وحدة الدراسات الاقتصادية

التكلفة الاقتصادية للكوارث الطبيعية

تتزايد التداعيات والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية في العقود الأخيرة مع التزايد المستمر في التعداد السكاني، والاتجاه المستمر نحو التنمية الحضرية، تاركة اهتمامًا أقل للآثار البيئية التي لها أيضًا تكلفة اقتصادية هائلة. فما هو حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التغير المناخي والكوارث الطبيعية؟ وما هي الجهود المبذولة من قبل بعض الدول الكبرى للحد من هذه الخسائر وزيادة استعداد ومرونة العالم لمواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية؟.  أولًا: التداعيات الاقتصادية للكوارث الطبيعية وفقًا لتقرير مقدم من شركة إعادة التأمين السويسرية “سويس ري” بعنوان “سيجما 1/2021 – الكوارث الطبيعية في 2020” في يناير 2021، بلغت تكلفة الكوارث الطبيعية عالميًا 190 مليار دولار في…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تتزايد التداعيات والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية في العقود الأخيرة مع التزايد المستمر في التعداد السكاني، والاتجاه المستمر نحو التنمية الحضرية، تاركة اهتمامًا أقل للآثار البيئية التي لها أيضًا تكلفة اقتصادية هائلة. فما هو حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التغير المناخي والكوارث الطبيعية؟ وما هي الجهود المبذولة من قبل بعض الدول الكبرى للحد من هذه الخسائر وزيادة استعداد ومرونة العالم لمواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية؟. 

أولًا: التداعيات الاقتصادية للكوارث الطبيعية

وفقًا لتقرير مقدم من شركة إعادة التأمين السويسرية “سويس ري” بعنوان “سيجما 1/2021 – الكوارث الطبيعية في 2020” في يناير 2021، بلغت تكلفة الكوارث الطبيعية عالميًا 190 مليار دولار في 2020. وقامت شركات التأمين بتغطية 43% من هذا الرقم (أي 81 مليار دولار) (جدير بالذكر أن هذا إلى جانب الخسائر الناجمة عن الكوارث التي من صنع الإنسان التي تقدر بنحو 8 مليارات دولار ليصبح إجمالي الخسائر المؤمن عليها من الناحية الصناعية 89 مليار دولار عالميًا). إضافة إلى ذلك، شكلت المخاطر الثانوية (التي يتم تعريفها على أنها أحداث صغيرة أو متوسطة الحجم، أو الآثار الثانوية التي تتبع خطرًا أساسيًا، مثل الفيضانات الناجمة عن الأعاصير، وعواصف البرد، والحرائق بعد الزلازل) وخصوصًا العواصف الرعدية وحرائق الغابات حوالي 70% من الخسائر المؤمن عليها. كما أن المخاطر الأساسية لا تزال تشكل خطرًا ضخمًا. إضافة إلى ذلك، ارتفعت الخسائر بنسبة 1.6% بين 1970-2020 على أساس متوسط متحرك لمدة 10 سنوات، أي إن أحداث الكوارث الطبيعية التي حدثت في الماضي سيكون تأثيرها أكبر إذا حدثت الآن.

علاوة على ذلك، من المتوقع أن يزداد الدمار الناجم عن المخاطر الأولية في الأعوام المقبلة وفقًا لتاريخ واتجاهات هذه المخاطر. وتتوقع شركة “سويس ري” أن تبلغ الخسائر الاقتصادية إذا حدث كل من موسم الأعاصير الذي يتسبب في ذروة الخسائر والأحداث الثانوية المتعددة المخاطر في عام واحد 250-300 مليار دولار.

شكل 1: الخسائر التراكمية المؤمنة في الفترة من 2011 إلى 2020 بالمليار دولار (أسعار 2020)

المصدر: شركة سويس ري، يناير 2021.

بناءً على الشكل رقم (1) والمبني على بيانات من شركة “سويس ري” في يناير 2021، فقد بلغ إجمالي الخسائر التراكمية المؤمنة في الفترة من 2011 إلى 2020 بالمليار دولار (باستخدام أسعار 2020) للعواصف الشديدة 217.9 مليار دولار، وهو ما يعد أكثر من ثلاثة أضعاف ثاني أكبر مسبب للخسائر من الكوارث الطبيعية (الفيضانات) البالغ إجمالي خسائرها 67.3 مليار دولار. وتأتي حرائق الغابات كثالث أكبر مسبب للخسائر من الكوارث الطبيعية بإجمالي خسائر 56.2 مليار دولار. وتعد أمريكا الشمالية صاحبة أكبر خسائر تراكمية في العواصف الشديدة لتقدر بنحو 192 مليار دولار في هذا العقد (2011-2022)، كما أنها تعد أيضًا صاحبة أكبر خسائر تراكمية ناجمة عن حرائق الغابات لتقدر قيمتها بنحو 53.1 مليار دولار. كما أنه لا تزال قيمة الخسائر التراكمية الناجمة عن الفيضانات مرتفعة لتقدر بنحو 16.2 مليار دولار. وهذا ما يجعل إجمالي الخسائر التراكمية لأمريكا الشمالية الناجمة عن هذه الكوارث الطبيعية الثلاث 261.3 مليار دولار من 341.4 للمجموع الكلي لهذه القارات، أي 76.5% من المجموع الكلي.

