شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة ونيجيريا تحولًا نوعيًا مع إعلان وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، في 10 فبراير 2026 نشر نحو 200 جندي أمريكي داخل الأراضي النيجيرية، في مهمة تركز رسميًا على التدريب والدعم الاستخباراتي للقوات المحلية. وقد وصلت الدفعة الأولى، التي تُقدر بنحو 100 عنصر، في 13 فبراير إلى ولاية باوتشي شمال شرق البلاد، في أعقاب سلسلة من التطورات، أبرزها الغارات الجوية الأمريكية التي نُفذت في 25 ديسمبر 2025 ضد مواقع لجماعات مسلحة في ولاية سوكوتو شمال غرب نيجيريا. ولا يمثل هذا الانتشار خطوة تكتيكية مستقلة، بل يأتي في سياق تحولات أوسع تشمل إعادة تموضع أمريكي في غرب أفريقيا بعد تراجع نفوذها في منطقة الساحل الأفريقي، وتصاعد التنافس مع قوى دولية أخرى، فضلًا عن تفاقم التهديدات الأمنية داخل نيجيريا نفسها. وعليه، فإن تحليل هذه الخطوة يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الداخلية النيجيرية، والدوافع الاستراتيجية الأمريكية، والتداعيات الإقليمية.
أولًا: الهشاشة البنيوية للأمن النيجيري
تشهد نيجيريا هشاشة أمنية متصاعدة، وتتمثل هذه الهشاشة في تنامي قدرات الجماعات المسلحة، وتوسع الفراغات الأمنية، وضعف الاستخبارات، وتراجع الثقة المجتمعية، ويمكن توضيح ذلك كما يلي:
1. تصاعد قدرات الجماعات المسلحة وتغير أنماط العنف: تشهد نيجيريا منذ سنوات تصاعدًا ملحوظًا في قدرات الجماعات المسلحة، سواء ذات الطابع الإرهابي أو الإجرامي. لم يعد العنف مقتصرًا على هجمات متفرقة، بل تطور إلى عمليات مركبة تشمل اغتيال قيادات عسكرية بعد أسرهم، وعمليات خطف جماعي، والسيطرة المؤقتة على مناطق ريفية واسعة. ويعكس ذلك تحولًا نوعيًا في بنية التهديدات؛ حيث باتت الجماعات تمتلك قدرات تنظيمية ولوجستية تسمح لها بمنافسة الدولة في بعض المناطق. وتشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 2000 شخص خلال عام 2025 نتيجة هجمات جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم داعش – غرب أفريقيا. في حين توسع نشاط جماعات أخرى مثل “لاكوراوا”، وامتد نفوذ جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، من منطقة الساحل إلى داخل الأراضي النيجيرية، في مؤشر واضح على تداخل التهديدات المحلية والإقليمية.
2. اتساع حجم القصور الأمني: يتجلى التراجع في قدرة الدولة النيجيرية على فرض سيطرتها في اتساع المساحات الخارجة عن السيطرة، خاصة في الشمالين الشرقي والغربي. وتُعد المناطق الحدودية والغابات الكثيفة، مثل محيط منتزه كاينجي الوطني، بيئات مثالية لنشاط الجماعات المسلحة؛ حيث توفر هذه المناطق ملاذات آمنة وممرات لوجستية للتجنيد والتمويل والتهريب. كما ساهم ضعف الرقابة الحدودية في تشكيل ممرات عابرة للدول، خاصة في المثلث الحدودي بين نيجيريا والنيجر وبنين؛ مما أتاح للجماعات المسلحة التحرك بحرية نسبية، وتنفيذ هجمات في دولة ثم الانسحاب إلى أخرى، وهو ما يعقد من جهود مكافحتها.
3. تراجع الثقة المجتمعية: تعاني المنظومة الأمنية النيجيرية من فجوات استخباراتية واضحة، نتيجة تعدد الأجهزة الأمنية وتداخل اختصاصاتها، فضلًا عن نقص التجهيزات واتساع الرقعة الجغرافية. كما ساهمت الانتهاكات وسوء إدارة العمليات الأمنية في تآكل الثقة بين السكان المحليين والقوات الحكومية؛ مما أدى إلى تراجع تدفق المعلومات الاستخباراتية. وقد خلق هذا الوضع حلقة مفرغة: ضعف المعلومات يؤدي إلى ضعف العمليات؛ مما يزيد من انعدام الثقة، ويمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر للتحرك. وفي هذا السياق، بدأ يُنظر إلى التدخل الخارجي خاصة الأمريكي، كوسيلة لتعويض هذا القصور وتحديدًا في مجالات الاستخبارات والمراقبة. وفي المقابل، يعكس قبول نيجيريا بهذا النمط من التعاون معادلة دقيقة تحاول من خلالها الموازنة بين تعظيم المكاسب الأمنية والحفاظ على السيادة الاستراتيجية؛ إذ تحرص أبوجا على الاحتفاظ بالقيادة العملياتية والمسئولية النهائية عن القرارات الميدانية، في مسعى لتفادي التداعيات السلبية التي رافقت الوجود العسكري الأجنبي في دول الساحل، والتي أدت إلى تأجيج الرفض الشعبي وتقويض شرعية الحكومات المحلية.
ثانيًا: دوافع وحسابات واشنطن الاستراتيجية
تتحرك الولايات المتحدة في نيجيريا بدوافع متعددة تجمع بين مكافحة الإرهاب وإدارة التنافس الدولي. ويعكس هذا الانخراط سعي واشنطن لاحتواء التهديدات الإرهابية، وموازنة النفوذ الروسي والصيني، وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في غرب أفريقيا، ويمكن تفصيل ذلك تاليًا:
1. احتواء التهديدات الإرهابية ومنع التمدد الإقليمي: تتحرك واشنطن انطلاقًا من هاجس أمني متصاعد يتمثل في منع تشكّل ممر إرهابي عابر للحدود، يمتد من شمال نيجيريا مرورًا بالنيجر وصولًا إلى مالي وبوركينا فاسو. فقد أظهرت التطورات الميدانية خلال عامي 2024 و2025 تصاعدًا ملحوظًا في نشاط جماعات مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وتنظيم “داعش – ولاية الساحل”، مع انتقال تدريجي لثقل العمليات من عمق الساحل إلى الأطراف الجنوبية الأقرب إلى خليج غينيا. وفي هذا السياق، تكتسب نيجيريا أهمية استثنائية بوصفها “خط احتواء متقدم”؛ حيث يُنظر إليها كحاجز جغرافي وأمني يحول دون انتقال بؤر عدم الاستقرار إلى الدول الساحلية في خليج غينيا الأكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي. كما أن هشاشة المناطق الحدودية في شمال غرب نيجيريا، خاصة على امتداد مثلث النيجر– بنين – نيجيريا، توفر بيئة مواتية لتمركز الجماعات المسلحة وتوسيع شبكاتها اللوجستية، وهو ما يدفع واشنطن إلى تعزيز حضورها الاستخباراتي والعملياتي لاحتواء هذا التمدد قبل تحوله إلى واقع جيوسياسي مستقر. بالإضافة إلى ذلك، لم يعد الدور الأمريكي يقتصر على الدعم التقليدي، بل يتجه نحو ما يمكن وصفه بالإسناد الاستخباراتي الذكي، الذي يركز على تحسين دقة الاستهداف ورفع كفاءة التخطيط العملياتي للقوات النيجيرية. ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة الشراكات الأمنية؛ حيث تسعى واشنطن إلى تعويض أوجه القصور العملياتي لدى الحلفاء عبر التفوق المعلوماتي، بدلًا من الانخراط المباشر في العمليات القتالية، بما يقلل التكلفة السياسية والعسكرية لتدخلها الخارجي.
2. موازنة النفوذ الروسي والصيني: لا ينفصل الانخراط الأمريكي في نيجيريا عن سياق التنافس الدولي المتصاعد في أفريقيا؛ حيث تسعى واشنطن إلى إعادة تثبيت حضورها في مواجهة تمدد نفوذ كل من روسيا والصين. فمن جهة، عززت موسكو حضورها الأمني في منطقة الساحل عبر شراكات مباشرة مع الأنظمة العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مستفيدة من تراجع الدور الغربي التقليدي، خاصة بعد الانسحاب الفرنسي. ومن جهة أخرى، رسخت الصين حضورها الاقتصادي في نيجيريا؛ إذ تُقدر قيمة التبادل التجاري بين البلدين بنحو 22 مليار دولار، إلى جانب استثمارات واسعة في البنية التحتية وقطاع الطاقة. في هذا الإطار، يُنظر إلى التعاون الأمني الأمريكي مع نيجيريا كأداة مزدوجة: فمن ناحية، يهدف إلى دعم القدرات العسكرية النيجيرية في مواجهة التهديدات الأمنية. ومن ناحية أخرى، يشكل مدخلًا لتعزيز النفوذ السياسي، ويشمل ذلك الحد من اعتماد أبوجا المتزايد على الشراكات الصينية، بما يضمن توازنًا في موازين القوى الإقليمية ويمنع تشكل محور مضاد للمصالح الأمريكية في غرب أفريقيا.
3. إعادة توظيف “خطاب الإرهاب” داخليًا: تلعب العوامل الداخلية في واشنطن دورًا مؤثرًا في تفسير هذا التحرك؛ حيث أعاد الرئيس “دونالد ترامب” توظيف خطاب “الحرب على الإرهاب” في سياق سياسي داخلي، مقترنًا بسردية “حماية المسيحيين”، في محاولة لتعزيز الدعم داخل القاعدة الإنجيلية المحافظة. وقد استند هذا الخطاب إلى تقارير صادرة عن مراكز أبحاث يمينية، قدمت قراءة اختزالية للصراع في نيجيريا بوصفه صراعًا دينيًا، رغم تعقيداته البنيوية وتشابك أبعاده الاجتماعية والاقتصادية. غير أن هذه المقاربة الخطابية تتعارض مع المعطيات الميدانية، التي تُشير إلى أن العنف المسلح في نيجيريا لا يستهدف فئة دينية بعينها، بل يطال المسلمين والمسيحيين على حد سواء، مع كون غالبية الضحايا من المسلمين في شمال البلاد. ومن ثَمّ، فإن توظيف هذا الخطاب لا يقتصر على كونه أداة تعبئة داخلية، بل يحمل تداعيات خارجية؛ إذ قد يسهم في تأجيج الانقسامات الطائفية داخل نيجيريا، ويوفر مادة دعائية للجماعات المتطرفة التي تسعى إلى إعادة تأطير الصراع ضمن ثنائية دينية حادة.
4. تأمين الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد: إلى جانب الأبعاد الأمنية والسياسية، يبرز البعد الاقتصادي كأحد المحددات الرئيسية للتحرك الأمريكي، في ظل تزايد أهمية أفريقيا كمصدر للمعادن الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية والدفاعية. تقع نيجيريا ضمن نطاق جغرافي يمتد عبر الساحل إلى وسط أفريقيا، يُعد من أغنى المناطق عالميًا بالموارد الاستراتيجية، بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في إنتاج تقنيات الطاقة النظيفة، والأنظمة العسكرية المتقدمة، وسلاسل الإمداد الصناعية. وفي ظل سعي واشنطن إلى تقليل اعتمادها على الصين، التي تهيمن على سلاسل توريد هذه المعادن، يصبح تأمين الوصول إلى هذه الموارد هدفًا استراتيجيًا طويل الأمد. ومن ثَمّ، فإن الانخراط الأمني في نيجيريا لا ينفصل عن هذا الهدف؛ إذ يوفر بيئة مواتية لحماية الاستثمارات المستقبلية، وضمان استقرار مناطق الإنتاج والنقل، فضلًا عن تعزيز القدرة الأمريكية على التأثير في مسارات استغلال هذه الموارد.
ثالثًا: التداعيات الإقليمية.. امتداد عدم الاستقرار من الساحل إلى نيجيريا
يمثل امتداد عدم الاستقرار من منطقة الساحل إلى نيجيريا تحولًا نوعيًا في ديناميات الأمن الإقليمي؛ حيث لم تعد التهديدات محصورة ضمن الحدود الجغرافية لدول الساحل، بل أصبحت عابرة للحدود ومتشابكة، بما يحول نيجيريا إلى عقدة مركزية ضمن شبكة إقليمية من الصراعات غير التقليدية. ويعكس هذا التحول تداخل الإرهاب مع الجريمة المنظمة، وتصاعد أنماط العنف الانتقامي، فضلًا عن التأثيرات المعقدة للتدخلات الخارجية، وعلى رأسها الوجود الأمريكي، وذلك على النحو التالي:
1. نيجيريا كنقطة وصل إقليمية للتهديدات: لم يعد عدم الاستقرار في منطقة الساحل محصورًا ضمن حدود دوله التقليدية، بل أخذ يتجه تدريجيًا نحو الجنوب، ليطال العمق النيجيري ويعيد رسم خريطة التهديدات في غرب أفريقيا. ففي ظل تصاعد نشاط جماعات مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وتنظيم “داعش – ولاية الساحل”، برزت نيجيريا بوصفها حلقة وصل جغرافية وأمنية بين فضاءين متداخلين: شمال أفريقيا والساحل من جهة، وغرب أفريقيا الساحلي من جهة أخرى. ويعكس ذلك انتقال مركز الثقل العملياتي للجماعات المسلحة، التي لم تعد تكتفي بالتمركز في مناطق نفوذها التقليدية، بل تسعى إلى توسيع نطاقها الجغرافي عبر استغلال هشاشة الحدود وضعف السيطرة الحكومية، بما يحوّل نيجيريا إلى عقدة مركزية ضمن شبكة إقليمية متصلة من التهديدات. ويعزز هذا الواقع من مركزية نيجيريا في معادلة الأمن الإقليمي؛ حيث تتحول إلى فاعل محوري في احتواء أو تسريع انتشار عدم الاستقرار. فنجاحها في تحسين الوضع الأمني داخليًا قد يسهم في الحد من انتقال التهديدات نحو الدول الساحلية، بينما يؤدي فشلها إلى ترسيخ نمط صراع عابر للحدود، قائم على التمرد والشبكات غير النظامية، بدلًا من الحروب التقليدية بين الدول.
2. تداخل الإرهاب مع الجريمة المنظَّمة: تتسم البيئة الأمنية في نيجيريا بطابع مركب يتجاوز التصنيفات التقليدية؛ حيث تتداخل الجماعات الإرهابية مع شبكات الجريمة المنظمة في منظومة هجينة يصعب تفكيكها. فلا تعمل التنظيمات المسلحة بمعزل عن الاقتصاد غير المشروع، بل ترتبط به ارتباطًا وثيقًا، سواء عبر التعاون المباشر أو عبر تقاطع المصالح. وتشمل هذه الشبكات أنشطة متعددة، مثل الخطف مقابل الفدية، والتهريب عبر الحدود، والتعدين غير القانوني، والاتجار بالوقود والموارد الطبيعية. ويؤدي هذا التداخل إلى خلق مصادر تمويل مستدامة للجماعات المسلحة، تعزز قدرتها على الاستمرار والتوسع، بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الدعم الأيديولوجي أو الخارجي. كما يطمس هذا الواقع الفاصل بين الإرهاب والإجرام، بحيث تصبح دوافع العنف خليطًا من الاعتبارات العقائدية والمصالح الاقتصادية، وهو ما يزيد من تعقيد الاستجابة الأمنية ويحد من فاعلية المقاربات التقليدية القائمة على الفصل بين النوعين.
3. مخاطر التصعيد والهجمات الانتقامية: على الرغم من أن الحضور الأمريكي يُقدم في إطار دعم القدرات النيجيرية، فإن له في المقابل تداعيات عكسية محتملة على مستوى ديناميات العنف؛ إذ يمكن للجماعات المسلحة استثمار هذا الوجود كأداة دعائية لإعادة تأطير الصراع، وتقديم نفسها بوصفها “قوى مقاومة” في مواجهة تدخل خارجي؛ مما يسهم في تعزيز قدرتها على التجنيد والتعبئة، خاصة في البيئات الهشة التي تتسم بحساسية تجاه النفوذ الأجنبي. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على هذا النمط عقب الغارات الجوية الأمريكية في ديسمبر 2025؛ حيث شهدت نيجيريا تصاعدًا نسبيًا في وتيرة الهجمات، بما في ذلك عمليات نوعية استهدفت قواعد عسكرية في مارس 2026 وأسفرت عن خسائر في صفوف القيادات الميدانية، ويشير ذلك إلى أن الضربات ذات الطابع التكتيكي، رغم قدرتها على إضعاف بعض الخلايا، قد تدفع هذه الجماعات إلى تبني استراتيجيات انتقامية أكثر جرأة، بما يفاقم من دوامة العنف بدلًا من احتوائه. وعليه، يمكن النظر إلى الوجود الأمريكي باعتباره سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمثل أداة لاحتواء التهديدات على المدى القصير، وفي الوقت ذاته قد يسهم في إعادة إنتاجها على المدى المتوسط.
4. تأثيرات على التوازنات الإقليمية: يتجاوز أثر هذا التطور الإطار الداخلي لنيجيريا، ليمتد إلى بنية التوازنات الإقليمية في غرب أفريقيا، التي تشهد بالفعل حالة من الاستقطاب الحاد. ففي ظل الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتشكيل ما يُعرف بتحالف دول الساحل (AES)، برز انقسام واضح مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS)، التي تقودها نيجيريا تقليديًا. كما أن هذا التعاون، رغم تعزيز القدرات النيجيرية، يشكل تحديًا دبلوماسيًا في إطار التوازنات الإقليمية. فبينما تعمل واشنطن على إعادة الانخراط مع دول الساحل، قد تولد شراكتها المتزايدة مع أبوجا حالة من الحذر أو إعادة تقييم الثقة بين الكتل الإقليمية. وفي المقابل، تستفيد الجماعات المسلحة من أي بيئات سياسية متصدعة أو تحركات غير منسقة، مستغلة التنافس المحتمل بين الدول بدلًا من التعاون الكامل.
حاصل ما تقدم، يعكس إرسال القوات الأمريكية إلى نيجيريا تداخلًا معقدًا بين الأبعاد الأمنية الداخلية والتحولات الجيوسياسية الدولية. فبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التهديدات الإرهابية وموازنة النفوذ الدولي، تواجه نيجيريا تحديات بنيوية عميقة تتجاوز نطاق الحلول العسكرية. وفي ظل هذا التعقيد، يتوقف نجاح هذه الشراكة على قدرتها على تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة، نحو معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالحكم والتنمية والتماسك الاجتماعي. فبدون ذلك، قد يتحول التدخل الخارجي إلى عامل يزيد من تعقيد المشهد، بدلًا من أن يسهم في تحقيق استقرار مستدام. وفي المحصلة، لا يكمن التحدي في وجود قوات أجنبية بحد ذاته، بل في قدرة نيجيريا على استعادة سيادتها الفعلية، وبناء مؤسسات أمنية قوية، وصياغة توازن دقيق بين الانخراط الدولي والحفاظ على استقلال القرار الوطني. كما أن فاعلية هذه الشراكة لا تُقاس فقط بقدرتها على تقليص مستويات العنف على المدى القصير، بل بمدى نجاح نيجيريا في توظيفها لتعزيز استقلالها الاستراتيجي، لا استبداله بنمط جديد من الاعتماد الخارجي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الدعم المقدم، بل في كيفية توجيهه بما يخدم أولويات الدولة النيجيرية ويعزز قدرتها على إدارة أمنها بشكل مستقل ومستدامٍ.
باحث أول بوحدة الدراسات الأفريقية