شهد العام المالي 2021/2022 العديد من الأحداث الجوهرية التي اتسم النصف الأول منها (الفترة من يوليو 2021 وحتى ديسمبر 2021) بالأداء الإيجابي نتيجة للتعافي من جائحة كورونا وعودة السياحة المصرية بشكل قوي، بينما شكل النصف الثاني فيها (يناير 2022 – يونيو 2022) العديد من الأحداث الجيوسياسية عالميًا، والتي تتمثل في الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من العديد من المتغيرات الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها على بيانات الأداء المالي للدول.
وبالنظر إلى ميزان المعاملات الخارجية المصري أو ما يمكن تسميته بميزان المدفوعات المصري، فهو ينقسم إلى قسمين رئيسيين؛ التبويب الأول يتم تسميته بالميزان الجاري وهو يشمل معاملات مصر مع العالم الخارجي فيما يخص صادرات وواردات السلع والخدمات من الدول الأخرى، أما التبويب الثاني فيسمى التبويب الرأسمالي والمالي والذي يضم معاملات مصر المالية مع العالم الخارجي، والتي تشمل استثمارات مصر بالخارج، واستثمارات الدول الأجنبية بمصر، سواء كانت قصيرة الأجل أو طويلة الأجل والمنح والودائع والالتزامات بالبنك المركزي المصري، وعادة ما يتم النظر إلى ميزان المدفوعات كوحدة واحدة للتعرف على حجم الفجوة التمويلية بالعملات الأجنبية لمصر، أو يتم النظر له نظرة تفصيلية لكل قسم على حدة للتعرف على أداء الدولة المصرية وقدرتها التصديرية في صادرات السلع والخدمات، وكيفية تمويل الفجوة التمويلية من خلال ميزان المعاملات المالي والرأسمالي.
النظرة الكلية
شهدت تعاملات مصر مع العالم الخارجي تحسنًا في عجز الحساب الجاري، حيث انخفض العجز بنسبة 10.2٪، مسجلًا 16.6 مليار دولار أمريكي في عام 2021/2022 (مقارنة بـ18.4 مليار دولار أمريكي في العام المالي السابق). ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى الزيادة غير المسبوقة في الصادرات السلعية (النفطية وغير النفطية) التي ارتفعت بنسبة 53.1%، إلى جانب الانتعاش الملحوظ في إيرادات السياحة التي بلغت ضعف العام الماضي تقريبًا، والارتفاع في عوائد قناة السويس. وقد جاءت تلك التطورات في ظل وضع دولي متشابك يتسم بالتراجع الاقتصادي جراء ما خلفته الحرب الروسية الأوكرانية من ارتفاع في أسعار الطاقة والسلع، وهو ما دفع البنوك المركزية عالميًا إلى تبني سياسات نقدية انكماشية لاحتواء موجات التضخم المترتبة على تلك الارتفاعات.
الميزان الجاري
كما سبقت الإشارة، ينقسم الميزان الجاري إلى قسمين رئيسيين هما: الميزان التجاري، وميزان الخدمات. ويشمل الميزان التجاري صادرات وواردات مصر من السلع. وبالنظر إلى أداء الميزان التجاري المصري لعام 2021/2022 فقد أشار التقرير إلى صافي سالب 43.4 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعني أن مصر استوردت سلعًا بمبلغ يفوق حجم تصديرها بذلك المبلغ، حيث بلغ إجمالي صادرات مصر من السلع البترولية وغير البترولية مبلغ 43.9 مليار دولار (17.9 مليار دولار صادرات بترولية، و25.9 مليار دولار صادرات غير بترولية). ويُنظر لتلك البيانات بالإيجابية وخاصة فيما يتعلق بالصادرات غير البترولية التي ارتفعت بنسبة 29.4% تقريبًا (25.9 مليار دولار لعام 2021/2022 مقابل 20.1 مليار دولار لعام 2020/2021)، أما عن واردات مصر غير البترولية فقد ارتفعت هي الأخرى لكن بنسبة 18.7 % (73.7 مليار دولار لعام 2021/2022 مقابل 62.1 مليار دولار لعام 2020/2021)، وتأتي تلك الارتفاعات في قيم الواردات مدفوعة بارتفاع قيم الواردات الخاصة بمدخلات الإنتاج مثل بوليمرات البروبيلين والحديد الزهر والمركبات العضوية/ غير العضوية، وارتفاع في أسعار المنتجات الزراعية وخاصة فول الصويا والذرة والقمح، والارتفاع في أسعار الأدوية والمستحضرات الصيدلانية وضمادات الشاش واللقاحات (في ظل جهود الدولة لمكافحة جائحة كوفيد-19)، لكن رغم تلك الارتفاعات تظل نسبة الارتفاع في الصادرات غير البترولية أفضل من نسبة الارتفاع في الواردات من الواردات غير البترولية، خاصة أن تلك الزيادة في الصادرات غير البترولية تمثلت في زيادة في تصدير السلع التامة الصنع، مثل الفوسفات/ الأسمدة المعدنية، وأجهزة الإرسال والاستقبال للراديو/ التلفزيون، والملابس الجاهزة، والأدوية، والأجهزة الكهربائية المنزلية؛ والسلع نصف المصنعة، خاصة المركبات العضوية/ غير العضوية وبوليمرات الإيثيلين – البروبيلين، وهو مؤشر إيجابي على قدرة السلع المصرية على إحلال جزء من السلع المستوردة، وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية.
أما عن السلع البترولية، فقد شهدت صادرات مصر البترولية ارتفاعًا بنسبة 108 % تقريبًا (17.9 مليار دولار لعام 2021/2022 مقابل 8.6 مليارات دولار لعام 2020/2022)، بينما ارتفعت واردات مصر البترولية بنسبة 57.4 % تقريبًا (13.5 مليار دولار لعام 2021/2022 مقابل 8.6 مليارات دولار لعام 2020/2021)، وتعود تلك الزيادة في صادرات مصر البترولية إلى الارتفاعات في أسعار الغاز الكبيرة والتي نجحت الحكومة المصرية في تعزيز حصتها من سوق صادرات الغاز الدولي خلال أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي ساهم في زيادة الكميات التي تم تصديرها من خلال فتح أسواق جديدة في أوروبا، خاصة في تركيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وكرواتيا واليونان، وبالطبع ساهمت الزيادة السعرية في جزء من ذلك الارتفاع.
الميزان الخدمي
ارتفعت عائدات السياحة بمقدار 5.9 مليارات دولار أمريكي لتصل إلى 10.7 مليارات دولار أمريكي مقابل ما تم تحقيقه في العام السابق والذي بلغ 4.9 مليارات دولار أمريكي، وتلك الارتفاعات في الإيرادات السياحية عوضت بشكل جزئي الآثار السلبية التي خلفها انخفاض عدد السياح من روسيا وأوكرانيا منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية. أما عن عوائد خدمات النقل فقد ارتفعت بنسبة 29.3 % لتصل إلى 9.7 مليارات دولار أمريكي في عام 2021/2022 مقابل 7.5 مليارات دولار أمريكي للعام السابق له، ويعود ذلك الارتفاع بالأساس إلى ارتفاع عوائد قناة السويس التي ارتفعت بنسبة 18.4 % لتصل إلى 7 مليارات دولار أمريكي لعام 2021/2022 مقابل عوائد بقيمة 5.9 مليارات دولار أمريكي في العام السابق له.
وبالنظر إلى تحويلات المصريين العاملين بالخارج فقد سجلت ارتفاعًا بنسبة 1.6 % لتصل إلى 31.9 مليار دولار أمريكي في عام 2021/2022 مقابل 31.4 مليار دولار في العام السابق له.
الميزان المالي والرأسمالي
تراجع صافي التدفقات الوافدة في السنة المالية 2021/2022 إلى 11.8 مليار دولار أمريكي (من 23.4 مليار دولار أمريكي) نتيجة للعديد من الأسباب التي في معظمها دولية تتعلق بالمخاطر الجيوسياسية المتعلقة بالاستثمار في الأسواق الناشئة، وانتهاج الولايات المتحدة الأمريكية سياسات نقدية تشددية لاحتواء معدلات التضخم المرتفعة، التي ترتب عليها خروج مكثف لاستثمارات الأجانب بحافظة الاستثمارات المصرية بحوالي 21.0 مليار دولار أمريكي. لكن في المقابل تحسن الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بنسبة 71.4 % ليصل إلى 8.9 مليارات دولار أمريكي للعام 2021/2022 مقابل 5.2 مليارات دولار للعام السابق له. الأمر الجيد في تلك الاستثمارات تقريبًا أن الاستثمارات في الشركات القائمة بلغ 3.4 مليارات دولار أمريكي، وتم تأسيس شركات بحوالي 238.2 مليون دولار أمريكي، وبلغ صافي التدفقات الداخلة للمشتريات العقارية لغير المقيمين بالبلاد إلى 353.9 مليون دولار.
خلاصة القول، يمكن القول إن العام المالي 2021/2022 الذي شهد العديد من الأحداث الجيوسياسية العالمية كان له أثر إيجابي على استكشاف قيمة المنتجات المصرية بشكل أوسع في السوق الأوروبية والتي انعكست بالأساس على زيادة قيمة الصادرات المصرية غير البترولية والتي تبذل الدولة بها جهودًا حثيثة للوصول إلى مستهدف 100 مليار دولار سنويًا، أما عن الزيادة في صادرات مصر البترولية وخاصة من الغاز فقد شهدت تطورًا كبيرًا من خلال دخول مصر إلى أسواق جديدة، وهو ما يسمح بتنويع وجهة المنتجات البترولية المصرية إلى السوق الأوروبية. أما عن ميزان المعاملات الرأسمالي فإن التأثر السلبي في الوقت الحالي لذلك الميزان يعود إلى أوضاع الأسواق العالمية الخاصة بالاستثمار والسياسات الانكماشية عالميًا، والتي من المتوقع أن تتلاشى مع بدء الولايات المتحدة الأمريكية مسار تخفيضها لأسعار الفائدة.
نائب رئيس وحدة الاقتصاد ودراسات الطاقة






