وتتمثل الخسائر الكلية من الكوارث الطبيعية في أوروبا من خسائر ناجمة عن العواصف الشديدة تقدر بنحو 15.6 مليار دولار وخسائر تراكمية ناجمة عن الفيضانات تقدر بنحو 20.1 مليار دولار، بينما تعد الخسائر الناجمة عن حرائق الغابات في أوروبا لا تذكر. إضافة إلى ذلك، تُعد الخسائر التراكمية في هذا العقد في آسيا بشكل أساسي ناجمة عن الفيضانات لتبلغ إجمالي الخسائر التراكمية 26.7 مليار دولار، ولكنها تعد أكبر قيمة خسائر تراكمية بين القارات نتيجة الفيضانات، حيث أدت الفيضانات الشديدة في مقاطعة هنان الصينية إلى زيادة المطالبات المؤمنة بنحو 11 مليار يوان صيني (أي 1.7 مليار دولار)، وفقًا للجنة تنظيم البنوك والتأمين الصينية.

علاوة على ذلك، تعد الخسائر التراكمية الناجمة عن الكوارث الطبيعية في أمريكا الجنوبية محدودة. أخيرًا، تأتي أكبر خسائر تراكمية في هذا العقد في أوقيانوسيا “Oceania” نتيجة العواصف الشديدة، حيث بلغت إجمالي الخسائر التراكمية 9.4 مليارات دولار. ولكن وفقًا لتقرير مقدم من شركة “Infrastructure Australia” بعنوان “نحو مرونة البنية التحتية” في أغسطس 2021، فمن المتوقع أن تصل التكلفة الوطنية للكوارث الطبيعية إلى 39 مليار دولار بحلول عام 2050.

وعلى صعيد آخر، أعلنت شركة “سويس ري” في أحدث تقرير لها في أغسطس 2021، أن الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن الكوارث الطبيعية قد بلغت نحو 77 مليار دولار في أول 6 أشهر من 2021، وهو ما يعد انخفاضًا بنسبة 33% عن الفترة نفسها من العام الماضي. ومن بين هذه الخسائر، بلغ حجم الخسائر المؤمن عليها 40 مليار دولار مدفوعة بالخسائر الناجمة عن العواصف الشديدة وحرائق الغابات، في حين تسببت الكوارث التي تعد من صنع الإنسان في خسائر بقيمة 2 مليار دولار فقط. لكن يعد إجمالي الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية أعلى من متوسط ​​السنوات العشر السابقة البالغ 33 مليار دولار وثاني أعلى مستوى على الإطلاق للنصف الأول بعد عام 2011 وهو العام الذي شهد إجمالي خسائر بسبب الزلازل في اليابان ونيوزيلندا بقيمة 104 مليارات دولار. ووفقًا لجمعية التأمين الألمانية، من المتوقع أن تستمر هذه الخسائر الفادحة في النصف الثاني من العام الحالي، حيث من المتوقع أن تتسبب الفيضانات في ألمانيا في خسائر مؤمنة تقدر بنحو 4.5-5.5 مليارات يورو (نحو 5.3-6.5 مليارات دولار).

ثانيًا: جهود الدول حول العالم للحد من تداعيات الكوارث الطبيعية

اتخذت العديد من الدول خطوات ضخمة للحد من الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية. على سبيل المثال، ووفقًا لجريدة “نيويورك تايمز” في 5 أغسطس، ففي محاولة الولايات المتحدة للحد من التكلفة الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية، أعلنت إدارة رئيس الولايات المتحدة “جو بايدن” في بداية أغسطس 2021 عن ضخ حجم قياسي من الأموال (نحو 3.5 مليارات دولار) في شكل منح للولايات للحماية من الفيضانات وحرائق الغابات وغيرها من التهديدات، وهو ما يُعد تحولًا في سياسة الكوارث في الولايات المتحدة مع تفاقم تغير المناخ. إضافة إلى ذلك، وفقًا لخبر نشرته وكالة “رويترز” للأنباء في 9 أغسطس، قال المرشح المحافظ لمنصب المستشار الألماني المقبل ورئيس الوزراء لأكبر ولاية من حيث عدد السكان، إن من المخطط أن يبلغ قيمة صندوق التعافي من الفيضانات نحو 20-30 مليار يورو، وهو ما يعد ضعف التوقعات الأولية، الأمر الذي يشير إلى مكافحة الولايات المتحدة وألمانيا الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية بشكل أكثر جدية عن أي وقت مضي. علاوة على ذلك، وفقًا لخبر “رويترز” في 6 أغسطس، خصصت البرتغال 224 مليون يورو (265 مليون دولار) لمكافحة حرائق الغابات هذا العام، والحد من تكلفة الحرائق على البيئة، بالإضافة إلى التكلفة الاقتصادية، كما خصصت الحكومة المركزية الإسبانية 65 مليون يورو.

وقالت “رويترز” في 6 أغسطس، إن تركيا أنفقت جزءًا ضئيلًا من ميزانية حماية الغابات قبل اندلاع الحرائق، حيث أعلنت وكالة الغابات التركية الحكومية عن إنفاقها في النصف الأول من العام الجاري أقل من 2% من القيمة المخصصة هذا العام للبناء والمشاريع والمعدات المستخدمة لمكافحة حرائق الغابات 200 مليون ليرة (24 مليون دولار). 

أخيرًا، توقعت شركة “سويس ري” في تقريرها في أبريل 2021 أن تصل الخسائر إلى 18% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب تغير المناخ إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء للحد من الانبعاثات وتخفيض الاحتباس الحراري. لذا، يجب مساهمة القطاع العام والخاص في جعل العالم أكثر استعدادًا ومرونة لمواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة