حققت القوات البحرية المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 إنجازًا عسكريًا متفوقًا بمعايير العصر. وقد تناولته الدراسات المتخصصة في مراكز الفكر والبحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية العربية والأجنبية بل الإسرائيلية. أتى هذا النجاح كنتيجة مباشرة للتخطيط العلمي المبني على: خبرات القتال المتراكمة ولا سيما خلال حرب الاستنزاف من ناحية، والحسابات الدقيقة للقدرات القتالية الحقيقية للقوات المسلحة المصرية من ناحية ثانية، والقدرات القتالية للقوات البحرية الإسرائيلية مع التفهم الكامل لطبيعة مسرح العمليات من ناحية ثالثة. فقد أُسندت المهام المناسبة لتخصصات القوات وقدراتها القتالية، وقد كانت مهام واقعية أمكن تحقيقها لا تلك التي يُتمنى تحقيقها. كما تم تحديد نقاط القوة للعدو لتفاديها قدر الإمكان، وكذا نقاط الضعف لاستغلالها لأقصى حد.
كما استُغل لأول مرة العمق الاستراتيجي العربي، ما مكن القوات البحرية من تنفيذ مهام تبعد آلاف الأميال عن الموانئ المصرية؛ حيث فرضت الحصار البحري على موانئ العدو في البحرين الأحمر والمتوسط للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لمنع حركة النقل البحري من وإلى موانئ إسرائيل. وسجل التاريخ العسكري البحري القوات البحرية استخدام مضيق باب المندب استخدامًا جيوستراتيجيًا عسكريًا فعالًا لأول مرة كنقطة اختناق للسيطرة على حركة النقل البحري من وإلى البحر الأحمر وذلك على الرغم من بعده عن مسرح العمليات التقليدي بين مصر وإسرائيل بأكثر من 1000 ميل. كما قامت بالإغارة على الموانئ والمراسي ونقط التمركز الإسرائيلية في البحرين المتوسط والأحمر بالصواريخ الموجهة وغير الموجهة التي استخدمت لأول مرة وبقوات الصاعقة البحرية والضفادع البشرية، ومنعت العدو من مهاجمة القوات المصرية القريبة من الساحل سواء بالنيران أو بالإبرار وذلك بتدمير وحداته بالبحر وبالموانئ والمراسي، ودافعت عن الموانئ المصرية، ومنعت أي تعرض للنقل البحري من وإلى هذه الموانئ. وسيركز هذا المقال التحليلي على مهمتين رئيسيتين فحسب؛ هما: التعرض لخطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية، ومهمة دعم أعمال قتال القوات البرية العاملة على المحاور الساحلية في البحرين المتوسط والأحمر، وهو ما يمكن الوقوف عليه تفصيلًا أدناه.
أولًا: مهمة التعرض لخطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية في البحرين الأحمر والمتوسط
-1 في البحر الأحمر:
لقد تمثلت الأهداف الاستراتيجية فيما يلي:
– تحدي نظرية الأمن الإسرائيلية التي كانت تعتبر أن احتلال منطقة شرم الشيخ والسيطرة على مضايق تيران سيضمن لإسرائيل تأمين حركة النقل البحري من وإلى ميناء إيلات، وهو الميناء الوحيد لإسرائيل على البحر الأحمر والمنفذ الوحيد لتجارتها مع آسيا وأفريقيا وضمنها البترول الوارد من إيران. وقد عبر عن ذلك “موشى ديان” وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بقوله: إن شرم الشيخ بدون سلام أفضل من سلام بدون شرم الشيخ ( (Sharm Elsheikh Without Peace is better than Peace without Sharm Elsheikh
– إرباك سلاسل الإمداد ( (Supply Chain Disruptionلإسرائيل. وقد أصبحت صياغة هذا الهدف أمرًا مألوفًا في الأدبيات البحرية الحديثة في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية ووباء كوفيد-19. والمقصود بالإمداد هنا هو الإمداد بالنفط بصفة رئيسية؛ حيث كانت إسرائيل تعتمد على مصدرين أساسيين لتدبير احتياجاتها من النفط؛ أولهما: من إيران ويأتي محمولًا بحرًا من الخليج العربي عبر باب المندب إلى خليج العقبة ومن خلاله إلى ميناء إيلات. وكانت إسرائيل قد أنشأت خط أنابيب بترول (42 بوصة) من إيلات إلى أشدود والبحر المتوسط كبديل مؤقت لقناة السويس التي تم إغلاقها بعد حرب 1967. وثانيهما حقول البترول المصرية على الساحل الشرقي لخليج السويس والمستولى عليها بعد احتلالها سيناء.
أما على صعيد أسلوب تنفيذ المهمة، فقد تم تنفيذها بفرض الحصار البحري ((Naval Blockade على مسرح البحر الأحمر بالكامل بطول 1200 ميل في 3 مناطق. المنطقة الأولى في باب المندب جنوب البحر الأحمر باستخدام المدمرات. والمنطقة الثانية في وسط البحر الأحمر شمال خط عرض 22 الذي يحدد الحدود المصرية الدولية الجنوبية مع السودان وجنوب الحد الشمالي لمنطقة العمليات العسكرية المعلن عنها (خط طول 23)، وذلك باستخدام الغواصات (كما يتضح في الخريطة التالية). ويُشار إلى أن استخدام الغواصات في البحر الأحمر هو الأول في تاريخ البحريات العالمية. أما المنطقة الثالثة في شمال البحر الأحمر وتحديدًا في منطقة مضيق جوبال جنوب خليج السويس باستخدام خطوط الألغام الهجومية ومناطق المنصات البترولية في بلاعيم و”أبو رديس”، فقد استخدمت قوات الصاعقة البحرية والضفادع البشرية.
ففي منطقة جنوب البحر الأحمر، تم اختيار منطقة باب المندب لتنفيذ المهمة بقوة 3 مدمرات، واحتلت مواقعها من يوم 6 أكتوبر حتى 7 يناير 1974، وتمركزت المدمرات في عدن والصومال والسودان خارج مدى طيران العدو. وقد نفذت خطوط المرور بواسطة المدمرات أمام جبل الطير على ساحل اليمن لاعتراض السفن العابرة لباب المندب والمتجهة إلى البحر الأحمر وإخطارها بضرورة تغيير خط سيرها وعدم دخول البحر الأحمر لوجود منطقة عمليات عسكرية مُعلن عنها دوليًا مع استخدام الحد الأدنى المنصوص عليه دوليًا لاستخدام المدفعية الخفيفة والمتوسطة للفت نظر السفن التي لا تستجيب لإشارات الاعتراض الضوئية واللا سلكية، وذلك بإطلاق عدد محدود من الطلقات أمام السفينة للتنبيه.
يشار إلى أن القانون الدولي لا يسمح بتدمير أي سفينة في المياة الدولية ضمانًا لحرية الملاحة، كما أن الولايات المتحدة دفعت حاملة طائرات (هانكوك) وخمس مدمرات في المحيط الهندي بعد بدء الحرب مباشرة لمراقبة تنفيذ القانون الدولي فيما يخص حرية الملاحة. وعقب ما يزيد على 50 عامًا من حرب 1973 بات يتضح جليًا معنى تنفيذ هذه المهمة بمراجعة كيفية تتدخل القوات البحرية الأمريكية من خلال تنفيذ عمليات حرية الملاحة ( (Free of operations Navigation-FONOPS في منطقة بحر الصين الجنوبي. ويشار إلى قيام الاتحاد السوفيتي وقتها بدفع عدد من وحداته البحرية إلى المنطقة نفسها.
وفي منطقة وسط البحر الأحمر، تم احتلال إحدى الغواصات منطقة انتظار شمال خط عرض (22) الذي يُمثل الحدود المصرية الدولية مع السودان وجنوب حدود منطقة العمليات العسكرية المعلن عنها (خط عرض 23). وفي حالة عدم رضوخ أي سفينة متجهة إلى إسرائيل وإصرارها على استكمال إبحارها إلى داخل البحر الأحمر يتم إخطار الغواصة لاعتراض السفينة شمال خط عرض (22) ومهاجمتها. (وقد تم بالفعل مهاجمة سفينة متجهة إلى ميناء إيلات بالطوربيدات، وبعدها أخطرت وزارة النقل الإسرائيلية جميع السفن المتجهة إلى إيلات بتغير خط سيرها وعدم دخول باب المندب).
في منطقة شمال البحر الأحمر وعند مدخل خليج السويس تم بث خطوط ألغام هجومية؛ وهو ما يعتبر من المفاجآت الرئيسية في الحرب، حيث تم استخدام الألغام البحرية الهجومية لأول مرة خلال حرب 1973، وهو ما اعترف به المحلل العسكري الإسرائيلي “شالومو جيته” (Shlomo Guetta) في كتابه المعنون The Egyptian Sea Mining Surprise during the Yom Kippur War -October War 1973)).
وعلى صعيد أسلوب التنفيذ، فقد بثت عدة خطوط ألغام هجومية (أمام سواحل القوات الإسرائيلية) باستخدام كاسحات الألغام ولانشات الطوربيد في عدة مواقع؛ منها ممر جوبال في المدخل الجنوبي لخليج السويس، وذلك بغرض التأثير في حركة النقل البحري من وإلى نقاط التمركز والإيواء الإسرائيلية في خليج السويس؛ حيث أغرقت السفينة الإسرائيلية سايرس (حمولة 50 ألف طن)، وبعدها اضطرت القوات الإسرائيلية لاستخدام ممرات ضحلة ومجاورة للساحل واستخدام سفن ذات حمولات لا تزيد عن 5000 طن وتم إعادة تلغيم هذه الممرات عدة مرات باستخدام اللانشات.
لم يكن لدى القوات البحرية الإسرائيلية أي قوات أو تجهيزات لمكافحة الألغام أو تحييدها في ذلك الوقت، وهو ما يبرز براعة المخطط المصري في استغلال نقاط الضعف في البحرية الإسرائيلية لأقصى حد. وفي هذا الصدد، تنبغي الإشارة إلى أن قرار بث خطوط الألغام الهجومية في هذه المواقع وأسلوب تنفيذها يعكس تفوقًا مصريًا ليس فقط في التخطيط ولكن في التنفيذ أيضًا، وذلك بالنظر إلى النقاط التالية:
- مدخل خليج السويس مناسب لاستخدام الألغام البحرية.
- استغلال قرب نقط التمركز والإيواء الإسرائيلية على الساحل الشرقي لخليج السويس لبث خطوط ألغام هجومية أمام سواحل العدو باستخدام الوحدات البحرية الخفيفة ليلًا.
- قرار استخدام هذا السلاح في مدخل خليج السويس، والذي يعتبر ممرًا ملاحيًا دوليًا، كان مثاليًا من وجهة نظر القوات البحرية المصرية لكونها لا ترغب في انتهاك القانون الدولي، وذلك كالآتي:
- كانت الحركة الحرة للسفن من وإلى خليج السويس ضرورية لإسرائيل لمرور السفن العسكرية ونقل النفط الخام بسبب غلق قناة السويس في ذلك الوقت.
- كان الخليج نفسه نوعًا من البحر الداخلي الذي يخدم مصر وإسرائيل فقط (أي بدون تهديد لطرف ثالث أو طرف محايد)، وقد كان هذا التوصيف واضحًا للمخططين في القوات البحرية المصرية، وكان بمثابة فرصة مناسبة للاستخدام الأول للألغام البحرية الهجومية. ويشار إلى أنه لم تستخدم الألغام في مدخل خليج العقبة لوجود ميناء العقبة الأردني. وكذا لم يلغم باب المندب لتأثير حركة النقل البحري من وإلى الموانئ السعودية والسودانية ولتفادي إثارة القوى العظمى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.
- الأضرار المادية التي ألحقتها الألغام بالسفن والتى قد تبدو محدودة بالنظر إلى عدد الخسائر الواقعة على سفن العدو (عدد 2 سفينة تجارية فقط)، إلا أن الألغام لها تأثير حيوي في حركة النقل البحري في المنطقة؛ فبمجرد انفجار ألغام في سفينة أو سفينتين، ألغيت حركة المرور من وإلى المنطقة حتى تمسح المنطقة وتزال الألغام.
- تعد الألغام البحرية سلاحًا فعالًا للغاية من حيث التكلفة والعائد؛ فتكلفة بث لغم بحري لا تكاد تذكر مقارنة بتكلفة كسحه (إزالته) أو تحييده. فيمكن أن يكون الوقت اللازم لتحييد خط من الألغام البحرية والتخلص منه 200 ضعف الوقت اللازم لبثه؛ حيث يتطلب ذلك تخصيص أعداد ضخمة من السفن المتخصصة في مكافحة الألغام للعمل ليلًا ونهارًا لأسابيع وربما لشهور طبقًا لاعتبارات فنية متعددة.
بالنسبة لحقول بلاعيم و”أبو رديس” داخل خليج السويس، نفذت عدة إغارات على مناطق “أبو رديس” وبلاعيم باستخدام قوات الصاعقة البحرية لضرب المنصات البترولية والتانكات والبيئة الأساسية الفوقية بقوات الصاعقة، كما قامت الضفادع البشرية بتدمير البنية التحتية وأنابيب تحت المياه أكثر من مرة في أثناء العمليات.
كانت نتائج تنفيذ المهمة في البحر الأحمر خلال الفترة من يوم 6أكتوبر 1973 وحتى 7 يناير 1974 مبهرة على المستوى الاستراتيجي كالآتي:
- تم منع 197 سفينة متجهة من باب المندب إلى إسرائيل مع السماح بمرور 22سفينة فقط إلى السودان والسعودية.
- خط النفط بين إيلات وأشدود كان فارغًا بعد شهر من بدء تنفيذ المهمة. ولم تكن هناك كميات نفط كافية، حيث طلبت إسرائيل من الولايات المتحدة إمدادها بالبترول على سفنها، وخشيت الولايات المتحدة من رد الفعل العربي لو تحقق هذا المطلب، وطلبت “جولدا مائير” رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك تعتيمًا إعلاميًا.
- في نوفمبر 1973، أخطر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك “هنري كيسنجر” الزعيم الراحل “أنور السادات” أن إسرائيل لها مطلبين خلال مفاوضات الكيلو 101؛ أولهما: هو فك الحصار عند باب المندب، وثانيهما: هو تبادل الأسرى، وفقًا لمذكرات الرئيس الراحل أنور السادات ومذكرات المشير عبد الغني الجمسي عن حرب أكتوبر 1973 (وهذا يعكس التأثير الاستراتيجي العميق لتنفيذ هذه المهمة على إسرائيل).
تجدر الإشارة إلى أنه مع التزام الكاتب بمنطوق المهمة كما صيغت عسكريًا بمعرفة قيادة القوات البحرية، فإن هذه المهمة تصاغ من منظور الاستراتيجية البحرية كالآتي: “فرض الحصار البحري (Naval Blockade) على الموانئ الإسرائيلية في البحر الأحمر”، و قد افتديت هذه الصياغة لأسباب جيوسياسية وقتها؛ مع الوضع في الاعتبار الوجود البحري الدائم للأساطيل الأمريكية والسوفيتية في منطقة المحيط الهندي والتي تمثل منطقة الجوار القريب للبحر الأحمر، وهو ما يعكس إلمام قيادة القوات البحرية بجميع الاعتبارات السياسية والعسكرية المرتبطة بدور ومهام القوات البحرية، وذلك كنتيجة مباشرة للتنسيق السياسي العسكري الذي حدث لأول مرة في التخطيط لحرب 1973. إن هذه المهمة تعكس أيضًا التخطيط المبتكر والفكر اللامع غير المسبوق والتنفيذ الكفء المنضبط الذي كان من السمات الرئيسية لقواتنا البحرية المجيدة في حرب 1973 للأسباب الآتية:
- إن باب المندب كان في منطقة الظل من منظور اهتمامات القوى الإقليمية في ذلك الوقت؛ فلم ينل أي اهتمام إلا من القوى العظمى فقط(. وبطبيعة الحال، يختلف الموقف الآن؛ فمنطقة باب المندب تموج بالوجود البحري الإسرائيلي والإيراني والتركي والإماراتي والسعودي والصيني والياباني والفرنسي والأمريكي وغير ذلك، مما يدفع للقول إن القوات البحرية المصرية سبقت كل القوى الإقليمية في الاستخدام الجيواستراتيجي لمضيق باب المندب. وكان هذا الاستخدام فعالًا، حيث أثر سلبًا في العدو، كما كان منضبطًا حيث تماشى مع قواعد القانون الدولي للبحار، كما كان آمنًا حيث أبعدت الوحدات عن مدى عمليات القوات الجوية والبحرية الإسرائيلية.
