كانت ظاهرة غياب الطلاب عن المدارس والاعتماد على الدروس الخصوصية؛ تقتصر على طلاب الثانوية العامة، اعتقادًا من هؤلاء الطلاب وأولياء أمورهم أن الذهاب إلى المدرسة في هذه المرحلة المصيرية يندرج تحت مسمّى “تضييع الوقت”، ولكن تلك الظاهرة تفاقمت على مدار السنوات العشرة الأخيرة، إلى أن طالت مرحلة التعليم الأساسي؛ فأصبح طلاب المرحلة الإعدادية أيضًا ينقطعون عن مدارسهم ويعتمدون على الدروس الخصوصية من أجل الحصول على درجاتٍ أعلى؛ تضمن التحاقهم بالتعليم الثانوي العام، وهو ما أثبتته زيارة محافظ بورسعيد في أول أيام الدراسة للفصل الدراسي الثاني من العام الدّراسي الحالي، حيث جاءت نسبة الحضور لطلاب الصفّ الثالث الإعدادي متدنيةً جدًا، وقد لا يتوقف الأمر عند المرحلة الإعدادية بعد عامين أثرت فيهما جائحة كوفيد-19 على حضور الطلاب إلى المدارس بشكلٍ بالغٍ، الأمر الذي يتطلب إجراءاتٍ عاجلةً وإلزاميةً لمواجهة تلك الظاهرة ومنع تمدّدها إلى الصفوف الدنيا.
واقع الظاهرة
على الرّغم من صعوبة الوصول إلى بيانات دقيقة حول معدلات غياب الطلاب في المراحل الدراسية المختلفة بسبب عدم إتاحة مثل هذه البيانات التفصيلية على موقع وزارة التربية والتعليم؛ والتعليم الفني؛ إلا أنّ الوزارة تعترف ضمنيًا في وثيقة “مشروع إصلاح التعليم” التي تمّ اعتمادها منذ 2017 بوجود مشكلة تتمثل في ضعف اعتماد الطلاب على المدرسة، مما يعني أن احتمالية منح الطلاب وأولياء أمورهم الأولوية للدروس الخصوصية على حساب المدرسة مرتفعة، وذلك في الصفان الثالث الثانوي والثالث الإعدادي على أقل تقدير.
لم يعد خفيًا أن طلاب الصف الثالث الثانوي الذين يبلغ عددهم حوالي 600 ألف طالب (أي 2.4% من إجمالي الطلاب في التعليم قبل الجامعي) لا يحضرون إلى المدارس إلا عند الحاجة (ملء استمارات دخول الامتحان – الحصول على كلمات المرور أو تحديثات التابلت). وبالنظر إلى المرحلة الإعدادية، فإن الأمر لم يعد يختلف كثيرًا؛ فمعظم طلاب الصف الثالث الإعدادي البالغ عددهم 1.7 مليون طالب تقريبًا يعتمدون في الأساس على الدروس الخصوصية، ولا يذهب غالبيتهم إلى المدارس إلا عند الحاجة بعد أن أمنوا العقاب في ظل غياب الرقابة على المدارس أو تطبيق القانون فيما يتعلق بفصل الطالب عند تغيبه 15 يومًا متصلة، أو 30 يومًا منفصلة. وبذلك يتضح إن طلاب الصفين الثالث الثانوي والثالث الإعدادي فقط يمثلون 2.3 مليون طالب بنسبة 9.2% من إجمالي الطلاب في النظام التعليمي.
ولا تتوقّف الظاهرة عند الصفين سالفي الذكر، ولكن الأمر امتد إلى طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي في المدارس التي تعمل بنظام الفترتين بسبب ارتفاع كثافات الفصول؛ فطلاب هذين الصفين يتجهون إلى السير على خطى طلاب الصف الثالث الثانوي فيما يتعلق بالاعتماد على الدروس الخصوصية والانقطاع عن المدرسة، حيث يقول أحد طلاب الصف الأول الثانوي في محافظة الشرقية: إنه يذهب وزملاؤه إلى المدرسة لتسجيل الحضور ثم ينصرفون من المدرسة بعد فترة وجيزة للذهاب إلى مراكز الدروس الخصوصية التي يقدمها معلمون في نفس توقيت اليوم الدراسي.
لماذا تتمدد الظاهرة؟
تتعدد أسباب تمدد تلك الظاهرة، وتختلف المبررات من مكان إلى آخر ومن فئة اجتماعية إلى أخرى، وقد ساهمت المشكلات التاريخية لنظام التعليم المصري بالإضافة إلى بعض العوامل المعاصرة في اتساع دائرة ظاهرة غياب الطلاب، ولكن يمكن أن تتحدد بعض أسباب الظاهرة فيما يلي:
1. أزمة الثقة: لم تعد المدارس الحكومية تحظى بمعدلات الثقة نفسها التي كانت عليها قبل سنوات؛ فبعد أن كان الآباء حريصون على حضور أبنائهم إلى المدارس وعدم التغيب إلا لظروف قهرية؛ أصبح ولي الأمر لا يمانع غياب نجله بحجة أن الطالب لا يتعلم شيئًا في المدرسة. وقد أكدت الوزارة تلك الحجة في وصفها لسياق قطاع التعليم ضمن وثيقة “مشروع إصلاح التعليم” بأن الطلاب لا يتعلمون ولا يحصلون كذلك على مهارات تؤهلهم لسوق العمل. علاوةً على انخفاض ثقة أولياء الأمور في المدارس، فقد انخفض مستوى ثقة الطلاب أنفسهم في المعلمين القائمين على التدريس لهم في ظل تدني مستوى التدريب، وغياب نظام الرقابة وتقييم الأداء.
2. ارتفاع الكثافة والعجز في المعلمين: ساهم ارتفاع معدلات كثافة الفصول والعجز في أعداد المعلمين في التخصصات المختلفة في تدني مستوى الخدمة التعليمية المقدمة، فقد ارتفعت كثافات الفصول في بعض المناطق إلى أكثر من 70 طالبًا في الفصل الواحد، ولجأت بعض المدارس إلى تقسيم طلاب الفصل الواحد إلى مجموعتين يحضرون إلى المدرسة بالتناوب، كما بلغت معدلات العجز في أعداد المعلمين حوالي 300 ألف معلم، واعتبر بعض مديري المدارس أن هذه المشكلة مبرر للتساهل مع غياب الطلاب، خاصةً في الصفين الثالث الإعدادي والثالث الثانوي لاستخدام الفصول في استيعاب طلاب الصفوف الدنيا.
3. تداعيات جائحة كورونا: أثّر غلق المدارس خلال العامين الماضيين وتخفيض أيام الدراسة حضوريًا بسبب جائحة كورونا على عملية التعلم والتعليم في جميع دول العالم، وأبدت منظمة اليونسكو مخاوفها من ارتفاع نسب انقطاع الطلاب عن المدارس ما بعد الجائحة. وقد يكون لنمط الدراسة خلال العامين الماضيين تأثير على دافعية الطلاب للعودة إلى المدارس بانتظام خلال العام الجاري، حيث قللت مصادر التعلم الإلكترونية جنبًا إلى جنب مع الدروس الخصوصية من اعتماد فئات معينة من الطلاب على المدرسة، في حين أدّى تخفيض أيام الدراسة إلى لجوء بعض الطلاب في سن الدراسة إلى سوق العمل لتقديم الدعم لأسرهم بسبب الظروف الاقتصادية التي خلفتها الجائحة، وقد يمثل الدخل الإضافي الذي يجنيه هؤلاء الأطفال دافعًا لتفضيلهم العمل على الانتظام في الدراسة.
4. ضعف الرقابة والمساءلة: ساهم ضعفُ الرقابة على المدارس ومُساءلة المديرين بشأن سير اليوم الدراسي ومعدلات غياب الطلاب في انتشار ممارسات مخالفة للقانون، يتمثل إحداها في عدم فصل الطلاب بعد تجاوز الأيام المقررة للغياب، وأخرى في تسجيل حضور الطلاب في بداية اليوم الدراسي، ثم السماح لهم بالانصراف قبل انتهاء اليوم، وثالثة في تسجيل حضور بعض المعلمين ثم السماح لهم بالخروج لإعطاء دروس خصوصية في توقيت اليوم الدراسي نفسه، وقد أدى ذلك الفساد الإداري إلى ترسيخ عرف جديد يسمح لطلاب الثالث الثانوي ومن بعده الثالث الإعدادي بالغياب دون محاسبة.
الأمر الملفت هو أن محاولة وزارة التربية والتعليم لضبط تلك المشكلة من خلال تعديل قانون التعليم باءت بالفشل بعد رفض مجلس النواب لمشروع القانون الذي كان ينص على تغريم ولي الأمر الذي ينقطع نجله عن الدراسة (200-500 جنيه) وحرمانه من بعض الخدمات والمميزات الحكومية، واستند النواب إلى أن ارتفاع كثافة الفصول والعجز في أعداد المعلمين هما سبب انقطاع الطلاب عن المدرسة، وطالبوا الوزير بحل هاتين المشكلتين، أولًا لخلق بيئة تعليمية جاذبة للطلاب، ثم المطالبة بفرض العقوبات.
الآثار المحتملة للظاهرة
لتحديد الآثار المحتملة لظاهرة غياب الطلاب عن المدارس، يمكن تقسيم هؤلاء الطلاب إلى ثلاثة أقسام وفقًا لسبب انقطاعهم عن المدرسة كما يلي:
1. طالب ينقطع عن المدرسة لظروف اقتصادية أو اجتماعية (زيادة نسب التسرب): قد ينقطع الطالب عن الدراسة بسبب التحاقه بسوق العمل من أجل دعم أسرته اقتصاديًا أو عدم وجود عائل يتكفل بتلبية احتياجاته الأساسية وتكلفة تعليمه؛ وفي هذه الحالة يتوقف الطالب عن الدراسة تمامًا، مما يؤدي إلى زيادة نسبة التسرب من التعليم.
2. طالب يعتمد على الدراسة من المنزل (تأثير سلبي على شخصية الطالب): تعتمد تلك الفئة من الطلاب على مصادر التعلم الإلكترونية أو الدروس الخصوصية في المنزل ولا يذهبون إلى المدارس إلا لأداء الامتحانات، وفي هذه الحالة يكون التأثير الأكبر على شخصية الطالب؛ فبالرغم من عدم تأخره أكاديميًا عن أقرانه، إلا أن قدرته على بناء العلاقات الاجتماعية تتأثر كثيرًا إلى حدٍ يصل إلى العزلة الاجتماعية، كما أن تلك الفئة هي الأكثر عرضة للاكتئاب والقلق والخوف من المواقف الاجتماعية.
3. طالب يعتمد على مراكز الدروس الخصوصية (تكلفة اقتصادية إضافية على الأسر): في هذه الحالة يمكن للطلاب سد الفجوة الأكاديمية بينهم وبين أقرانهم المنتظمين في المدارس، كما أنهم يكونون علاقات اجتماعية ويتفاعلون مع زملائهم في مجموعات الدروس الخصوصية والتي غالبًا ما تكون بأعداد مكافئة لعدد الطلاب في فصل دراسي أو أكثر، وبالتالي فإن مراكز الدروس الخصوصية تلعب دور المدرسة في بناء شخصية الطالب أكاديميًا واجتماعيًا، ولكنها تضع أعباء اقتصادية إضافية على كاهل الأسر، وتمثل عائقًا أمام تحقيق العدالة في تقديم الخدمة التعليمية.
علاوةً على الآثار المحتملة السابقة، هناك من يربط بين ظاهرة غياب الطلاب عن المدارس وارتفاع نسبة الأمية في المجتمع، بالإضافة إلى تأثير تلك الظاهرة على الاقتصاد ونسبة ما يمثله الهدر التعليمي من الناتج المحلي الإجمالي، كما تربط بعض الدراسات بين الانقطاع عن المدرسة وارتفاع معدلات الجرائم.
مما سبق، يمكن القول: إن وزارة التربية والتعليم أصبحت أمام حاجة ماسّة لدراسة واقع ظاهرة غياب الطلاب عن المدارس في جميع الصفوف الدراسية لتحديد حجمها وأسبابها وطرح سبل معالجتها ، كما أصبح من الضروري مراجعة قانون التعليم فيما يتعلق بعقوبة الانقطاع عن المدرسة أو التسرب، وإعادة النظر في وضع مراكز الدروس الخصوصية وتوقيتات عملها، بالإضافة إلى رقمنة عملية تسجيل الحضور والغياب للطلاب والمعلمين، وتفعيل الرقابة على المدارس وأدوات المساءلة للمديرين للحد من تلك الظاهرة وضبط الأداء أثناء اليوم الدراسي.
رئيس وحدة دراسات القضايا الاجتماعية






























