انعقد المؤتمر العادي التاسع والثلاثون لحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، على مدار ثلاثة أيام بين 28 و30 نوفمبر 2025، في وقت يواجه أزمة سياسية وقضائية غير مسبوقة تتعلق باستمرار حبس مرشحه الرئاسي ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو والذي يواجه لائحة اتهامات تطالب بحبسه تفوق 2500 عام، إضافة إلى عديد من القضايا التي تطالب بإبطال المؤتمر العادي الثامن والثلاثين وانتخابات المكتب الإقليمي بإسطنبول، وغيرها. وفي هذا الإطار، تناقش الورقة الرسائل السياسية من وراء انعقاد المؤتمر وما أظهره من تحديات لا تزال تواجه الحزب.
رسائل سياسية
بينما يندرج انعقاد مؤتمر حزب الشعب الجمهوري ضمن الممارسة السياسية الاعتيادية، فإن هذه الدورة انطوت على إرسال رسائل سياسية محددة في ظل الأزمة السياسية التي يمر بها الحزب، وهي:
• إظهار وحدة حزب الشعب الجمهوري: بينما عُهد عن حزب الشعب الجمهوري الانقسامات الداخلية متعددة المستويات، فإن الأزمة الأخيرة التي يواجهها مع الحكومة أحدثت حالة من الوحدة الاستثنائية المرتبطة بمتغيرات الوضع الراهن، وهي وإن كانت غير مستدامة على الأمد الطويل؛ حيث لم تُعَالَج مسببات الانقسام الجوهرية فيما يتعلق بالتحديد الدقيق لهوية الحزب أو مراكز القوة المتنافسة، فإنها مفيدة خلال مرحلة المواجهة الحالية مع الحكومة.
وقد تجلت حالة الوحدة خلال المؤتمر التاسع والثلاثين للحزب في عدة مظاهر؛ منها إعادة انتخاب رئيسه أوزغور أوزيل للمرة الرابعة خلال عامين، بإجمالي الأصوات؛ حيث حصل على جميع الأصوات الصحيحة بواقع 1333 صوتًا من أصل 1357 مندوبًا أدلوا بأصواتهم منهم 24 صوتًا غير صحيح. وكان أوزيل قد حصل على جميع الأصوات الصحيحة خلال المؤتمر الاستثنائي الثاني والعشرين في 21 سبتمبر الماضي بواقع 835 صوتًا، و1171 صوتًا صحيحًا في المؤتمر الاستثنائي الحادي والعشرين في 6 أبريل الفائت، وسبق له الفوز برئاسة الحزب في المؤتمر العادي الثامن والثلاثين أمام منافسه والرئيس السابق للحزب كمال كليشدار أوغلو بواقع 812 صوتًا مقابل 536 للأخير. علاوة على فوز القائمة التي شكلها أوزيل لانتخابات مجلس الحزب، بعدما أدخل عليها مجموعة من التعديلات مقارنة بقائمة المؤتمر الاستثنائي الثاني والعشرين؛ حيث حافظ على 48 عضوًا من التشكيلة السابقة، فيما ضم 32 اسمًا جديدًا.
• استمرار الممارسة الديمقراطية الداخلية: أراد حزب الشعب الجمهوري إظهار قدرة على مواصلة العمل الحزبي المنظم رغم ما يواجهه من حصار سياسي وقضائي غير مسبوق. فمن ناحية، يواصل تنظيم تجمعين احتجاجيين أسبوعيًا منذ 19 مارس تحت شعار “الدفاع عن الإرادة الوطنية”؛ أحدهما في إسطنبول، والآخر بالتناوب بين عدة ولايات، في محاولة للحفاظ على حضوره في المجال العام والتفاعل المباشر مع المواطنين. ومن ناحية أخرى، حافظ على انتظام آلياته الديمقراطية الداخلية، فعقد مؤتمره الاعتيادي في موعده، وأجرى انتخابات رئاسة الحزب، إلى جانب التجديد الدوري لكل من مجلس الحزب واللجنة العليا للتأديب ومنصة العلوم والثقافة والفنون، بما يعزز شرعيته التنظيمية ويخدم خطته للتواصل مع الجماهير.
كما أقدم على إدخال مجموعة من التعديلات البنيوية على لائحته الداخلية منها؛ رفع عدد أعضاء المجلس الحزبي من 60 إلى 80 عضوًا، وزاد عدد الأعضاء الاحتياطيين من 15 إلى 20، ومنع مسئولي البلديات ومستشاريهم من الترشح في الانتخابات الداخلية للحد من تأثير النفوذ البلدي على النتائج وتحقيق مزيد من العدالة التنظيمية، وتحسين توزيع الفئات العمرية ضمن كوتة الشباب من خلال رفع سن فئة 18–25 إلى 30 عامًا، ورفع بداية فئة 25–40 إلى 31 عامًا، مع الإبقاء على نسبة 25% للشباب. كما أضيف مكتب مرشح الرئاسة إلى الهيكل التنظيمي، وتم إلحاق وزراء الظل به.
• التأكيد على السمة القيادية لأوزيل: حظيت خطابات أوزيل خلال المؤتمر باهتمام واسع؛ إذ جرى تحليل مضمونها ورسائلها، مع إشارات مستمرة إلى قدرته على توحيد حزب الشعب الجمهوري خلفه مرات عديدة، ويُستشهد على ذلك بفوزه المتكرر برئاسة الحزب عبر ثلاثة انتخابات خلال عام واحد، وأربعة انتخابات خلال عامين؛ الأمر الذي عزز حضوره كقائد قادر على إدارة الحزب وتوجيهه في لحظات الأزمة. وبرز هذا الطابع القيادي بصورة أوضح خلال إدارته الكاريزمية لمرحلة ما بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو؛ حيث نجح في قيادة نضال الحزب وتنظيم احتجاجات جماهيرية منتظمة؛ مما هيأه للانتقال من كونه مجرد رئيس أكبر أحزاب المعارضة إلى زعيم التيار المعارض القادر على قيادة وتوجيه الجماهير ومخاطبتهم والتعبير عن تطلعاتهم.
وتحمل هذه المكانة أهمية بالغة في السياسة التركية؛ إذ تعد الكاريزما أحد أهم المؤهلات الجماهيرية للقادة السياسيين، وأحد محددات خيارات الناخبين لمرشحهم المفضل، ومن ثم فإن إثبات أوزيل مهاراته في هذا الشأن ربما يؤهله لدور سياسي أكبر مستقبلًا. وفي هذا الإطار، تذهب بعض التقديرات التركية إلى أن تحركات أوزيل، سواء داخليًا عبر قيادة موجة احتجاجية منظمة، أو خارجيًا عبر تنظيم أول تجمع للحزب في بروكسل في أكتوبر الماضي، تتجاوز حدود كونها مجرد نشاط لرئيس حزب معارض، وتمثل فعليًا حملة تمهيدية لخوض الانتخابات الرئاسية مستقبلًا، خصوصًا في ظل الوضع القانوني لإمام أوغلو الذي يواجه لائحة اتهام واسعة قد تُقصيه سياسيًا.
• تأهيل الحزب للانتخابات العامة المقبلة: يعتبر حزب الشعب الجمهوري الاستحقاق الانتخابي المقبل محطة مفصلية في مسيرته السياسية خلال العقود الأخيرة، وفرصة لإثبات قدرته على تحويل الزخم الشعبي الذي حققه منذ عملية 19 مارس إلى منجزات انتخابية فعلية، وتقليص أثر الضغوط والملاحقات الحكومية على موقعه داخل المشهد الحزبي والسياسي، وقد جاء المؤتمر التاسع والثلاثون ليجسد هذا التوجه عبر شعاره “حان وقت السلطة”، معلنًا انتقال الحزب من المعارضة إلى السعي الجاد نحو السلطة، والاستجابة لمطالب الشعب بالتغيير.
وركز المؤتمر على إعادة تشكيل الهيكل القيادي المسئول عن إدارة العملية الانتخابية بكامل مراحلها، من اختيار المرشحين إلى وضع استراتيجية الدعاية الانتخابية. وفي هذا الإطار، عكست التعديلات التي أجراها أوزيل على قائمته لانتخابات المجلس التنفيذي توجهًا واضحًا نحو توسيع القاعدة التخصصية داخل قيادة الحزب؛ إذ ضمت خبراء اقتصاديين، وكوادر قانونية وقضائية، وشخصيات من القطاع الطبي، إضافة إلى عناصر دبلوماسية وأكاديمية لتعزيز جناح السياسة الخارجية، وتهدف هذه التركيبة إلى بناء قيادة متعددة الخبرات تمكن الحزب من بلورة برنامج انتخابي أكثر قدرة على مخاطبة أولويات المواطنين، واستيعاب مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بصورة مقنعة.
كذلك، تخدم بعض التعديلات التي أدخلت على اللائحة عملية الاستعداد للانتخابات المقبلة؛ إذ تم استحداث مكتب مرشح الرئاسة داخل الهيكل التنظيمي، وهو مكتب يتولى إدارة ملف المرشح الرئاسي للحزب حتى موعد الانتخابات المقبلة، وتنفيذ الحملات الميدانية عبر التنظيمات المحلية، على أن يتم تنسيق عمله سياسيًا وتنفيذيًا مع المقر العام عبر شخصيات يعينها رئيس الحزب، وتمويله مباشرة من ميزانية الحزب. ويعكس استحداث هذا المكتب لأول مرة استعدادًا مبكرًا للانتخابات الرئاسية، ومسعى لتفادي فوضى الترشيحات والصراعات التنظيمية التي شهدتها دورات سابقة. كما حافظت التعديلات على وجود “وزراء الظل”، مع إلحاق عملهم بمكتب مرشح الرئاسة حتى وصول الحزب إلى السلطة، في دلالة على سعي القيادة إلى إبراز جاهزية الحزب كحكومة بديلة.
ومن مظاهر الاستعدادات أيضًا إقرار البرنامج الجديد للحزب خلال اليوم الأول من المؤتمر، والذي جاء في وثيقة مكونة من 134 صفحة، تحت شعار “مواطن قوي، مستقبل آمن، تركيا فائزة”، ومكونة من أربعة مواضيع رئيسية هي؛ الديمقراطية والحوكمة والعدالة، والتنمية والاقتصاد، والدولة الاجتماعية، والسياسة الخارجية والأمن والمرونة. ويعد هذا أول برنامج محدث منذ عام 2008، ورغم أن البرامج الحزبية لا تُقرأ بالكامل عادةً، ولا تؤثر على سلوك الناخبين مباشرةً، ولا تراجعها الأحزاب باستمرار، وغالبًا ما تكون ذات أهمية في تحديد التوجه الأساسي لأي حزب حديث التأسيس فقط، فإن تصدر حزب الشعب الجمهوري المشهد السياسي منذ عملية 19 مارس، وفوزه في الانتخابات المحلية الأخيرة (مارس 2024)، وتشكيله التيار الرئيسي للمعارضة الاجتماعية في تركيا اليوم، أكسب برنامجه الجديد زخمًا واهتمامًا باعتباره وسيلة إعادة تقديم نفسه إلى الجماهير.
تحديات قائمة
كشفت فعاليات ومخرجات المؤتمر التاسع والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري عن استمرار جملة من التحديات التي يواجهها الحزب، سواء على المستوى الداخلي أو في إطار مساعيه لاستعادة السلطة، وقد تجلى ذلك في عدد من الملامح يتم استعراضها على النحو التالي:
• الطابع التقليدي لبرنامج الحزب: بدا لافتًا أن البرنامج لا يقدم اختلافًا جوهريًا عن النسخة السابقة، إذ لا يزال يعكس الإشكالية المزمنة المتعلقة بالتحديد الدقيق لهوية الحزب، ويبدو أن الصياغة الجديدة راعت بدرجة كبيرة استراتيجية “التوازن الدقيق” التي رسخها الرئيس الأسبق دنيز بايكال، والقائمة على الانفتاح على الناخبين اليمينيين وإقامة روابط معهم كمدخل للوصول إلى السلطة، مقابل ضبط التوجه اليساري للحزب سواء في المجال الاقتصادي (تجنب خطاب المواجهة مع السياسات النيوليبرالية)، أو في المجال السياسي (الابتعاد عن الخطاب المرتبط بمواجهة الإسلام السياسي).
فعلى المستوى الاقتصادي –وهو القسم الأطول في البرنامج– لا يقدم الحزب نقدًا واضحًا للوصفة النيوليبرالية التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية منذ 2002، وجاءت اللغة أكثر تحفظًا وحرصًا على عدم إرباك رأس المال المحلي والأجنبي، مكتفيًا بالدعوة إلى تحسين كفاءة آليات السوق بدلًا من الحد من دورها، وإلى ترشيد الخصخصة دون رفضها كخيار. كما لم يتبنَ البرنامج مقترحات أكثر يسارية كزيادة الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة أو فرض ضريبة ثروة تصاعدية لمعالجة التفاوت المتصاعد في توزيع الدخل والثروة. وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية، أكد البرنامج التزامه بقواعد منظمة التجارة العالمية بوصفها الإطار الناظم لسياسة التجارة الخارجية.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد جاء البرنامج أكثر قربًا من الخطاب الجماهيري؛ إذ قدم مقاربة تعرف التعليم والرعاية الصحية والإسكان ومستحقات التقاعد بوصفها حقوقًا اجتماعية أساسية، واعتبر الخدمات الاجتماعية إجمالًا إطارًا يقوم على الحقوق. وفي هذا السياق، ضم البرنامج حزمة واسعة من الوعود، من بينها إعادة فتح المستشفيات الحكومية المغلقة، وتوفير وجبات طعام ومياه شرب مجانية في المدارس، وتعيين فرق دائمة للنظافة والأمن والصحة في المدارس، وإعادة فتح مدارس القرى، وتحويل المدارس إلى دوام كامل مع إلغاء رسوم التسجيل.
كما تعهد البرنامج بإلغاء المقابلات الشخصية في تعيين المعلمين، وإلغاء مجلس التعليم العالي، واعتماد نظام انتخاب رؤساء الجامعات، إضافة إلى بناء مساكن للطلبة وفق الاحتياجات، ووقف دفع أموال صندوق التأمين ضد البطالة لأصحاب العمل، وإنشاء حضانة مملوكة للدولة في كل حي، وتطبيق دخل المواطنة الأساسي، وفتح الشواطئ للعامة، وتخصيص دعم مالي للمواطنين منخفضي الدخل لقضاء العطلات. وتكشف هذه الوعود عن رغبة الحزب في تبني خطاب اجتماعي يستهدف تعزيز العدالة الاجتماعية وجذب القواعد الشعبية الواسعة.
وجاء القسم الخاص بالديمقراطية والحوكمة والعدالة قريبًا أيضًا من الخطاب الجماهيري، عبر معالجة مظاهر التراجع الديمقراطي التي تشهدها تركيا مؤخرًا؛ حيث ركز على استعادة مركزية البرلمان في العملية السياسية من خلال الحد من صلاحيات الرئيس واعتماد نظام برلماني يقوم على فصل واضح للسلطات وتشكيل حكومة منبثقة من الجمعية الوطنية. كما حاول عكس بعض القرارات التي اتخذتها حكومة أردوغان ضد الجيش عقب انقلاب يوليو 2016 الفاشل، بما في ذلك إعادة ربط قيادات القوات بهيئة الأركان العامة، وإعادة فتح المدارس الثانوية العسكرية والمستشفيات العسكرية. كذلك، قدم تصورًا لحل القضية الكردية يستند إلى إرساء نظام سياسي واجتماعي قائم على المساواة والمشاركة والديمقراطية، مع التأكيد على القضاء على الإرهاب وضمان حق المواطنين في تعلم لغتهم الأم واستخدامها وتطويرها، إضافة إلى تضمين البعد التنموي الإقليمي كجزء أساسي من مقاربة الحل.
ومع ذلك، بدا لافتًا أن البرنامج تبنى موقفًا غير صدامي إزاء ملف العلمانية، في إطار حرص واضح على توسيع القاعدة الانتخابية ومغازلة التيار المحافظ الذي يشكل أكبر كتلة ناخبة في البلاد. فقد تجنبت الوثيقة استخدام مصطلحات مثل “الرجعية” أو “التطرف الديني”، وتغاضت عن التحديات المرتبطة بالتنظيمات الدينية داخل مؤسسات الدولة وما تمثله من تهديد للعلمانية، كما لم تُشر إلى التدهور في وضع التعليم العلماني رغم كونه محورًا أساسيًا في الصراع بين العلمانيين والمحافظين، وبدت مقاربة الحزب للعلمانية أقرب إلى حماية حرية المعتقد، دون الدفاع عن جوهر العلمانية.
أخيرًا، جاء القسم المتعلق بالسياسة الخارجية في البرنامج محدودًا من حيث الحجم –ثلاث صفحات فقط– وهو ما يتسق مع محدودية تأثير هذا الملف في تشكيل سلوك الناخبين، وقد طغت عليه لغة دبلوماسية تقليدية ذات توجه غربي، تعيد التأكيد على التكامل مع المؤسسات الأوروبية الأطلسية، بما في ذلك إصلاح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وإعادة ربط تركيا بالتحالف الغربي باعتباره مدخلًا لتحقيق الاستقرار، كما أدرج البرنامج دعم إرادة القبارصة الأتراك كصيغة للحل في القضية القبرصية، دون تقديم تصور تفصيلي أو إطار تفاوضي جديد.
فيما تجاهل البرنامج ملفات خارجية ذات ارتباط وثيق بالمصالح التركية، ومنها على سبيل المثال الملف السوري الذي تم تناوله فقط من زاوية اللاجئين. كما غابت الإشارة إلى التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، وإلى التطورات البنيوية في النظام الدولي، بما في ذلك صراع الهيمنة بين الولايات المتحدة والصين، أو كيفية تموضع تركيا داخل بيئة عالمية وإقليمية تشهد فترات إعادة تشكل. وبدت الرؤية الخارجية أقرب إلى مقاربات سابقة تقوم على العمل داخل الأطر المؤسسية التقليدية مثل الاتحاد الأوروبي والناتو، مع غياب لخطاب المبادرة أو الطموح لتشكيل الترتيبات الإقليمية.
ويمكن تفسير ضعف هذا الجانب في البرنامج بعاملين رئيسيين؛ أولهما: أن السياسة الخارجية لا تشكل بذاتها محركًا للناخبين إلا حين يتم ربطها بقضايا أمن داخلي مثل القضية الكردية. وثانيهما: أن فترة ابتعاد الحزب الطويلة عن السلطة جعلت من الصعب عليه إعادة صياغة رؤية جديدة، فانجذب تلقائيًا إلى مواقفه التقليدية التي تبناها خلال سنوات حكمه الأولى، دون تقديم مقاربة محدثة تتناسب مع البيئة الإقليمية والدولية الراهنة.
• استمرار الانقسامات الداخلية: تشكل الانقسامات متعددة المستويات إحدى المشكلات المزمنة التي يعاني منها حزب الشعب الجمهوري، والتي لم يعالجها البرنامج المحدث، ولا آليات الممارسة الديمقراطية الداخلية؛ فأحد أبرز هذه الانقسامات تتعلق بالهوية الأيديولوجية للحزب؛ حيث تتصارع مجموعتان رئيسيتان: أقلية ديمقراطية اشتراكية، وأغلبية قومية تتمسك بالأيديولوجية الكمالية القومية وتعترض على محاولات توجيه الحزب نحو التوجه اليساري. وعلى الرغم من أن ديباجة البرنامج المحدث أشارت إلى القيم العالمية للديمقراطية الاجتماعية كأحد المصادر الأساسية لأيديولوجية الحزب، فإن محتوى البرنامج لم يقدم سردية يسارية متسقة مع التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العالمية التي أثرت على الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية العالمية، بل راعى بشكل كبير النظام الاقتصادي النيوليبرالي مع إدخال تحسينات لا تمس جوهره، وهو ما يعكس تناقضًا بين الأيديولوجية وبرنامج الحركة، ويمكن تفسيره بالرغبة في تفادي خلق ارتباك اقتصادي أو استفزاز القطاع المحافظ الواسع.
أما الوحدة التي شهدها الحزب مؤخرًا، فهي وحدة تكتيكية مؤقتة تستجيب للمتغيرات الراهنة التي يمر بها الحزب، وليست انعكاسًا لتصفية الانقسامات أو انسجامًا داخليًا حقيقيًا، ويرتبط جزء من هذا التراجع التكتيكي بخشية بعض التيارات الداخلية، وعلى رأسها التيار المؤيد لكمال كليشدار أوغلو، من تصدر المشهد حاليًا خوفًا من فقدان التأييد الجماهيري إذا بدا أنه يسعى عمدًا لإحداث شق في صفوف الحزب، ويمكن ملاحظة هذا التراجع من خلال عدم مشاركة كليشدار أوغلو في المؤتمر العادي الأخير والمؤتمرين الاستثنائيين خلال العام الجاري؛ مما يعكس استراتيجية للحفاظ على الوحدة الظرفية خلال مرحلة المواجهة الحالية مع الحكومة.
• تضرر الممارسة الديمقراطية الداخلية: في الوقت الذي يسعى فيه الحزب إلى إبراز لحظة وحدة داخلية، تحمل هذه الوحدة وجهًا سلبيًا يتعلق بتضرر الممارسة الديمقراطية الداخلية؛ فللمرة الثالثة على التوالي يخوض أوزغور أوزيل انتخابات رئاسة الحزب مرشحًا وحيدًا، ويحصد جميع الأصوات الصحيحة دون ظهور أي منافس، بينما يقتصر اعتراض البعض على إبطال أصواتهم. وينسحب الأمر ذاته على انتخابات مجلس الحزب؛ إذ اختفت القوائم المتنافسة لصالح قائمة واحدة يقودها أوزيل. ورغم أن هذا المشهد يعكس تماسكًا حزبيًا واضحًا، فإنه في الوقت ذاته يضعف التعددية الداخلية ويحد من التنافس الديمقراطي داخل الحزب.
ختامًا، لا يزال أمام حزب الشعب الجمهوري طريق طويل لاكتساب الثقة الجماهيرية الكافية للانتقال من صفوف المعارضة إلى السلطة، وتجاوز الضغوط القضائية التي تستخدم لتقييد مساحته السياسية، وذلك رغم الزخم السياسي الذي حققه منذ أزمة اعتقال إمام أوغلو.






























