكّن إدارة “بايدن” من فرض عقوبات مالية على الأفراد والكيانات فيما يتعلق بالنزاع، بمن في ذلك المسئولون عن تهديد السلام والاستقرار، أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، أو التقدم نحو وقف إطلاق النار، أو ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويخضع الأفراد المصنفون اليوم أيضًا لقيود التأشيرة، وفي حال اتخذت الأطراف خطوات فورية في هذا الصدد، فإن الولايات المتحدة مستعدة لتأجيل فرض العقوبات والتركيز على دعم العملية التفاوضية.

2. دعوة مباشرة للحوار الفوري: دعا القرار الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي إلى وقف الأعمال العدائية الجارية، والدخول في مفاوضات وقف إطلاق النار على الفور ودون شروط مسبقة، حيث ترى أن جميع مشاكل إثيوبيا لن تُحل إلا في ظل حوار جامع لجميع مكونات الشعب الإثيوبي.

3. ضغوط أمريكية على حكومتي إثيوبيا وإريتريا: سوف تشمل العقوبات الجديدة الحكومة الإثيوبية والمؤسسات التابعة لهما، والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وحكومة إقليم أمهرا، والقوات الخاصة لقومية الأمهرا والمليشيات التابعة لها. كما أكد القرار على أنه يتعين على القوات الإريترية أن تنسحب بشكل فوري ودائم من إثيوبيا، وسبق وأدرجت الولايات المتحدة رئيس أركان قوات الدفاع الإريترية الجنرال “فيليبوس ولديوهانيس” بموجب سلطة عقوبات “ماغنيتسكي” العالمية فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الدفاع الإريترية في إثيوبيا. وفي مايو 2021، أعلنت الإدارة الأمريكية أيضًا عن سياسة تقييد التأشيرات على إصدار التأشيرات للأفراد المسئولين عن أو المتواطئين في تقويض حل الأزمة في تيجراي.

ثانيًا- دلالات الموقف الأمريكي:

يحمل الموقف الأمريكي دلالات متعددة بشأن مستقبل دور الولايات المتحدة في الصراع في إثيوبيا وذلك من خلال عدد من المؤشرات تتضمن:

1. إقرار بفشل أي من الأطراف في حسم الصراع: يشير القرار الأمريكي إلى فشل كافة أطراف الصراع على المستويات العسكرية والسياسية، حيث أخفقت حكومة إثيوبيا وحكومة إريتريا وحكومة إقليم أمهرا وجبهة تحرير شعب تيجراي ولمدة طويلة في وقف القتال واختيار درب الدبلوماسية المطلوبة لحل الأزمة المستمرة. وبدلًا من ذلك، تصاعد العنف وانتشر، واستمرت انتهاكات حقوق الإنسان وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

2. تدخل مباشر على خط الأزمة: يعكس القرار الأمريكي اهتمامًا متزايدًا بالصراع في إثيوبيا، ورغبة في الضغط على الأطراف من أجل إنهائه في أقرب وقت، ويحمل توقيت هذا القرار دلالات كبيرة للصراع الذي امتد لإقليمي الأمهرا والعفر. 

3. رغبة في التهدئة وتسوية الصراع: اتخذت الولايات المتحدة هذا القرار بعدما اكتشفت عدم قدرة أي طرف على تحقيق الانتصار الكامل، ويُعتبر هذا القرار إيجابيًا على مستوى التهدئة للأوضاع الداخلية بإثيوبيا.

4. استخدام الجانب الإنساني كغطاء للتحرك الأمريكي: تحركت الولايات المتحدة تحت دعاوى تفاقم الأزمة الإنسانية في إثيوبيا، حيث تسبب هذا الصراع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث بات أكثر من خمسة ملايين شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة، من بينهم قرابة مليون شخص يعيشون في ظروف مجاعة.

5. حرص أمريكي على سلامة الدولة الإثيوبية: يبدو أن الولايات المتحدة حريصة على وحدة إثيوبيا وعلى الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، وقد كان هذا واضحًا منذ أن عينت إدارة “بايدن” مبعوثًا خاصًا لها هو “فيلتمان”، فإثيوبيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة في القرن الإفريقي، ويبدو أنها لن تقبل بانهيار الدولة وتفككها.

ثالثًا- تداعيات القرار:

للقرار الأمريكي الأخير بشأن فرض عقوبات على إثيوبيا دلالات متعددة، تشمل:

1. تخفيف الضغوط على جبهة تحرير تيجراي: لا شك أن القرار يخفف الضغوط العسكرية والسياسية على جبهة تحرير تيجراي، كما ستكون له تداعياته على مجريات الصراع. وبالفعل، رحبت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بتلك الخطوة الأمريكية الجديدة التي تهدف إلى فرض عقوبات على جميع الأطراف، فيما انتقد “آبي أحمد” القرار، واعتبره غير مبرر في ظل الأزمة الإنسانية التي تواجهها إثيوبيا. وأضاف أن هنالك نزعة غير مبررة تعمل على طمس الحقائق بصورة منظمة فيما يتعلق بعملية الانتهاكات في إقليم تيجراي.

2. اتساع الفجوة بين “آبي أحمد” وإدارة “بايدن”: يُشكل القرار ضغطًا كبيرًا من إدارة “بايدن” على حكومة “آبي أحمد”، وقد يُسهم في تزايد الفجوة بين الجانبين، لا سيما أن “آبي أحمد” اتهم الولايات المتحدة بازدواجية المعايير، واعتبر أن العقوبات سوف تمثل ضغطًا كبيرًا وغير مبرر على الحكومة الإثيوبية، ومع ذلك لا يريد “آبي أحمد” أن يذهب بعيدًا، لهذا حرص على التأكيد على أن إثيوبيا الحليف الأقوى للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة القرن الإفريقي ومحاربة الإرهاب. وقد يسهم القرار في إحداث تصدع بين حلفاء “آبي أحمد” خشية التعرض للعقوبات الأمريكية، وقد يُفقده دعم الحكومة الإريترية، ومن ثم قد يجد نفسه في موقف أضعف في الصراع الدائر مع جبهة تحرير تيجراي، وربما يدفعه ذلك إلى تحويل أسلوبه في التعاطي مع الصراع بصورة غير مباشرة أو بشكل سري.

3. تسهيل وصول المساعدات الإنسانية: يمثّل القرار غطاء قويًا لعمليات الإغاثة الإنسانية، ولعمل الجهات الحقوقية، وهو ما قد يسهم في تدفق المساعدات وفي تحقيق رقابة أكبر على الانتهاكات وإظهار الحقائق.

خلاصة

لا شك أن حكومة “آبي أحمد” عجزت عن إدارة الدولة في إثيوبيا، ومُنيت بفشل ذريع في إنجاز مشروع وطني يشمل كل الإثيوبيين، بل على العكس أدخلت البلاد في أزمة وصراع إثني بلا أفق، وفتح هذا الطريق نحو التدخلات الخارجية بصورة كبيرة. وعلى الرغم من أن القرار الأمريكي قد يمثل قيدًا كبيرًا على مجريات الصراع، إلا أن “آبي أحمد” يبدو أنه يعتبر معركته صفرية، ويبدو أن لن يستجيب للضغوط، وسيواصل سياسات تمكين وهيمنة الأمهرا التي قد تعصف بالدولة الإثيوبية قبل أن يتحقق لها هذا الحلم.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية