1- انتقلت المواجهات العسكرية بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى إلى مرحلة المفاوضات السياسية، حيث تم عقد ثلاث جولات من المباحثات المكثفة بين الجانبين الأمريكي والإيراني في باكستان يوم السبت الحادي عشر من إبريل الجاري، ثم أعلن نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” الذي ترأس وفد بلاده في المفاوضات أنه لم يتم التوصل لاتفاق رغم استغراق المفاوضات 21 ساعة، ومن ثم فقد عاد إلى الولايات المتحدة كما عاد الوفد الإيراني إلى طهران.
2- وحتى نكون منطقيين في تقييم طبيعة الوضع الراهن، يجب أن نوضح ثلاث ملاحظات هامة:
• الملاحظة الأولى: أن بدء المفاوضات لا يعني بأي حال من الأحوال أن الحل السياسي بات قريبًا، إذ إن الأوضاع بشكل عام كانت متوترة، وخاصة على الساحة اللبنانية، رغم تخفيف حدتها تدريجيًا ورغم الاتفاق على بدء المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية في واشنطن في منتصف الأسبوع الجاري، كما لاحظنا أن هناك تصعيدًا ملحوظًا في المواقف المتشددة والمعلنة لكافة الأطراف قبل بدء التفاوض.
• الملاحظة الثانية: أن المفاوضات التي تمت كانت معقدة للغاية مقارنة بأية مفاوضات سابقة في ضوء عاملين أساسيين؛ الأول عدم الثقة المتبادلة بين كافة أطراف التفاوض الذي سيظل يخيم على مناخ المفاوضات وسيستمر لفترة طويلة حتى في حالة التوصل لاتفاق، والثاني ما خلّفته الحرب من نتائج كارثية كان من الطبيعي أن تجعل الأطراف تتجه إلى التشدد أكثر من توجهها إلى المرونة على الأقل في مرحلة جس النبض.
• الملاحظة الثالثة: أن مواقف الأطراف المعلنة كانت متباعدة في العديد من النقاط خاصة في مسألتي تخصيب اليورانيوم ووضعية مضيق هرمز، وبالتالي كان من الطبيعي أن يحاول كل طرف استثمار معركة المفاوضات لصالحه وكان لا بد من توقع كل الاحتمالات السلبية قبل الإيجابية.
3 – وبالرغم من هذه الملاحظات التي تبدو في مجملها سلبية، فإن مجرد موافقة الأطراف على وقف إطلاق النار بعد أربعين يومًا من الحرب التدميرية، ثم القبول بالتوجه إلى المفاوضات، ثم بدء العملية التفاوضية حتى لو استمرت بضع ساعات فقط؛ كان أمرًا إيجابيًا، خاصة وأن النتائج السلبية للحرب لم تقتصر فقط على أطرافها أو على إقليمها وإنما عانى منها العالم أجمع وتحديدًا في مجال الطاقة، كما لا يمكن لنا أن نتجاهل المستوى الرفيع والمكثف للوفدين الأمريكي والإيراني وبما يشير إلى أن تشكيل الوفدين كان رسالة هامة تعكس الرغبة في دفع المفاوضات للأمام.
4 – وأيًّا كانت طبيعة المفاوضات التي تمت في إسلام أباد، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة أو مدى التوقيت الذي استغرقته، إلا أن هناك مبدأ أرى أنه على قدر كبير من الأهمية مفاده أن نجاح العملية التفاوضية لا بد أن يرتبط بعنصر رئيسي يتمثل في ضرورة اقتناع كافة الأطراف بلا استثناء بتقديم المرونة التي تسمح بتحقيق مصالح الجميع قدر المستطاع وأن يخرج كل طرف وهو يرى أنه أنجز على الأقل بعض مطالبه وليس كلها، أما إذا كان المبدأ الذي يحكم عقلية أي طرف مفاوض أن يركز على تحقيق مصالحه فقط فإن أية مفاوضات سيكون محكومًا عليها بالفشل مسبقًا.
5 – وبصفة عامة، لا بد من التأكيد على أن هناك مجموعة من الأسس التي يجب أن تكون واضحة في أي اتفاق يمكن التوصل إليه في المستقبل بين واشنطن وطهران أهمها وجوب التزام إيران بعدم تهديد جيرانها من دول الخليج العربي أو الاعتداء عليهم مرة أخرى تحت أي مبرر، وأن تصبح إيران دولة تعيش في أمن وسلام واستقرار مع جيرانها مثلها مثل أي دولة ترغب في تحقيق التنمية والتقدم لشعبها، ومن ثَمّ على القيادة الإيرانية أن تتخلى عن كل سياسات تنتهجها من شأنها أن تؤدي إلى عدم الاستقرار في المنطقة، وكذا إسقاط أية مشروعات هيمنة تعلم أنها لن تتحقق، وأعتقد أن هذا هو الشرط الرئيسي لإغلاق ملف استئناف هذه الحروب مرة أخرى.
6 – ورغم تسليمنا بكل الصعوبات التي كانت واضحة والمرتبطة بالعملية التفاوضية والتي من الطبيعي أنها كانت تفتح المجال لاحتمالات الفشل والنجاح، إلا أن المنطق يقول إن أية فرصة للتوصل لاتفاق يؤسس لمرحلة جديدة من استقرار المنطقة بعد هذه الحرب تتطلب أن تتوافر فيها الإرادة السياسية الجادة لجميع الأطراف، وألا تكون المفاوضات مجرد هدنة مؤقتة أو غطاء لنوايا غير سليمة، حيث إن كل من عانى من النتائج التدميرية للحرب يجب أن يغير مواقفه غير الواقعية وغير المقبولة من الجميع وأن يكون أكثر تمسكًا بأن تكون هذه الحرب هي آخر الحروب وليست مجرد مناورة جديدة استعدادًا لجولات أخرى.
7 – ولا شك أن انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية بعد يوم واحد فقط من عقدها في إسلام أباد يؤكد أن مواقف الطرفين إزاء نقطتين رئيسيتين لا تزال متباعدة وهما الملف النووي ووضعية مضيق هرمز، وهو الأمر الذي أدى إلى وصول المفاوضات إلى طريق مسدود حتى لو كان ذلك وضعًا مؤقتًا، وبالتالي ففي تقديرنا أن مواقف الأطراف خلال الفترة المقبلة يمكن أن تتم في الإطار التالي:
على المستوى الأمريكي
• أن الولايات المتحدة سوف تقوم بتصعيد مواقفها والتلويح بإمكانية العودة إلى الحرب دون أن تقوم بأية عمليات عسكرية مباشرة خلال فترة الهدنة ترقبًا لحدوث أية متغيرات في الموقف.
• التركيز الأمريكي خلال الأيام القليلة المقبلة على محاولة إنهاء مشكلة الوضع في مضيق هرمز بشكل سلمي في البداية سواء من خلال جهود الوسطاء أو الجانب الأوروبي، حيث إن حل هذه القضية سوف يكون كافيًا ليقوم الرئيس الأمريكي بتمديد وقف إطلاق النار لأسبوعين آخرين على الأقل.
• التأكيد على أن التزام إيران بعدم امتلاك السلاح النووي يُعد خطًا أحمر بالنسبة للولايات المتحدة، ويجب على إيران أن تتعامل مع هذا الأمر بكل جدية، ولن تقبل واشنطن بأية حلول وسط في هذا الأمر، وهو الموقف الذي شدد عليه نائب الرئيس الأمريكي بقوة خلال المفاوضات.
• عدم استبعاد العودة مرة أخرى للحرب وخاصة فيما يتعلق بفتح مضيق هرمز، ولكن هذا الأمر يُعد آخر الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن.
على المستوى الإيراني
• تَوَجُّه إيران نحو دراسة كافة البدائل المرتبطة بإمكانية تسوية قضية مضيق هرمز بالشكل الذي يحافظ على بعض المكاسب التي حققتها من جراء التمسك بمواقفها خاصة فيما يتعلق بالجانب المادي وربطه بعملية إعادة الإعمار، لا سيما وأن المضيق يُعتبر الكارت الأقوى الذي تمتلكه طهران حاليًا.
• إمكانية تقديم بعض المرونة المحسوبة في الملف النووي بما لا يحرمها على الأقل من التخصيب حتى السلمي، وبشرط أن تتم تسوية الوضع في مضيق هرمز بما يحقق مصالحها بالإضافة إلى رفع العقوبات.
• التأكيد على استعدادها للتوجه للمفاوضات مرة أخرى بشرط أن تكون هناك مرونة في الموقف الأمريكي، في الوقت الذي سوف تُبدي فيه أيضًا استعدادها لأية مواجهات عسكرية محتملة سواء من جانب واشنطن أو تل أبيب.
على المستوى الباكستاني
• التأكيد على أن المفاوضات لم تفشل أو تنهار وأنها سوف تواصل جهودها مرة أخرى مع كافة الأطراف المعنية من أجل استئناف العملية التفاوضية وهي بالفعل تمتلك القدرة على استمرار هذا التواصل.
• التركيز على ضرورة استمرار الهدنة وعدم العودة إلى الحرب وبما يسمح لها بالتحرك مع كافة الأطراف في مناخ أفضل.
8– ومن ناحية أخرى، هناك نقطة مهمة أود الإشارة إليها متعلقة بما صرح به الرئيس الأمريكي بأن هناك فرصة للتوصل إلى سلام دائم في الشرق الوسط، وهنا أوجه رسالتي للرئيس ترامب وأؤكد أن السلام الدائم الذي يحرص على تحقيقه في المنطقة لن يتم إلا في حالة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة حتى لو تمت تسوية المشكلة الإيرانية، وهو الأمر الذي يتطلب أن تبدأ على الفور بالتوازي مع هذه المفاوضات جهودًا أخرى من أجل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة العشرين نقطة الخاصة بقطاع غزة، وأن نصل بأسرع وقت ممكن إلى مرحلة التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.
9 – وفي الإطار نفسه، يجب أن تعلم إسرائيل أن كل ما تتحدث عنه بشأن نجاحها في تغيير وجه الشرق الأوسط لن يصل بها مطلقًا إلى مرحلة السلام الذي تنشده، وعليها أن تعلم أيضًا أنها دولة ليست فوق القانون رغم كل انتهاكاتها، وهنا أسأل القادة الإسرائيليين: هل هذا التغيير المنشود للمنطقة يعني انتهاج سياسة الاحتلال والتدمير والاغتيال في كل من قطاع غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان وغيرها؟
10 – وفي رأيي أن هذا المفهوم الخاطئ الذي تنتهجه إسرائيل سوف تدفع ثمنه باهظًا عندما تجد أن الأبواب العربية سوف تكون موصدة أمامها خلال الفترة المقبلة مهما كان الدعم الأمريكي لها، وأنّ فتح هذه الأبواب لن يتم إلا في حالة انسحابها من الأراضي العربية وإقامة الدولة الفلسطينية، والتخلي تمامًا عن تبني مبدأ أن القوة هي التي تجلب السلام؛ حيث إن انتهاج أسلوب القوة لن يؤدي إلا إلى مزيد من العداء وعدم الاستقرار والحروب المتكررة والأزمات الاقتصادية وعدم تحقيق الهدف الإسرائيلي وهو الاندماج في المنظومة الإقليمية، ثم علينا ترقب النتائج التي ستسفر عنها المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية وما يمكن تحقيقه، مع تقديرنا بأن هذه المفاوضات سوف تكون شديدة الصعوبة والتعقيد وخصوصاً فيما يتعلق بنزع سلاح حزب الله.
نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
