تمزق، وإرهاب، وحروب أهلية، وأزمات اقتصادية، واحتلالات أجنبية. هذه هى المحصلة التى انتهت إليها الشعوب العربية بعد أكثر من عشر سنوات من الثورة. باستثناء ثورات التحرر الوطنى من الاستعمار، فإن خبرتنا التاريخية مع الثورات هى فى أغلبها سلبية، إذ لم تستطع أى من الثورات الكثيرة التى شهدتها بلاد المنطقة منذ منتصف القرن العشرين أن تخرج بلدا من الفقر إلى الثروة، أو من الاستبداد إلى الحرية، أو من التبعية إلى الاستقلال الحقيقي. صحيح أنه كانت هناك ومضات مبهرة هناك وهناك، ولكننا الآن نعلم أنها لم تزد على نجاحات مؤقتة،قامت على أسس واهية، لم تتوافر لها مستلزمات الاستدامة.
تاريخ الثورات المحبطة فى بلادنا يناقض تاريخ الثورات المبهرة فى بلاد الغرب، بدءا بالثورة الأمريكية، التى بدأت أحداثها الطويلة عام 1765، والثورة الفرنسية 1789، ثم سلسلة طويلة من الثورات استغرقت القسم الأغلب من القرن التاسع عشر. القرنان الثامن عشر والتاسع عشر هما عصر الثورات فى الغرب. كانت هناك ثورات قومية لشعوب تبلورت هويتها القومية وثارت من أجل التخلص من حكم إمبراطورى أجنبي، فتفككت الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى النمساوية والعثمانية، وانتشرت حروب وثورات التوحيد القومى فى البلاد المجزأة. كان هناك أيضا ثورات اجتماعية، إذ ثارت الطبقات الوسطى والعمالية الصاعدة من أجل انتزاع نصيب عادل من الثروة والسلطة، وتأسيس نظام سياسى جديد يناسبها. على عكس ما حدث فى بلاد العرب، خرجت أوروبا من حقبة الثورات وهى أفضل حالا مما كانت عليه قبلها، إذ تم تقويض الإمبراطوريات والحكم المطلق والاستغلال الطبقى الوحشي، وتأسيس دولة الأمة الوطنية والحكم النيابى والضمان الاجتماعي.
لم يكن كارل ماركس مخطئا عندما كتب أن الثورات هى قاطرة التاريخ، فهذا هو ما شهده بعينيه فى القارة الأوروبية فى زمنه. لخص ماركس الخبرة الخاصة ببلاد الغرب كما عاشها، لكن أتباع ماركس أخطأوا عندما عمموا خبرة ماركس الأوروبية على باقى العالم، فأشاعوا أن الثورة هى التى تدفع التاريخ إلى الأمام فى كل مكان، وأنه بلا ثورة يصاب المجتمع بالركود والتخلف، رغم أن الخبرة الخاصة ببلادنا تبين أن العكس تماما هو الصحيح.
الثورات السياسية التى شهدها الغرب فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر جاءت عقب ستة قرون متصلة من التطور الاقتصادى والاجتماعى والدينى والفكري. تقدم الغرب بسرعة مذهلة منذ عصر النهضة فى القرن الثالث عشر، وما تبعه من كشوف جغرافية أتاحت للغرب ثروات العالم الجديد البكر الهائلة، وإصلاحا دينيا حرر العقول والنفوس، واكتشافات علمية غيرت نظرة الغرب للكون ومكنته من السيطرة على الطبيعة، ثم كانت الذروة فى فكر التنوير والثورة الصناعية التى غيرت المجتمعات الغربية جذريا.
كانت أوروبا تتقدم بثبات، وكان واقعها الاقتصادى والاجتماعى والثقافى والفكرى يتغير بسرعة، فجاءت الثورات لتحدث تغييرا سياسيا يلائم كل هذه التغيرات الأصيلة عميقة الجذور. لقد بالغ ماركس بعض الشيء عندما وصف الثورات بأنها قاطرة التاريخ، فقاطرة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والدينية كانت قد صنعت تاريخا جديدا للغرب قبل عصر الثورات، التى جاءت بعد ذلك، فلم تكن سوى مرآة ونتيجة للتقدم المذهل الذى شهدته القارة بشكل متواصل لعدة قرون. الثورات لم تتسبب فى التقدم الأوروبي، ولكن التقدم الأوروبى كان هو السبب فى حدوث الثورات.
حدثت الثورات السياسية الناجحة فى مجتمعات الغرب بعد أن كانت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية قد أنضجت المجتمع وهيأته لثورة سياسية تضع قضية السلطة السياسية على أرضية جديدة. لقد أخفقت الثورات السياسية فى أوروبا فى مرات كثيرة، لكن هذا لم يؤد إلى انتكاسة فى المجتمع والاقتصاد والفكر، على العكس، فقد واصل المجتمع تقدمه، وواصل الاقتصاد نموه، وواصل الفكر مسيرة التحرر، حتى تم استكمال عملية إنضاج الظروف لجولة تالية من الثورات السياسية. ثورات الغرب كانت جزءا من عملية التقدم الشامل الحادث فى المجتمع، وعندما نجحت أو فشلت فإنها أسهمت فى تغيير المجتمع الذى كان ناضجا وقادرا على تعلم دروس الثورة، بما فى ذلك دروس الإصلاح والتوافق والتراضى الذى ميز المجتمعات الغربية عقب الموجات الثورية.
الفارق بين الغرب والشرق هو أن ثورات الغرب كانت امتدادا وجزءا من ظاهرة تقدم تاريخى عميق ومتصل، بينما كانت ثورات الشرق امتدادا لمسيرة إخفاق تاريخى طويل استمر عدة قرون. عندما تحدث الثورة ضمن مسيرة نجاح وتقدم فإنها تنتج مزيدا من التقدم، أما عندما تحدث على خلفية فشل وإخفاقات فإنها تنتج المزيد من الفشل.المجتمع الذى فشل فى حل مشكلات الفقر والفكر والتعصب والتمييز لن يكون قادرا على استخدام الثورة لحل مشكلات السلطة السياسية شديدة التعقيد. هذا هو الفارق المهم بين ثورات الغرب وثورات الشرق.
لقد أطلق التقدم الهائل المتواصل فى بلاد الغرب موجة كاسحة من التفاؤل والثقة فى الإنسان وقدرته على الإتيان بالمعجزات، فكان التفاؤل والثقة والإيمان بحتمية التقدم هى عقيدة الثورات الأوروبية. فى بلاد العرب التى دخلت فى نفق تاريخى مظلم منذ عدة قرون، فإن التشاؤم والغضب واليأس هى الأسباب المحفزة للثورة وقوتها الدافعة، فهل نتوقع من المتشائمين الغاضبين اليائسين أكثر كثيرا من تطرف دينى وتعصب طائفى وحروب أهلية واستبداد؟ العالم العربى يحتاج إصلاحا عميقا يبنى ولو ببطء، ويكفيه ما أصابه من ثورات دمرت القليل الذى كان لدينا.
نقلا عن جريدة الاهرام
رئيس برنامج السياسات العامة السابق