شهدت قمة مجموعة العشرين لعام 2025 مشاركة مصرية جاءت في سياق دولي يتسم باضطرابات هيكلية في الاقتصاد العالمي، شملت ارتفاع تكلفة التمويل، وتباطؤ سلاسل الإمداد، وتصاعد النزعات الحمائية، وتزايد المنافسة على موارد الطاقة والمعادن الحرجة. وفي هذا الإطار، تزامنت مشاركة مصر في قمة مجموعة العشرين مع انعقاد القمة الأوروبية–الأفريقية، بما أتاح لها الانخراط في نقاشات متعددة المستويات حول القضايا الاقتصادية والتنموية ذات الأولوية.
وقد أتاحت مشاركة مصر في قمة العشرين فرصة لطرح رؤيتها بشأن بعض الملفات الاقتصادية الدولية، لا سيما ما يتعلق بإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وتوسيع آليات تمويل التنمية، وتعزيز التعاون الاستثماري. كما شملت التحركات المصرية لقاءات ثنائية مع عدد من مسئولي الدول الصناعية، ركزت على قضايا التمويل، والطاقة، والتجارة، والبنية التحتية، في إطار السعي إلى تنويع الشراكات الاقتصادية وتوسيع نطاقها.
وعلى هامش القمة، شاركت مصر في مناقشات تناولت الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب قضايا التكنولوجيا وسلاسل الإمداد. وتعكس هذه المشاركة توجهًا نحو الاستفادة من الأطر متعددة الأطراف لدعم أولويات التنمية الاقتصادية، دون أن تنفصل عن الاعتبارات الإقليمية والدولية الأوسع.
وفي السياق نفسه، جاءت القمة الأوروبية–الأفريقية السابعة بعد أيام من قمة العشرين، لتوفر منصة إضافية لمتابعة عدد من القضايا التي طُرحت سابقًا، خاصة تلك المرتبطة بالبنية التحتية، والتكامل الاقتصادي، وتمويل التحول الأخضر، والهجرة. وقد مثّلت هذه القمة إطارًا لربط بعض مخرجات النقاشات العالمية باحتياجات القارة الأفريقية، في ضوء العلاقات القائمة بين مصر وكلٍّ من أوروبا وأفريقيا.
وعليه، يمكن القول إن مشاركة مصر في القمتين تعكس توجّهًا نحو توظيف المنتديات الدولية والإقليمية لدعم مصالحها الاقتصادية، وتعزيز حضورها في النقاشات المتعلقة بالطاقة والتجارة والتنمية، ضمن حدود التوازنات القائمة في النظام الاقتصادي الدولي.
أولًا: قمة مجموعة العشرين
تضم مجموعة العشرين الاقتصادات الكبرى في العالم، والتي تمثل 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و75% من التجارة الدولية، وثلثي سكان العالم. تضم مجموعة العشرين (الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان وجمهورية كوريا والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا وتركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، والاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي منذ عام 2023.
قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في جوهانسبرج في 22–23 نوفمبر 2025، ليست محطة عابرة ضمن مسار G20 بل تمثل منعطفًا تاريخيًا داخل هذا التجمع الدولي. ففيها استضافت القارة الأفريقية أول قمة لزعماء الدول الأعضاء في تاريخ G20 منذ تأسيسه؛ مما يمنح القمة صفة رمزية كدخول أفريقيا بقوة إلى صلب قيادة الاقتصاد العالمي.
هذا السياق جعل من البيان الختامي الذي أصدرته القمة وثيقة تعبّر عن طموح لإعادة رسم بعض ملامح النظام الاقتصادي العالمي. فاللغة التي تم اعتمادها في التصريحات الرسمية سواء في افتتاحية القمة أو في إعلان القادة عكست إدراكًا بأن العالم يمر بتحولات كبيرة؛ من اضطرابات ديون في دول الجنوب، إلى تحديات المناخ والكوارث، إلى ضغوط على سلاسل الإمداد، إلى تصاعد المنافسة الجيواقتصادية والجيوسياسية.(
إصلاح منظومة التمويل لدعم الاقتصادات النامية:
سجل البيان التزامًا جماعيًا بتعزيز التعاون متعدد الأطراف، وإصلاح هياكل التمويل الدولي، وتحسين استدامة الديون للدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وإعادة النظر في دور بنوك التنمية متعددة الأطراف. كما شدد على تعزيز الشفافية في الديون، وتفعيل أدوات تمويل أكثر عدالة واستدامة، وتعبئة رأس المال للاستثمار في البنية التحتية، الطاقة المتجددة، التعدين، التصنيع، سلاسل القيمة خطوات ترمي إلى تعديل ميزان النفوذ الاقتصادي العالمي، والحدّ من هشاشة الاقتصادات النامية. كما ورد في أجزاء البيان الخاص بالديون، والتمويل، والمعادن الحيوية، والتنمية الشاملة.
المعادن الحيوية:
برز هذا الملف كأحد أهم محاور قمة مجموعة العشرين لعام 2025، في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة وتزايد احتياجات الصناعات المتقدمة من الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس والمعادن الأرضية النادرة. وقد اكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة مع استضافة جنوب أفريقيا للقمة؛ مما منح القارة منصة مباشرة للتأثير في حوكمة الموارد التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد المستقبل. وتجد أفريقيا نفسها اليوم في موقع استراتيجي؛ إذ تمتلك نحو 30% من احتياطيات المعادن الحيوية عالميًا، بينها 70% من إنتاج الكوبالت من الكونغو الديمقراطية و80% من احتياطيات البلاتين في جنوب أفريقيا، كما تشكل هذه الموارد قيمة تتجاوز 50 مليار دولار سنويًا، مرشحة للارتفاع إلى 83 مليار دولار بحلول 2040. لكن في المقابل، لا تستفيد القارة سوى بـ15–25% فقط من القيمة المضافة لهذه المعادن، فيما تُصدَّر أغلبها كخام، وهو ما يؤدي إلى فقدان ما يقرب من 20 مليار دولار سنويًا نتيجة التدفقات المالية غير المشروعة وضعف قدرات التصنيع والمعالجة المحلية.
تحول أفريقيا في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة:
وفي ضوء هذه الاختلالات، جاءت نقاشات القمة لتدفع نحو تحول نوعي في علاقة أفريقيا بالموارد الاستراتيجية، سواء عبر تطوير سلاسل التوريد داخل القارة، أو تعزيز قدرات المعالجة والتصنيع، أو توسيع الشراكات مع القوى الاقتصادية الكبرى على أساس أكثر توازنًا وعدالة. كما أتاح البيان الختامي فرصة لوضع إطار دولي جديد لربط المعادن الحيوية ببرامج التمويل والتنمية المستدامة، بما ينسجم مع توقعات وكالة الطاقة الدولية بضرورة مضاعفة إنتاج المعادن الأساسية للطاقة المتجددة أربع مرات بحلول 2040. وفي ظل هذا الطلب المتصاعد، تبدو أفريقيا مرشحة لأن تصبح محورًا رئيسيًا في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة، شرط تطوير سياسات أكثر تنسيقًا بين دولها، وقدرات مؤسسية أقوى، ورؤية واضحة تمنع استمرار القارة كمصدّر للمواد الخام وتعيد توظيف ثرواتها كمحرك رئيسي للتنمية والتصنيع.
الغياب الأمريكي:
في سياق تصاعد التوتر داخل منصة مجموعة العشرين، شكّل غياب الولايات المتحدة عن قمة جوهانسبرغ الأخيرة مؤشرًا دالًا على اتساع نطاق الخلاف بينها وبين جنوب أفريقيا. فقد أعقب هذا الغياب إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلة من التصريحات التي اتسمت بحدة ملحوظة، تمثلت في اتهام جنوب أفريقيا بسوء التعامل مع ممثل بلاده خلال أعمال القمة، ورفضها نقل رئاسة المجموعة إلى الجانب الأمريكي، فضلًا عن توجيه انتقادات تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في البلاد. وعلى هذا الأساس، أعلن ترامب اعتزامه منع جنوب أفريقيا من المشاركة في قمة عام 2026 المقررة في ميامي، ووقف أشكال الدعم المالي المقدمة لها، وهي إجراءات وصفتها الحكومة الجنوب أفريقية بأنها عقابية وتمس سيادتها وموقعها في المنصات متعددة الأطراف. في المقابل، أعرب الرئيس الجنوب أفريقي عن أسفه لتلك التصريحات، مؤكدًا التزام بلاده بمواصلة الانخراط في أعمال المجموعة رغم التصعيد الأمريكي، وهو ما يشير إلى إمكانية تشكل حالة من التوتر الدبلوماسي قد تنعكس على ديناميات التوازن داخل المجموعة في المرحلة المقبلة.
وبذلك، يتضح أن المشهد المستقبلي يشي بتحوّل متسارع في تموضع أفريقيا داخل خريطة النفوذ الدولي؛ فالقارة التي كانت واشنطن تعدّها مجالًا استراتيجيًا تقليديًا، تبدو اليوم أقرب إلى التحول عن المدار الأمريكي والانجذاب نحو الصين بوصفها شريكًا أكثر حضورًا وفاعلية. ومع تباطؤ الولايات المتحدة في إعادة صياغة علاقتها الاقتصادية بالقارة، سواء عبر أدوات تجارية مرنة أو سياسات أقل صدامًا، تتعزز فرص بكين لترسيخ نفوذها كأقوى شريك تنموي لأفريقيا خلال السنوات المقبلة، هذا التحول يخلق واقعًا جيواقتصاديًا جديدًا يعيد تشكيل علاقات القوى في القارة السمراء، ويضع واشنطن أمام معادلة تتطلب تحركًا أسرع إذا أرادت استعادة مساحة نفوذها التقليدي.
إذًا، لا يمكن النظر إلى هذه القمة على أنها مجرد اجتماع دوري في إطار دولي، بل باعتبارها محاولة لإعادة ضبط قواعد الاقتصاد العالمي من منظور أكثر عدالة ووعيًا بتوازن القوى، مع إعطاء صوت حقيقي للدول النامية وأفريقيا تحديدًا ويُظهر البيان الختامي تعهّد دول المجموعة بالمضي في إصلاح معمّق للمؤسسات الدولية، وبخاصة تلك المعنية بالتمويل والتنمية، بما يضمن تمثيلًا أوسع للدول النامية وقدرة أكبر على معالجة اختلالات الاقتصاد العالمي.”
دور مصر في قمة مجموعة العشرين:
يمثل حضور مصر في قمة مجموعة العشرين لعام 2025 في جوهانسبرج، محاولة لتعزيز حضورها داخل الأطر الاقتصادية متعددة الأطراف، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتزايد التحديات الاقتصادية والتنموية، بما يفتح مجالات للتعاون الإقليمي والدولي.
تُظهر مشاركة مصر في قمة العشرين لعام 2025 سعي مصر إلى توسيع نطاق انخراطها في مناقشات النظام الاقتصادي العالمي. فخطاب مصر خلال الجلسات الاقتصادية اتجه نحو عرض مقترحات تتعلق بإصلاح بعض جوانب النظام المالي الدولي، شملت توسيع قاعدة المشاركة في مؤسسات التمويل متعددة الأطراف، وتعزيز أدوات التمويل الميسر، ومناقشة أطر التعامل مع أزمات الديون. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن معالجة أزمة الديون تتطلب مقاربات هيكلية، تتجاوز الحلول قصيرة الأجل، وهو ما يفسر التركيز على تطوير آليات إدارة الديون إلى جانب إعادة جدولتها.
كما عكست مداخلات مصر ربط السياسة الاقتصادية الوطنية بقضايا أوسع للأمن الاقتصادي العالمي؛ حيث جرى تناول ملفات التجارة، والتمويل المناخي، والأمن الغذائي، والتحول الطاقي ضمن إطار واحد يركز على عدالة النفاذ إلى التمويل والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، طرحت مصر تصورات بشأن دور مجموعة العشرين في تقليص الفجوة التمويلية بين الدول المتقدمة والنامية، عبر دعم دور بنوك التنمية متعددة الأطراف، وتوسيع استخدام أدوات تمويل أقل اعتمادًا على الدين، بما يسهم في دعم مسارات التحول الأخضر في الدول النامية دون زيادة أعبائها المالية. كما استندت مصر إلى خبرتها التنظيمية خلال رئاسة COP27 للدفع نحو تفعيل بعض الآليات المناخية القائمة، وعلى رأسها صندوق الخسائر والأضرار.
أما على مستوى الدبلوماسية الاقتصادية الثنائية، فقد استفادت مصر من القمة كإطار لتعزيز الحوار مع شركاء استثماريين محتملين، مع التركيز على قطاعات تُعد ذات أولوية في الهيكل الإنتاجي، مثل التعدين، والصناعات التكنولوجية، والطاقة المتجددة، وتحلية المياه. وتعكس اللقاءات مع شركات دولية، من بينها “أنجلو جولد أشانتي”، ومع عدد من القيادات الحكومية الآسيوية، توجهًا نحو جذب استثمارات طويلة الأجل ترتبط بنقل المعرفة والتكنولوجيا، ولا سيما عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تُطرح كمنصة لربط الاقتصاد المصري بسلاسل القيمة الإقليمية والدولية. ويشير ذلك إلى تحول نسبي من سياسات الحوافز العامة إلى مقاربات أكثر انتقائية تستهدف قطاعات محددة.
وتُظهر هذه المشاركة أن مصر تسعى إلى تعزيز موقعها في مناقشة القضايا العابرة للحدود، مثل الأمن الغذائي والطاقة والتغير المناخي، بوصفها طرفًا مشاركًا في هذه الملفات، وليس فقط كمستفيد من ترتيبات التمويل الدولية. كما يعكس التواصل مع صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة محاولة لربط الإصلاحات الاقتصادية الداخلية بالتحركات الخارجية، من خلال تقديم صورة عن تطورات الاقتصاد الكلي، ومستويات الاحتياطي، ودور القطاع الخاص.
ثانيًا: القمة الأفريقية-الأوروبية
تُعَدّ أوروبا الشريك التجاري الأول لأفريقيا وأقرب جيرانها. وفي شهر نوفمبر، يُخلِّد كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي مرور خمسة وعشرين عامًا على تعاونٍ متنامٍ ومتواصل. وتشكل القمة السابعة للاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، والتي عقدت في لواندا، أنجولا، يومَي 24 و25 نوفمبر2025، محطة محورية في مسار الشراكة بين القارتين، لا سيما أنها جاءت تحت شعار «تعزيز السلام والازدهار من خلال التعددية الفاعلة»، وفي سياق دولي تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتشتد المنافسة على الطاقة والمعادن والتحالفات الاقتصادية. والجدير بالذكر، أنه عقدت أُولى دوراتها في القاهرة عام 2000، و شهدت تأسيس آليات المُشاركة بين الجانبين من خلال “خطة عمل القاهرة”.
وقد حمل البيان الختامي للقمة دلالات استراتيجية مهمة؛ حيث أكّد القادة التزامهم بإعادة تنشيط الشراكة بين أفريقيا وأوروبا باعتبارها منظومة تعاون متكاملة، تتقدم بخطى ثابتة نحو تكامل أعمق بين القارتين. هذه الشراكة، التي تطوّرت على مدى خمسة وعشرين عامًا، توسّعت نطاقًا وعمقًا لتشمل التعاون السياسي والأمني والاستثماري والبشري، وهو ما يعكس الإدراك المتبادل بأهمية بناء علاقة طويلة الأمد تستند إلى الثقة المتبادلة والالتزام المشترك بتحقيق نمو مستدام وشامل لكلا الجانبين.
التجارة والاستثمار:
شدد البيان على ضرورة إعادة صياغة هذه العلاقة الاقتصادية بما يعزز التوازن، ويضع الاستثمار طويل الأمد في التحول الأخضر والرقمي في قلب السياسات المشتركة، مع التركيز على تعزيز قطاعات الصحة والتعليم، وتوسيع البنية التحتية العابرة للحدود، بما يدعم التكامل الإقليمي ويحفّز التنمية المستدامة في مختلف الدول الأفريقية. كما أعاد البيان التأكيد على مكانة الاتحاد الأوروبي باعتباره الشريك التجاري الأول لأفريقيا، كما ركّز على أهمية تعميق الحوار الاقتصادي وتوسيع نطاق الاتفاقات التجارية التفضيلية، وتعزيز التكامل الصناعي، وتطوير سلاسل القيمة المحلية داخل القارة. وشدّد القادة على أن تحسين مناخ الاستثمار والأعمال، ودعم إصلاحات الحوكمة الاقتصادية والمالية، يمثلان ركيزة أساسية لتعزيز القدرة التنافسية لأفريقيا في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والنقل والرقمنة، بما يخلق منظومة اقتصادية متينة وقادرة على مواجهة تحديات التحولات العالمية.
برنامج Global Gateway:
وفي هذا الإطار، أُبرز برنامج Global Gateway الذي تبلغ قيمته 150 مليار يورو كأداة مركزية لدفع الاستثمارات الاستراتيجية بين القارتين، عبر تعبئة التمويل العام والخاص بهدف دعم التحول الأخضر والرقمي، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، وتوسيع فرص العمل، وتحسين نظم الصحة والتعليم، وتطوير البنية التحتية للنقل والطاقة الرقمية. ويهدف البرنامج أيضًا إلى تمكين الدول الأفريقية من إدارة مواردها الطبيعية بكفاءة أكبر، وتعزيز قدرتها على إزالة الكربون بطريقة مستدامة، فضلًا عن الدفع نحو إصلاح بنية الديون الدولية لضمان وصول تمويل مرن وفاعل للدول النامية، بما يعكس الالتزام الأوروبي-الأفريقي بدعم التنمية الشاملة في القارة.
الطاقة والبنية التحتية:
تركزت المبادرات المشتركة على رفع قدرة أفريقيا على إنتاج 50 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مع تعزيز البنية التحتية للنقل البحري والجوي والرقمي، ودعم تنفيذ السوق الجوية الأفريقية الموحدة، إلى جانب تطوير أنظمة نقل مستدامة، بما يشكّل رافعة استراتيجية لتعزيز الربط بين القارتين وتسهيل حركة الاستثمار والتجارة. كما رحّب القادة بالتقدم الملحوظ في مجالات التحول الرقمي، مؤكدين دعم استراتيجية التحول الرقمي للاتحاد الأفريقي، وتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية لتعزيز النمو الشامل والشراكة بين الجانبين في الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، تُظهر القمة الأوروبية–الأفريقية لعام 2025 بوضوح الوزن المتزايد للقارة الأفريقية على المستوى الاقتصادي والسياسي العالمي، وأهمية تعزيز شراكة متوازنة في إطار التعاون متعدد الأطراف، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة ورفع القدرة التنافسية للقارة. وبالنسبة لمصر، التي شاركت بفاعلية في أعمال القمة، فإن النتائج التي أسفرت عنها تشكّل إطارًا استراتيجيًا لتعميق شراكاتها الاقتصادية مع أوروبا، لا سيما في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار والتحول الأخضر، مع توظيف موقعها كبوابة محورية بين أفريقيا وأوروبا لتعزيز دورها الإقليمي في خريطة التحولات الجيواقتصادية الراهنة، وتأكيد حضورها كلاعب رئيسي في مسارات التنمية المستدامة الإقليمية والدولية.
دور مصر في القمة الأفريقية-الأوروبية:
وإذا كانت قمة العشرين قد وفّرت لمصر منصة عالمية لعرض رؤيتها الاقتصادية، فإن القمة الأوروبية-الأفريقية وفّرت إطارًا لمتابعة بعض هذه الطروحات من خلال قنوات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف، خاصة في مجالات التنمية والبنية التحتية. وفي هذا السياق، تعكس المشاركة المصرية توجهًا نحو استخدام الأطر متعددة الأطراف لدعم أولويات تنموية محددة، مع السعي لتعزيز الاندماج التدريجي في شبكات الإنتاج والتمويل الدولية، دون أن يصل ذلك إلى إعادة تشكيل هذه الشبكات. فمن خلال الخطاب الرسمي والمشاورات الثنائية، برز اهتمام مصري بالإسهام في مناقشة بعض الاختلالات الهيكلية التي تؤثر في مسارات النمو بالقارة، عبر التركيز على أدوات التمويل الميسر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات الإنتاجية.
وعند تفكيك مضمون المشاركة المصرية، طرحت مصر نفسها عبر ثلاثة محاور مترابطة:
أولها: طرح نفسها كطرف وسيط في بعض أطر التعاون بين أفريقيا وأوروبا، من خلال الترويج لصيغ تعاون ثلاثي تشارك فيها مصر كمنصة تنفيذية أو لوجستية لمشروعات تنموية في عدد من دول القارة، بما يدعم موقعها اللوجستي.
وثانيها: الانخراط في نقاشات متعلقة بالبنية التحتية القارية، وهو ما ظهر في محادثاتها مع أنجولا بشأن الاستثمار في “ممر لوبيتو” وملفات الطاقة والتصنيع، بما يعكس اهتمامًا بربط بعض الشركات المصرية بمشروعات إقليمية، بما قد يتيح فرصًا لتوسيع سلاسل القيمة الإقليمية.
وثالثها: الاستفادة من العلاقات الثنائية مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي –مثل كرواتيا وبولندا– لبحث فرص توسيع الأسواق التصديرية وتنويع مصادر الاستثمار، إلى جانب مناقشة آليات تعاون في النقل واللوجستيات، مثل خطوط “رورو”، وبحث فرص منظمة لاستيعاب العمالة المصرية الماهرة في بعض أسواق العمل الأوروبية.
إن طرح مصر لمبدأ “الملكية الوطنية” في سياق إعادة الإعمار والتنمية يعكس رغبة في المشاركة ضمن أطر قائمة لمشروعات ما بعد النزاعات، وبما قد يتيح فرصًا اقتصادية للشركات المصرية في بعض الأسواق الأفريقية.
في الختام، تعكس المشاركة المصرية في كلٍّ من قمة مجموعة العشرين والقمة الأوروبية–الأفريقية توجهًا للدبلوماسية الاقتصادية يستند إلى محاولة تنسيق الرؤية الوطنية مع التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، بما يهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على التفاعل مع هذه المعادلات. فقد سعت مصر إلى الاستفادة من السياق الدولي الذي يتسم باضطرابات هيكلية لإدارة علاقاتها الخارجية بشكل أكثر تنوعًا، عبر توسيع نطاق الشراكات وبحث قنوات إضافية للتمويل والاستثمار. كما طرحت نفسها كطرف وسيط بين أفريقيا وأوروبا، وكأحد المسارات للتعاون في ملفات الطاقة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، وبذلك يمكن القول إن مصر تعمل على تحسين تموضعها الخارجي بما يساعد على حماية مصالحها الاقتصادية ودعم فرصها التنموية، في إطار مسار تدريجي طويل الأمد يسعى إلى تعديل دورها الإقليمي والدولي.
الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة































