تنمية ومجتمع

حقوق أطفال ليبيا.. أزمة مؤرقة

في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا وغياب الإحصائيات الرسمية، يوجد بعض التناقض بين إحصائيات السكان وخاصة الإحصائيات النوعية، فقد سجل البنك الدولي أن نسبة الأطفال تحت 18 عامًا في ليبيا بلغت نحو 28% بإجمالي حوالي 2 مليون طفل من إجمالي عدد السكان والبالغ نحو 7 ملايين نسمة عام 2020، بينما سجلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وفقًا لـ”كتاب حقائق العالم” أن نسبة الأطفال تحت 14 عامًا بلغت نحو 34% للعام نفسه.  وبحسب البيانات الواردة باستراتيجية حماية ليبيا 2020/2021 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA) يوجد حوالي 45% من إجمالي عدد الأطفال نازحين داخليًا، و8% مهاجرين، منهم…

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة

في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا وغياب الإحصائيات الرسمية، يوجد بعض التناقض بين إحصائيات السكان وخاصة الإحصائيات النوعية، فقد سجل البنك الدولي أن نسبة الأطفال تحت 18 عامًا في ليبيا بلغت نحو 28% بإجمالي حوالي 2 مليون طفل من إجمالي عدد السكان والبالغ نحو 7 ملايين نسمة عام 2020، بينما سجلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وفقًا لـ”كتاب حقائق العالم” أن نسبة الأطفال تحت 14 عامًا بلغت نحو 34% للعام نفسه. 

وبحسب البيانات الواردة باستراتيجية حماية ليبيا 2020/2021 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (OCHA) يوجد حوالي 45% من إجمالي عدد الأطفال نازحين داخليًا، و8% مهاجرين، منهم نحو 35% من غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم، ويعاني أكثر من 100 ألف طفل في 34 منطقة جغرافية من مخاطر جمة، مثل مخاطر الصحة العقلية نتيجة ارتفاع الأزمات الاجتماعية ومنها الانفصال الأسري، ومخاطر العنف القائم على الجنس، ومخاطر الاتجار، أو الاختطاف، أو الاغتصاب، بالإضافة إلى مخاطر التجنيد من قبل داعش والجماعات الإرهابية المسلحة، لذا فإن وضع الأطفال في ليبيا أضحى أزمة إنسانية مؤرقة تتطلب التدخل الإيجابي العاجل.

حق النماء الصحي

تعرّض القطاع الصحي في ليبيا إلى حالة من التقهقر في شتى النواحي، بدءًا من تدهور النظام الصحي، ومرورًا بضعف الموارد المالية، ومحدودية الموارد البشرية، والنقص الحاد في المعدات الطبية الأساسية، وزيادة مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا نتيجة إنسانيأنظمة المياه جراء الهجوم، وإنسانينظام إدارة النفايات، علاوة على نقص الأدوية، وعلى رأسها لقاحات التطعيم المخصصة للأطفال.

سجلت إحصائيات جاهزية بعض الخدمات الصحية المحددة الواردة بالتقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية في يوليو 2017 بعنوان “الطوارئ الصحية في ليبيا والتحديث الإنساني” والخاصة بحصر اللقاحات والتطعيمات نسبة 69% فقط، مما أدى إلى اضطراب تنفيذ جداول التطعيم القومية في ليبيا، وتعرض الأطفال لخطر الإصابة بأمراض تهدد حياتهم، في مقدمتها: الحصبة، وشلل الأطفال، والأمراض المناعية، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية واليونيسيف عام 2020 أن أكثر من 250 ألف طفل فقدوا جرعاتهم من اللقاحات الأساسية. من جهة أخرى، انخفضت نسبة علاج الأطفال إلى 35%، واقتربت إجراءات تنظيم الأسرة من نفس النسبة حيث سجلت 36%، وزادت النسبة بفارق 1% فقط لصالح خدمات منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل، بينما سجلت خدمات رعاية ما قبل الولادة ورعاية التوليد في حالات الطوارئ نسب 40% و55% على التوالي كما هو موضح بالشكل رقم (1).

شكل (1): جاهزية الخدمات الصحية والطبية لأطفال ليبيا عام 2017

على صعيد آخر، يعاني القطاع الصحي في ليبيا من نقص عدد القوى العاملة في المستشفيات، ويوضح الشكل رقم (2) الفارق بين أعداد القوى العاملة الطبية الفعلية والمأمولة وفق الإحصاء الصادر بالمصدر السابق، كما تأثرت المنشآت الطبية تأثرًا بالغًا جراء عمليات القصف المسلح، حيث تم إغلاق أكثر من 50% من مرافق الرعاية الصحية عام 2020 جاء معظمها في المناطق الريفية وفق الإحصائيات الصادرة عن اليونيسف، وعانى أكثر من ثلثي مراكز الرعاية الصحية الأولية من نقص في الأدوية الأساسية تخطت 20 نوعًا مختلفًا أهمها المضادات الحيوية، وأدوية الأمراض المزمنة كالأنسولين، وغيرها وفق ذات المصدر. وبحسب التقارير المحلية والصادرة عن المركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض سجل 200 مركز من إجمالي 700 مركز للتطعيم نفاد مخزون لقاحات السل، ونقصًا حادًا في مخزون اللقاح سداسي التكافؤ في العام نفسه.

وقد فرضت جائحة (كوفيد-19) قيودًا أخرى وخاصة بعد تبعيات إغلاق المجال الجوي بين الدول، مما ترتب عليه تعطيل استيراد الأدوية وخاصة اللقاحات الأساسية؛ الأمر الذي أثر على المخزون القومي للدواء واللقاحات في ليبيا، لذا حثت منظمة الجمارك العالمية على تسهيل تخليص الإمدادات الإنسانية، وخاصة الطبية منها والمحظورة في الجمارك.

شكل (2): الفارق بين أعداد القوى العاملة الطبية الفعلية والمأمولة في ليبيا عام 2017

كانت مصر في طليعة الدول التي ساهمت في تخفيف وطأة الخطر الناجم عن نقص اللقاحات والتطعيم لأطفال ليبيا، فقد قامت بعقد ورشة عمل توجيهية (الأولى من نوعها) بشأن التطعيم والأمراض، وانعقدت في الإسكندرية في يوليو 2017، واستهدفت وضع خطة لاستئصال شلل الأطفال في ليبيا بالتعاون مع وزارة الصحة المصرية، وفريق من المكتب الإقليمي لشرق المتوسط ​​لمنظمة الصحة العالمية بليبيا ممثل عن منظمة الصحة العالمية.

وفي يناير 2020، أبرمت منظمة الجمارك العالمية اتفاقية محدودة الأجل لمدة ثلاث سنوات مع مستشفى بامبينو جيسو للأطفال في روما بهدف بناء قدرات الكادر الطبي والتمريض في مستشفيين للأطفال في بنغازي وطرابلس بهدف تدريبهم على أحدث تقنيات قسطرة الأطفال، والعناية المركزة للأطفال؛ إلا أن جائحة (كوفيد-19) حالت دون تنفيذ الاتفاقية وفق الجدول الزمني المخصص لها، فتم تعليقها لمدة عام كامل، وجارٍ دراسة استئنافها هذا العام.

التعليم والحقوق الاجتماعية

لا يبعد الوضع التعليمي والاجتماعي لأطفال ليبيا كثيرًا عن وضعهم الصحي، فقد أثر الاضطراب السياسي وخاصة النزاعات المسلحة بدورها على البنية التحتية للمؤسسات التعليمية من جهة، واستغلال بعض المدارس كمأوى للنازحين أو اللاجئين من جهة أخرى، فدمرت الهجمات الإرهابية أكثر من 15 مدرسة، وتم إغلاق نحو 550 مدرسة لعدم صلاحيتها للاستخدام، كما دمر هجوم إرهابي مستودعًا دراسيًا يحوي مستندات نتائج الامتحانات الوطنية، بالإضافة إلى 5 ملايين كتاب مدرسي عام 2019، وأعلن صندوق طوارئ الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” خلال تقرير صدر العام الماضي أن أكثر من 200 ألف طفل ليبي متسرب خارج الفصول الدراسية عام 2020، ونحو 300 ألف طفل في ليبيا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية منها دعم الحصول على التعليم.

أما عن الوضع الاجتماعي فقد تم استغلال الأطفال الليبيين من قبل الجماعات الإرهابية المسلحة، إما بالاختطاف، أو التجنيد، أو الاتجار، أو انتهاكات العنف القائم على الجنس، فبحسب الإحصائيات الصادرة عن منظمة “اليونيسف” في أبريل 2019 هناك نحو 7300 طفل تم إقصاؤهم من منازلهم جراء أعمال الإرهاب المسلح، ونحو 1800 طفل يحتاجون إلى الإجلاء العاجل من مناطق القتال الأمامية، وحوالي 500 ألف طفل تأثروا بالعنف في مختلف أنحاء ليبيا، كما تعرضت الفتيات لجرائم الاغتصاب، سواء من الجماعات الإرهابية أو خلال احتجازهم في مراكز إعادة التثقيف الاجتماعي (دور إيواء الأحداث الجانحين). لذا، سيحتاج هؤلاء الأطفال إلى برامج مكثفة لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، ومعالجة الآثار النفسية الناجمة عن خبرات العنف التي تعرضوا لها، وبالأخص برامج علاج رغبات الانتقام لديهم.مجمل القول، إن حقوق الأطفال في ليبيا تحتاج إلى مزيد من الرصد، والاهتمام، والرعاية الدولية والمحلية، فقد أثر الصراع المتصاعد على تعظيم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال الليبيون، وقوض الجهود الانسانية بمختلف مستوياتها محلية، إقليمية، ودولية، مما يفرض طرح حوار دولي يعضد تضافر جميع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية لمعالجة انتهاكات وتجاوزات حقوق الطفل في ليبيا بما يتفق والمواثيق الدولية لدعم الاستقرار، والدفع قدمًا نحو تنفيذ خارطة الطريق من خلال رصد الوضع الصحي والاجتماعي للأطفال في ليبيا، وتعزيز الإمدادات الإنسانية، ودعم خروج وانسحاب المرتزقة، ووقف التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي.

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة