التحويلات المالية هي الأموال التي يتم تحويلها من العاملين المهاجرين لأسرهم في بلدانهم الأصلية وتعد مصدرًا أساسيًا للتمويل الخارجي لعديد من البلدان النامية؛ لأنها تدعم ملايين الأسر من حيث الاستهلاك والتعليم والرعاية الصحية والاستثمارات؛ مما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويمثل ارتفاع تحويلات العاملين في الخارج قيمة اقتصادية كبيرة، وذلك لأثرها على المستوى العائلي وعلى مستوى الاقتصاد الكلي؛ حيث تسهم في زيادة دخل الأسر المتلقية لها وتخفف من مخاطر السقوط في الفقر؛ بالإضافة لأنها تساعد في دعم ميزان المدفوعات والاحتياطيات، كونها تمثل مصدرًا مستدامًا للنقد الأجنبي وتسهم بتقليص عجز الحساب الجاري. كما أن التحويلات تسهم في تعزيز الوضع الاقتصادي بزيادة الاستهلاك؛ مما ينعكس إيجابيًا على الطلب المحلي وتحسين بيئة الاستثمار، وتوجيه نسبة كبيرة من تلك التحويلات للتعليم والصحة والسكن.[1]
ونظرًا لتأثيرها على النشاط الاقتصادي في عديد من الدول، فإنها من الممكن أن توفر أيضًا حماية ضد التباطؤ الاقتصادي بالبلاد المستفيدة من تلك التحويلات. وقد أصبحت التحويلات المالية واحدة من أكبر أشكال التمويل الخارجي للبلدان النامية؛ حيث تجاوز إجمالي التدفقات الوافدة خلال عامي 2023 و2024 القيمة المجمعة لكل من صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية؛ مما يبرز أهمية التدفقات المالية في الدول النامية.
في ضوء ما سبق، قامت إدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية، للأمم المتحدة خلال شهر نوفمبر 2025 بإصدار تقرير تحت عنوان “تطورات التدفقات العالمية للتحويلات المالية وآثارها على التنمية المستدامة”، وذلك ليناقش أهمية التحويلات المالية وإسهاماتها في البلدان النامية.
أولًا: حجم تدفقات التحويلات المالية للاقتصادات خلال عام 2024
ظلت التحويلات المالية المسجلة رسميًا للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل ذات حجم كبير؛ حيث بلغت ما يقرب من 700 مليار دولار خلال عام 2024؛ أي بنمو 10%؛ يأتي هذا الصمود انعكاسًا للأداء القوي لسوق العمل في الاقتصادات المضيفة الكبرى، وقدرة المهاجرين على التكيف مع الصدمات العالمية. وبالمقارنة مع الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية، فتعتبر تدفقات التحويلات المالية للبلدان النامية أقل تقلبًا؛ فخلال عامي 2023 و2024، تجاوزت التحويلات المالية إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية الموجهه للبلدان النامية؛ مما يبرز إسهام التحويلات الكبيرة في التنمية؛ حيث استمر النمو في تدفقات التحويلات المالية أيضًا خلال عام 2025.
ثانيًا: التوزيع الجغرافي لتدفقات التحويلات في عام 2024
يستعرض التقرير بعض المناطق الجغرافية المستقبلة للتحويلات المالية، والتي نراها من خلال الآتي:
- القارة الأفريقية: كان نمو تدفقات التحويلات المالية قويًا، مدفوعًا بشكل أساسي بالزيادة الحادة بالتحويلات المالية إلى مصر منذ الربع الثاني من عام 2024.
- جمهورية مصر العربية: بعد التحول إلى نظام سعر صرف مرن في مارس 2024، جاء التعافي الملحوظ وارتفعت تدفقات التحويلات؛ مما ساعد بالتالي في إغلاق الفجوة بين أسعار السوق الرسمية والموازية وساعد في استعادة الثقة في النظام المصرفي.
- نيجيريا: خلال عام 2024، وصلت تدفقات التحويلات لأعلى مستوى في غضون خمس سنوات وسط جهود الدولة النيجيرية لاستقرار سوق الصرف الأجنبي وتعزيز التعاون مع مشغلي تحويل الأموال.
- منطقة جنوب الصحراء الأفريقية: تظل تدفقات التحويلات متقلبة لبلدان جنوب الصحراء الأفريقية لتأثرها بتقلبات أسعار الصرف، وعدم الاستقرار السياسي ببعض الدول الرئيسية .
- القارة الآسيوية: كانت معظم التحويلات المالية في آسيا مستقرة، أو في حالة تزايد مع الوقت على مدار عام 2024، باستثناء “منطقة غرب آسيا” التي شهدت تقلبًا في تحويلاتها المالية بدعم من انتشار الصراع في لبنان.
- منطقة جنوب آسيا: حافظت تدفقات التحويلات المالية على نموٍّ بمعدل مزدوج الأرقام منذ الربع الرابع لعام 2023، بدافعٍ من التدفقات القوية للهند وبنغلاديش وباكستان:
- الهند: تلقت 137 مليار دولار في عام 2024، محافظةً على مكانتها كأكبر مُستفيد من التحويلات عالميًا. أدت الزيادة بحصة العمال الهنود بالمهارات العالية بقطاعات كالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والتمويل والرعاية الصحية –خاصة بالولايات المتحدة وأوروبا–لارتفاع التحويلات.
- باكستان: أسهمت تحسينات استقرار سعر الصرف وجهود الحكومة لتعزيز القنوات الرسمية للتحويل في دفع نمو التحويلات.
- بنغلاديش: استفادت التدفقات الواردة من التدابير السياسية –كالحوافز لاستخدام أنظمة التحويل الرسمية وفرض رقابة أكثر صرامة على قنوات “الهند” غير الرسمية–؛ مما أعاد توجيه التدفقات للشبكة المصرفية الرسمية.
- منطقة شرق آسيا: ظلت التحويلات المالية مستقرة إلى حد كبير، مدعومةً بتدفقات مستمرة لأندونيسيا والفلبين وتايلاند. لكن على النحو الآخر، واجهت الاقتصادات الأصغر والأكثر اعتمادًا على التحويلات بالمنطقة نموًا أبطأ في التدفقات الواردة. على سبيل المثال، في دولة ساموا–التي شكلت التحويلات المالية أكثر من ربع ناتجها المحلي الإجمالي لعام 2024– انعكس ركود التحويلات بالربع الأول من عام 2025 على تراجع الطلب على العمالة وضعف النشاط الاقتصادي بالبلدان المضيفة الرئيسية، وخاصة أستراليا ونيوزيلندا.
- منطقة غرب آسيا: شهدت دول غرب آسيا تقلبًا بتدفقات تحويلات مالية بشكل خاص؛ وتُظهر أحدث البيانات أن التدفقات المالية إلى لبنان -الوجهة الرئيسية للتحويلات في المنطقة، والتي شكلت حوالي 30٪ من إجمالي التحويلات للمنطقة عام 2024- انخفضت بنسبة 13.4٪. وقد أدى انتشار الصراع إلى لبنان لتعطيل مسار التعافي التدريجي بعد الأزمة الاقتصادية من عام 2018 حتى عام 2020، في حين أن التحديات الاقتصادية الممتدة في لبنان أدت لمزيد من تآكل الثقة في التحويلات المالية الرسمية.
ثالثًا: المخاطر الناشئة وعدم اليقين التي تهدد آفاق التحويلات المالية
من المتوقع أن يستمر التوسع في تدفقات التحويلات المالية بالسنوات المقبلة، حتى وإن كان بوتيرة أبطأ. ستظل هناك عديد من التحديات المتعددة تعيق هجرة العمالة للخارج وبالتالي التحويلات المالية، ومن بينهما:
- الضغوط الديموغرافية بالاقتصادات المتقدمة (تقدم السكان بالعمر وانخفاض المواليد): تؤثر الضغوط الديموغرافية بالاقتصادات المتقدمة على التحويلات المالية من خلال زيادة الطلب على العمالة المهاجرة؛ مما يُسهم بالحفاظ على تدفق الأموال للدول النامية. حيث تواجه الدول المتقدمة انكماشًا فى عدد السكان بسن العمل وارتفاعًا بنسب الإعالة لكبار السن؛ مما يؤدي لنقص العمالة. ولمعالجة ذلك، تقوم عديد من الدول المتقدمة بتعديل (أو تخفيف) سياسات الهجرة لجذب العمال الأجانب المهرة (وأحيانًا منخفضو المهارة).
- الفوارق في الدخل بين الاقتصادات المتقدمة والنامية: مستويات الدخل المختلفة من الممكن أن تؤدي لتحفيز الهجرة؛ مما يزيد من تدفقات التحويلات المالية، ويسهم في الحد من الفقر وعدم المساواة بالدول النامية عبر تعزيز دخل الأسر ذات الدخل المحدود لتغطية الاحتياجات الأساسية والتعليم والصحة. الفجوات في الدخل الأكبر في البلدان النامية تحفز العمال على الهجرة للدول المتقدمة؛ مما يؤدي لزيادة التحويلات.
- الصراعات الإقليمية: تتأثر التحويلات المالية بالصراعات الإقليمية لزيادة التدفقات المالية ( يرسل المهاجرون المساعدات لأسرهم لمواجهة عدم الاستقرار الجيوسياسي وارتفاع تكاليف المعيشة بالحرب). في الوقت نفسه، تزداد التحويلات المالية بأوقات الصراعات الإقليمية لعدم اليقين الاقتصادي. بالإضافة لذلك، تؤدي الصراعات للتقلبات بأسعار الصرف؛ فيمكن لانخفاض قيمة عملة البلد الأم أن يشجع على زيادة التحويلات المالية، إلا أن ارتفاع مستوى عدم اليقين يثني المهاجرين عن إرسال الأموال عبر القنوات الرسمية للخوف من الخسارة.
- التغير في سياسات الهجرة: تؤثر التغييرات بسياسات الهجرة على التحويلات المالية من خلال التأثير على أعداد المهاجرين، وحالتهم القانونية، وظروف عملهم؛ مما يؤثر على الاستقرار الاقتصادي والتنمية بدول المنشأ. فالنُهُج الأكثر تشددًا (مثل تقليل التأشيرات، وتشديد القيود، أو تحوّلات سوق العمل) تُقلّص من تدفقات التحويلات، بينما تعززها السياسات الشاملة (مثل توفير مسارات هجرة أفضل، والشمول المالي، وتحسين ظروف العمل).
رابعًا: دور التحويلات المالية في دفع عجلة التنمية المستدامة
تؤثر تحويلات العاملين من الخارج على عديد من الجوانب في الاقتصاديات النامية لاعتمادها بشكل كبير على تلك التحويلات، وبالتالي سيكون لتباطؤ وتيرة التحويلات المالية تأثيرات على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في الاقتصاديات النامية، والذي من الممكن أن يتضح من خلال الآتي:
- من الناحية الاقتصادية: توفر التحويلات المالية دعمًا داخليًا حاسمًا للأسر؛ مما يساعدهم على تحفيز الاستهلاك واستقرار النشاط الاقتصادي؛ فالتحويلات المالية تعزز القوة الشرائية، وتحفز الطلب المحلي، وتعمل كعازل مضاد للدورات الاقتصادية لبلدان المهاجرين الأصلية؛ حيث ترتفع أثناء الأزمات عندما تتراجع مصادر التمويل الخارجي الأخرى (مثل الاستثمار الأجنبي المباشر، أو إيرادات السياحة).
- في حالة ضعف نمو التحويلات، يكون التأثير المباشر على استهلاك الأسرة، ولكن الركود الطويل من المرجح أن يضعف الدخل المتاح للدولة، ويُقيد الطلب المحلي ويُبطئ النشاط الاقتصادي.
- في بعض الحالات، يؤدي انخفاض تدفقات التحويلات لتقليل احتياطيات النقد الأجنبي، وزيادة ضغوط ميزان المدفوعات وارتفاع التقلب في سعر الصرف، مع تداعيات أوسع على استقرار الاقتصاد الكلي.
- من منظور اجتماعي: يهدد انخفاض تدفقات التحويلات بإضعاف الأثر الإيجابي على الحد من الفقر وتنمية رأس المال البشري.
- على سبيل المثال، طبقًا لدراسة شملت 130 دولة نامية بين عامي 1990 و2019، وجدت أن زيادة 10٪ إلى نصيب الفرد من التحويلات، قد ترتبط بانخفاض حوالي 1.3٪ في مستويات الفقر.
- على عكس ذلك، يمكن أن يؤدي الانخفاض بالتحويلات لزيادة الضعف أمام الصدمات الاقتصادية وتأثر الأمن الغذائي والمخاطر الصحية؛ مما يفاقم الأثر السلبي للانخفاض المتوقع بالمساعدات التنموية الرسمية.
خامسًا: ارتفاع تحويلات العاملين المصريين بالخارج إلى جمهورية مصر العربية
واستنتاجًا لما ورد في ذلك التقرير، يمكن الإشارة إلى التطور فى تحويلات المصريين في الخارج من واقع بيانات البنك المركزي المصرى: خلال التسعة أشهر الأولى من أعوام 2023، و2024، و2025 ارتفعت تحويلات العاملين في الخارج إلى مصر بما يقرب من الضعف؛ حيث بلغت التحويلات 14.6 مليار دولار أمريكي بأول تسعة أشهر من عام 2023، وارتفعت إلى 20.8 مليار دولار أمريكي بالفترة الموازية لعام 2024. أما عن الفترة نفسها من عام 2025 وصلت تحويلات العاملين من الخارج إلى 30.2 مليار دولار أمريكي[2]. بالإضافة لذلك، وصلت نسبة تحويلات العاملين بالخارج للناتج المحلي الإجمالي إلى 7.6٪ بعام 2024، والذي يمثل ارتفاعًا عن عام 2023 حين بلغت النسبة نحو 4.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي، طبقًا للبنك الدولي[3].
شكل رقم (1): تحويلات العاملين المصريين بالخارج في مصر في أول 9 أشهر من عام 2023 و2024 و2025

المصدر: البنك المركزي المصري
بالتالي، يتضح من خلال ارتفاع تحويلات العاملين في الخارج القيمة الاقتصادية الكبيرة لتلك التحويلات على المستوى العائلي وعلى مستوى الاقتصاد الكلي:
- أولًا: تسهم تحويلات العاملين بالخارج في زيادة دخل الأسر المتلقية لها وبتخفيف من مخاطر السقوط في الفقر.
- ثانيًا: تساعد في دعم ميزان المدفوعات والاحتياطيات كونها تمثل مصدرًا مستدامًا للنقد الأجنبي وتسهم بتقليص عجز الحساب الجاري.
- ثالثًا: تسهم في تعزيز الوضع الاقتصادي بزيادة الاستهلاك؛ مما ينعكس إيجابيًا على الطلب المحلي وتحسين بيئة الاستثمار، وتوجيه نسبة كبيرة من تلك التحويلات للتعليم والصحة والسكن.[4]
وختامًا، يستعرض تقرير “تطورات التدفقات العالمية للتحويلات المالية وآثارها على التنمية المستدامة” الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 2025، أهمية التحويلات المالية لملايين الأسر ودورها في نمو الاقتصاد في عديد من البلدان النامية. حيث كانت القارة الأفريقية من بين أكثر المناطق التى شهدت تدفقات قوية للتحويلات المالية، مدفوعة بالزيادة الحادة في التحويلات إلى مصر منذ الربع الثاني من عام 2024؛ مما يسهم في دعم ميزان المدفوعات والاحتياطيات النقدية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
[1] https://www.unescwa.org/sites/default/files/event/materials/e2-7.pdf
[2] https://www.cbe.org.eg/en/news-publications/news/2024/11/25/11/48/remittances-from-egyptians-abroad-during-january–september-2024
https://www.cbe.org.eg/en/news-publications/news/2025/11/17/12/05/remittances-sep-2025
[3] https://data.worldbank.org/indicator/BX.TRF.PWKR.DT.GD.ZS?end=2024&locations=EG&start=2015
[4] https://www.unescwa.org/sites/default/files/event/materials/e2-7.pdf






























