تنمية ومجتمع

تغيّر المناخ في مصر : قراءة في الجهود والسياسات والتحديات

أصبح خطر تغيّر المناخ يشغل بال الساسة والقادة والجمهور والميديا في الآونة الأخيرة، لدرجة أنّ مقاومته أصبحت الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة الصادرة عن الأمم المتحدة، وذلك لما له من تأثير جليّ على عالم الاقتصاد والزراعة والري ومن ثم السياسة والأمن الدولي والقومي معًا. ومن أبرز النتائج المباشرة لتغير المناخ هو ارتفاع درجة حرارة الكوكب 0.6 درجة سليزية فوق متوسط درجة حرارة الكوكب قبل الثورة الصناعية خلال القرن الماضي طبقًا لتقرير وكالة ناسا الأمريكية وتقرير جهاز شئون البيئة، وأبرز الأسباب المؤدية لذلك هي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيث أنتجت دول العالم مجتمعة ما يقارب 49 مليار طن مكافئ…

أحمد عبدالعزيز
مهندس بترول وباحث في استراتيجيات الطاقة والبيئة

أصبح خطر تغيّر المناخ يشغل بال الساسة والقادة والجمهور والميديا في الآونة الأخيرة، لدرجة أنّ مقاومته أصبحت الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة الصادرة عن الأمم المتحدة، وذلك لما له من تأثير جليّ على عالم الاقتصاد والزراعة والري ومن ثم السياسة والأمن الدولي والقومي معًا. ومن أبرز النتائج المباشرة لتغير المناخ هو ارتفاع درجة حرارة الكوكب 0.6 درجة سليزية فوق متوسط درجة حرارة الكوكب قبل الثورة الصناعية خلال القرن الماضي طبقًا لتقرير وكالة ناسا الأمريكية وتقرير جهاز شئون البيئة، وأبرز الأسباب المؤدية لذلك هي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيث أنتجت دول العالم مجتمعة ما يقارب 49 مليار طن مكافئ كربوني عام 2018 من غازات الاحتباس الحراري طبقًا لموقع “كليمات واتش داتا” الشهير، ولا يزال منحنى التغير آخذًا في الازدياد، مما استلزم حراكًا دوليًا نحو مكافحة هذا الخطر المحدق، متمثلًا في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغيير المناخ وبروتوكول كيوتو واتفاقية باريس.

طبقًا لوكالة حماية البيئة والتقريرات الصادرة عن جهاز شئون البيئة المصري، فإن أبرز غازات الاحتباس الحراري هي الفصائل الأربع الآتية: ثاني أكسيد الكربون CO2، والميثان CH4، وثاني أكسيد النيترز N2O، وغازات الفلور (مركبات البيروفلوروكربون PFCs، ومركبات الهيدروفلوروكربون HFCs، وسادس فلوريد الكبريت SF6)، وأبرزها وأكثرها انبعاثًا هو ثاني أكسيد الكربون حيث يشارك بنسبة 76% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وهو غاز خامل كيميائيًا مما يعني أنه لا يتفاعل، بل يبقى في الغلاف الجوي لآلاف السنين.

ينتج غاز ثاني أكسيد الكربون مجملًا من حرق الوقود الأحفوري وحرق المخلفات الصلبة ومن تقلص الرقعة الخضراء، وينتج الميثان من أعمال الاستزراع الحيواني ومن أعمال الزراعة ومن تحلل المخلفات العضوية البشرية والحيوانية على حد سواء، وينتج أكسيد النيتروز من نفس الأنشطة السابقة، بينما تنتج غازات الفلور من الأنشطة الصناعية والكيميائية مثل: إنتاج المعادن، والكيماويات، ولب الورق، والأغذية والمشروبات، والهالوكربونات، والأيروسولات، والمذيبات، وأشباه الموصلات، والإلكترونيات والمعدات الكهربائية، أو من الأعمال التجارية والمنزلية مثل أعمال التبريد ومكافحة الحرائق، وهذا يعني أن الدول الصناعية الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة هي الأكثر إسهامًا على الإطلاق في الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة الصناعية، وأيضًا من ناحية النشاط الصناعي ذاته فإن قطاع الطاقة هو الأبرز إسهاما في الاحتباس الحراري مقارنة بسائر القطاعات الأخرى.

وتبرز أسوأ نتائج تغير المناخ إلى جانب ارتفاع متوسط درجة حرارة الكوكب، في زيادة الجفاف بالمناطق الجافة أصلًا، وكذلك ظهور الفيضانات بالمناطق التي لم تعتد أن تظهر فيها الفيضانات، وذوبان الجليد في المحيطين المتجمدين القطبيين الشمالي والجنوبي وفي الأنهار الجليدية، وارتفاع منسوب مياه البحار، وهو الأمر المقدر بـ100 سم وفق التقرير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وذلك بحلول عام 2100، إلى جانب الخلل في النظام البحري بسبب ارتفاع حرارة المحيطات وبسبب تحميض مياهها نتيجة ارتفاع نسبة الكربون بها، وأيضًا انتشار بعض الأمراض كالملاريا طبقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وضع مصر من ناحية تغير المناخ

مصر هي جزء من العالم المحيط يؤثر فيه ويتأثر به، وطبقًا لتقرير “كليمات واتش داتا”Climate Watch Data  فقد أنتجت مصر حوالي 330 مليون طن مكافئ كربوني عام 2018، أي ما يقارب 0.67% من إجمالي إنتاج الكوكب، بمعدل زيادة ثابت تقريبًا حوالي 2.5% سنويًا طبقًا لإحصائيات ماكرو ترندس، متماشيًا مع حجم الاستهلاك الكلي لمنتجات البترول والغاز الطبيعي والذي بلغ قرابة 80 مليون طن في عام 2018 بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مع وزارة البترول. وإذا ما نسبنا كمية الانبعاثات إلى الناتج المحلي الإجمالي -ليتضح ثقل وطأة الانبعاثات بالنشاط الصناعي والإنتاجي- فمصر أنتجت في 2018 حوالي 1319 طنًا لكل مليون دولار ناتج محلي إجمالي مقارنة بـ196 في ألمانيا و842 في الصين. ويُشير النزول في منحى التغير في حجم الانبعاثات مقرونة بالناتج المحلي الإجمالي إلى تحسن في البصمة الكربونية لمصر نظرًا لزيادة الناتج المحلي الإجمالي.

وكان قطاعُ الطاقة الأكثر إسهامًا في حجم الانبعاثات، حيث يُسهم بقرابة 72% من حجم الانبعاثات، وكان لحرق الوقود بغرض إنتاج الطاقة الكهربية والحرارية والأغراض الأخرى النصيب الأكبر داخل قطاع الطاقة في حجم الانبعاثات طبقًا لتقرير الجوار والشراكة الأوروبية الصادر عن مصر عام 2011، يليه قطاع الزراعة وقطاع العمليات الصناعية وقطاع المخلفات على حد سواء، ثم يأتي قطاع تغير الرقعة الخضراء فهو الأقل إسهامًا.

أثر المناخ على مصر

مصر هي واحدة من أكثر البلدان عرضة لمخاطر تغير المناخ على الرغم من أنها تنتج أقل من 1٪ من إجمالي الانبعاثات في العالم، خصوصًا مع عدم مرونة واستعدادية أي قطاع من قطاعات الاقتصاد لضربات تغير المناخ. فطبقًا لدراسة بيئية نُشرت على موقع جهاز شئون البيئة، وُجد أن التهديدات التي تواجه مصر نتيجة تغير المناخ كالآتي:

ارتفاع مستمر في الضغط الجوي ودرجات الحرارة والرطوبة، حيث يرتفع متوسط درجة حرارة مصر 0.34 درجة سليزية كل عقد، وينخفض عدد ساعات سطوع الشمس في اليوم بمعدل 0.01 ساعة كل سنة.

قطاع الزراعة، حيث زيادة كمية الماء المطلوبة لري نفس الحجم الزراعي الحالي، وتصحر الأرض الزراعية، وزيادة وطأة الآفات الحشرية، حيث تتغير طبيعة الدورات الزراعية، محدثة حالات ارتباك محصولي موسمية بسبب ارتفاع درجات الحرارة فوق المعتاد، مما يؤدي إلى تقلص كمية المحاصيل الزراعية، وكذلك هطول الأمطار في أوقات غير طبيعية أو في أماكن غير مألوفة، إلى جانب تغير خواص مياه الري بسبب انخفاض تركيز الأكسجين المذاب في نهر النيل بسبب الانبعاثات، مما يؤثر بالسلب على إنتاجية الفدان، وعلى نضوج ولون المحصول، وأيضًا ينخفض الإنتاج السمكي متأثرًا بارتفاع حرارة مياه البحر أو تحميضها.

المناطق الساحلية، حيث ارتفاع مستوى سطح البحر، وقد قدرت الدراسات التي أشرفت عليها وحدة التغيرات المناخية بجهاز شئون البيئة أن بلوغ ارتفاع مستوى سطح البحر 18-59 سم سوف يعرض مساحات متفاوتة من الدلتا لاحتمالات الغرق، مما يُهدد بفقدان أراضٍ زراعية خصبة مأهولة بالسكان.

نقص موارد مياه النيل في بعض السنوات بدرجة قد تصل إلى الخطورة الشديدة نتيجة اختلال في توزيع أحزمة المطر كميًا ومكانيًا، مما يؤثر بالسلب على إمدادات قطاع الزراعة المصري بالمياه والذي يستهلك 85% من موارد المياه سنويًا. وقد أشــارت النتــائج إلى تكبــّد مــدن دلتــا النيــل والســاحل الشــمالي خســائرَ تتمثــل فــي تهجيــر أكثــر مــن 2 مليــون شــخص يشتغلون بالزراعة والصيد البحري، هذا بالإضافة إلى التجارة والصـناعة، وضـياع 214 ألـف فرصـة عمـل تُقـدر بـأكثر من 35 مليار دولار من قيمة الأرض والممتلكات.

قطاع الصحة: ستزيد نوبات الإجهاد الحراري، ونقص إمدادات الماء والغذاء، بالإضافة إلى زيادة الأمراض.

جهود الدولة

في عام 1992، وقّعت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، وتم تشكيل وحدة تغير المناخ بجهاز شئون البيئة في 1996، ووقّعت مصر على بروتوكول كيوتو في مارس 1999، ثم إعداد استراتيجية آلية التنمية النظيفة في مصر عام 2001، وتنفيذ مشروع تنمية القدرات لآلية التنمية النظيفة عام 2004، ثم في 2005 تمت الموافقة على 79 مشروعًا أخضر يهدف إلى تقليص الانبعاثات بمعدل خفض 7.16 ملايين طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا بتكلفة استثمارية 6.2 مليارات دولار، وتشكيل اللجنة الوطنية للتغيرات المناخية عام 2007 ثم الموافقة على اتفاقية باريس عام 2015، ثم أخيرًا وليس آخرًا قرار رئيس الوزراء رقم 1129 سنة 2019 بشأن تحديد عمل المجلس الوطني للتغيرات المناخية. وقد وافق مجلس النواب في أغسطس 2020 بصفة نهائية على مشروع قانون لتنظيم إدارة المخلفات وتشجيع الاستثمار فيها.

تبنّت مصر سياسة مكافحة تغير المناخ من خلال مختلف الأساليب، وأبرزها:

أولًا- سياسة تخفيف حجم الانبعاثات:

بدءًا من عام 2007 حينما تبنّى المجلس الأعلى للطاقة سياسة تقليص الانبعاثات من خلال الاتجاه للطاقة النووية والمتجددة عمومًا مثل الطاقة الشمسية والرياح والهيدرومائية، حيث بلغت الزيادة في توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية 246.3% في عام 2017 مقارنة بعام 2016 حسب تقارير وزارة الكهرباء، ومشاريع توليد الطاقة من الرياح مثل مشروع طواحين الهواء بالزعفرانة، وتوليد الطاقة الكهربية من الطاقة الهيدرومائية مثل مشروعي نجح حمادي ودمياط إلى جانب السد العالي. وأيضًا صناعة استخلاص الكربون المنبعث ثم تخزينه بدلًا من إطلاقة في الهواء، إلى جانب رفع كفاءة منظومة الطاقة، واستبدال الديزل والبنزين بالغاز الطبيعي، حيث بلغ عدد السيارات المحولة للعمل بالغاز الطبيعي عام 2017 قرابة 229956 سيارة بحسب تقارير وزارة البترول، ولكن أبرز العقبات تتمثل في طول أمد استرداد الاستثمار، ومن الجدير بالذكر أن سياسات تقليص الانبعاثات ستكلف 45 – 270 مليار دولار بحلول 2050.

ثانيًا- سياسة التكيف:

مثل ترشيد الري وتنظيم المحاصيل لتتماشى مع تغيّر المناخ، ومثل تحسين كفاءة المنظومة الصحية وتوفير التطعيم المناسب والتنبؤ الدقيق بالطقس والمناخ، واستخدام أصناف من الحبوب تستطيع مقاومة التغيرات المناخية الحارة والباردة ونقص المياه. والاستفادة من مياه السيول، والانتقال إلى المدن الجديدة بدلًا من الاكتظاظ السكاني المولد للانبعاثات الحرارية، وإقامة المصانع خارج الأحوزة العمرانية، وتبطين الترع والمصارف حفاظًا على المياه.

ثالثًا- السندات الخضراء وتجارة الكربون:

حيث تستخدم في تمويل مشاريع البنية التحتية الخضراء، وإطار عمل تلك السندات يغطي قطاعات مثل: النقل النظيف، والطاقة المتجددة، ومنع التلوث وإدارة النفايات، وكفاءة الطاقة، وإدارة المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. في سبتمبر 2020، طرحت مصر أول إصدار للسندات الخضراء في المنطقة على الإطلاق، والذي جمع 750 مليون دولار من الأوراق المالية المرتبطة بالبيئة قبل إدراجها في بورصة لندن.

أحمد عبدالعزيز
مهندس بترول وباحث في استراتيجيات الطاقة والبيئة