يسلط كتاب “الشرق الأوسط: إقليم في مفترق طرق” الضوء على التفاعلات في هذه المنطقة المأزومة، خاصة أن الإقليم مر بتاريخ من الصراعات التي شكلت الواقع الجيوسياسي للمنطقة، بما أثر على الأمن القومي لعديد من الدول وبما يهدد الاستقرار بها، ففي القلب من الإقليم جسد ونظام عربي مترامي الأطراف من المحيط الأطلنطي إلى الخليج العربي، وعلى تخومه قوى فاعلة لكل منها مشروعه واستراتيجيته التي تؤثر على أمن واستقرار تلك المنظومة العربية التي تعاني من مشكلاتها الداخلية من ناحية والتنافس والصراع من ناحية أخرى. ويناقش الكتاب في الباب الأول الأبعاد السياسية التي مرت بها دول الإقليم على مدار السنوات الماضية، وفي الباث الثاني الأبعاد الأمنية، أما الباب الثالث يركز على ترتيبات الأمن والتعاون الإقليمي.
جاء الفصل الأول بعنوان: “عدم الاستقرار السياسي في بعض دول الإقليم” لقياس مؤشرات الاستقرار السياسي على بعض الدول العربية مثل لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق، وليبيا، والسودان، والصومال؛ لأنها تتشابه إلى حد كبير في مسببات غياب الاستقرار السياسي، والصراعات التي تدور داخلها وعلى أراضيها وحولها والتي شكلت مجتمعة أهم ملامح الإقليم المضطرب.
ويناقش الفصل الثاني بعنوان: “اتجاهات سياسات القوى الكبرى إزاء الشرق الأوسط بين الاستمرارية والتغير” طبيعة الحضور والدور الذي تلعبه القوى الكبرى في الشرق الأوسط، ودوافع تغير هذا الدور الذي ارتبط في جوهره بتطور مصالح هذه القوى، وتعارضها مع حالة الإقليم بما حوله إلى ساحة مفتوحة أمام الفاعلين الساعين نحو فرض وضع متناسب مع أولوياتهم الوطنية وطموحهم العالمي. فقد اجتذب الإقليم على مدار العقود الماضية اهتمام القوى الكبرى الفاعلة في النظام الدولي نتيجة لموقعه الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية، فضلًا عن امتلاكه ثروات طبيعية متنوعة ووفيرة، بما أسهم في تنامي ارتباط مصالح هذه القوى مع الإقليم، بما دفع إلى تحوله إلى ساحة من ساحات التنافس الدولي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية.
فيما يناقش الفصل الثالث: “التحالفات الإقليمية: ما قبل “طوفان الأقصى” ليس كما بعده” من حيث المتغيرات الإقليمية التي سبقت طوفان الأقصى واستمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، وتوسع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، وتداعيات توقيع اتفاقات “أبراهام”، والتقارب التركي مع الدول العربية، فضلًا عن الاتجاه إلى تطبيع العلاقات العربية- الإيرانية، وتداعيات طوفان الأقصى إقليميًا من حيث مبدأ وحدة الساحات، والتصعيد الإيراني- الإسرائيلي، ومعضلة التحالفات الأمنية في البحر الأحمر، المصالحة الفلسطينية واليوم التالي.
أما الفصل الرابع: “تحولات النضال الفلسطيني: من النكبة حتى غزة بين فرص سانحة وفرص لم تسنح”، يسلط الضوء على الفرص الضائعة للفلسطينيين من حيث عدم الموافقة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 للعام 1947 والذي بموجبه تم تقسيم فلسطين إلى دولتين؛ إحداهما عربية، والأخرى يهودية، ثم انتقال مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، ونشر قوات في تونس والجزائر واليمن، والبحث عن استراتيجيات وتكتيكات أخرى لاستمرار النضال الفلسطيني، والمحطات التي مر بها الفلسطينيون قبل الوصول إلى اتفاق أوسلو، ثم توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل في العام 1993 حتى اندلاع عملية طوفان الأقصى منذ شن حماس هجومًا داخل إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
ويناقش الفصل الخامس: “إشكاليات ترسيم الحدود البرية والبحرية في منطقة الشرق الأوسط” من حيث النزاع الحدودي بين الكويت والعراق بشأن خور عبد الله والعلامة 162، والنزاع بين السعودية والكويت وإيران على حقل “الدرة- أراش”، بالإضافة إلى النزاع الإماراتي الإيراني بشأن الجزر الثلاث، كذلك النزاع الإماراتي والسعودي على جزر الياسات، بالإضافة إلى النزاعات البحرية في حوض شرق البحر المتوسط.
أما الفصل السادس: “تصاعد الدور: الأذرع والمليشيات في الشرق الأوسط” يناقش دور الأذرع والمليشيات في الشرق الأوسط؛ إذ شهدت المنطقة تناميًا لدور الأذرع والمليشيات بما خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي، مع تراجع دور الدولة الوطنية وعدم قدرتها على السيطرة على حالة الأمن داخليًا وخارجيًا، وانهيار بعض الدول أو كونها فاشلة في القيام بوظائفها بما خلق بيئة مناسبة لهذه المليشيات، فضلًا عن سقوط الأنظمة السياسية في بعض الدول بما قاد إلى حالة من عدم الاستقرار الإقليمي.
فيما جاء الفصل السابع بعنوان: “الإرهاب في إقليم مضطرب”؛ إذ أسهم غياب دور الدولة وتراجع أداء مؤسساتها عن ممارسة الأدوار المطلوبة في إيجاد مساحات واسعة لإيجاد حاضنة لنشاط التنظيمات الإرهابية، وتشير الكاتبة إلى موجات تطور الظاهر الإرهابية في الإقليم، ومحفزات نشاط التنظيمات الإرهابية في الإقليم، وطبيعة نشاط التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال، بالإضافة إلى كيفية تعاطي التنظيمات الإرهابية مع القضية الفلسطينية، والاتجاهات المستقبلية للظاهرة الإرهابية في الإقليم.
أما الفصل الثامن: “خيارات مفتوحة: قضايا المياه في إقليم الشرق الأوسط بين التعاون والأمننة” يسلط الضوء على مشهد إدارة المياه في أحواض أنهار النيل، والأردن، ودجلة والفرات؛ حيث غلبة الطابع الصراعي على الأدوات التعاونية بين الدول المشتركة في هذه الأنهار العابرة للحدود، ومن ثم يستشرف مستقبل التعاون في هذه الأنهار، وتأثيرات الصراع على المياه على الإقليم والعلاقات بين الدول.
ثم يناقش الفصل التاسع: “مخاطر متنامية ومبادرات متعددة: استراتيجيات التعامل مع الممرات المائية في إقليم الشرق الأوسط” الأهمية الجيواستراتجية لمضيق هرمز وباب المندب، وخريطة التهديدات للممرات البحرية في الشرق الأوسط من حيث التهديد الحوثي للأمن البحري، والتهديدات الإيرانية لحركة الشحن في مياه الخليج العربي وخليج عمان، والاستراتيجيات التي تتحرك بها القوى الدولية والإقليمية للسيطرة على الممرات البحرية.
ويناقش الفصل العاشر: “معضلات مترابطة: الاتجاهات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد حرب غزة الخامسة”؛ إذ كان للحرب تأثيرات على المنطقة من حيث تصدع الردع الاستراتيجي في الإقليم، وأفول نسبي في نفوذ المليشيات في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى جمود الصراعات الداخلية في المنطقة العربية، واستعادة نشاط التنظيمات الإرهابية، فضلًا عن التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لحرب غزة على الدول العربية، ومعضلة الخروج من حربي غزة ولبنان : التفاعلات البينية العربية الإقليمية بعد حرب غزة الخامسة، والتأثيرات الدولية على الإقليم.
وأخيرًا، يطرح الفصل الحادي عشر: “الهندسة الإقليمية: نحو نظام تعاوني أمني وإقليمي” تساؤلًا؛ هل يمكن إقامة نظام تعاوني أمني وإقليمي أم هناك صعوبة في الرهان على هذه الفرضية في إطار ما يعرف بالإقليمية الجديدة؟ وتنقسم الرهانات المستقبلية إلى سيناريوهين؛ إما الانتقال إلى نظام تعاوني في شتى المجالات بما يبنى على معادلات أقل ميلًا لاستعمال القوة، وأكثر ميلًا للتعاون وإنجاز التصور نحو تحقيق الأمن والاستقرار. أو السناريو الثاني المتمثل في انجرار المنطقة إلى الفوضى الممتدة وفصول متتالية من محاولة القوى الفاعلة في إيجاد مخرج آمن لإعادة توطئة استقرار الإقليم، خاصة في ظل التداعيات المتباينة المصاحبة لأحداث السابع من أكتوبر 2023، والمسارات المتلاحقة نحو احتمالات اتساع الجبهات الصراعية على النحو المشكك في فرضية الهندسة الإقليمية.






