- لم يكن من الممكن تنفيذ هذه المهمة في منطقة شمال البحر الأحمر أو في منطقة وسط البحر الأحمر في ضوء التفوق الجوي الإسرائيلي على القوات الجوية المصرية (خارج مدى صواريخ الدفاع الجوى التي تم تركيز مواقعها لحماية الجيوش الميدانية العاملة على طول قناة السويس وبعض الأهداف الاستراتيجية في العمق مثل القاهرة وميناء الإسكندرية وبعيدًا عن مسرح عمليات البحر الأحمر بصفة عامة. هذا بالإضافة إلى ضعف منظومات الدفاع الجوي للمدمرات العاملة في تنفيذ هذه المهمة نتيجة لتصميمها في الحرب العالمية الثانية وبنائها بعد الحرب مباشرة في عام 1949 واعتماد هذه المنظومات على المدفعية التي توجه بالتنشين المكشوف أي بالنظر فقط، وبالتالي لا يكون هذا التوجيه إلا نهارًا. وقد تغلب المخطط على كل ذلك بتحريك مسرح العمليات بعيدًا عن إمكانيات القوات الجوية الإسرائيلية التي تمثل التهديد الرئيس للمدمرات المنفذة للمهمة، وكذا عن قواتها البحرية باختيار منطقة باب المندب لتنفيذ المهمة.
- لم يخطر على بال القيادات العسكرية في إسرائيل أن تذهب العمليات جنوبًا إلى هذا الحد (سبق أن قال “شارون” ذلك في أحد لقاءاته التليفزيونية).
- تم اختيار موقع انتظار الغواصة في وسط البحر الأحمر. وعلى الرغم من قربه النسبي لمطارات العدو في سيناء وقواعدة البحرية في رأس مـحمد فإن العدو لم يكن يملك أي إمكانيات لمكافحة الغواصات. وهذا أيضًا يعكس تفوق المخطط المصري في استغلال نقاط ضعف القوات الإسرائيلية لأقصى درجة في ذلك الوقت. كما أن قواته الجوية لا تشكل أي خطورة على الغواصات التي تعمل غاطسة. هذا بالإضافة إلى أن هذا الموقع يمكن الغواصة من الاشتباك بما لا يتناقض مع القانون الدولي تفاديًا لاستفزاز أي قوى عظمى؛ فهى تعمل داخل منطقة العمليات الحربية المعلن عنها داخل الحدود المصرية البحرية وأمام المياه الإقليمية.
- حطمت هذه المهمة جزءًا مهمًا من نظرية الأمن الإسرائيلية والتي كانت مبنية على أن السيطرة على شرم الشيخ ومضايق تيران واحتلال شرم الشيخ سيضمن للقوات البحرية الإسرائيلية السيطرة البحرية في منطقة خليجي السويس والعقبة.
- براعة خطط الخداع التعبوي التي أمنت فتح هذه القوات الكبيرة إلى مناطق عملياتها حيث فتحت أكثر من 50 وحدة بحرية إلى مناطق عملياتها بالبحر المتوسط والأحمر والتي بدأت قبل بدء العمليات بشهر تقريبًا دون لفت نظر العدو. ومما سبق هذا الفتح من أنشطة لوجستية تتعلق بمعاينة الموانئ والأرصفة والتجهيزات الملاحية وبناء تكديسات الوقود الخاص بالمدمرات والذخائر وغيرها دون لفت أنظار العدو أو أي من القوى العظمى الموجودة في المنطقة.
-2 في البحر المتوسط: تم اتّباع الأسلوب نفسه، حيث قامت المدمرات بالمرور جنوب جزيرة كريت، واحتلت الغواصات أماكن انتظار في شرق البحر المتوسط، وذلك وسط وجود كثيف لوحدات الأسطول السادس الأمريكي والمجموعة الخامسة من الأسطول السوفيتي. وقد تمركزت المدمرات المشاركة في تنفيذ المهمة على الموانئ الليبية. وبالنسبة إلى نتائج تنفيذ المهمة في البحر المتوسط، فقد نُشر في جريدة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن عدد السفن التي دخلت ميناءي حيفا وأشدود في شهر نوفمبر 1973 كان 17 سفينة بدلًا من 198 سفينة في الشهر نفسه عام 1972.
ثانيًا: مهمة دعم أعمال قتال القوات البرية العاملة على المحاور الساحلية في البحرين المتوسط والأحمر
ولفهم كيفية هذا الدعم، تجدر الإشارة إلى أنه يجرى من خلال ثلاث مهام تكتيكية؛ المهمة التكتيكية الأولى: هي دعم القوات البرية بالنيران باستخدام المدفعية الساحلية طبقًا لمداها وباستخدام الصواريخ المحمولة على متن الوحدات البحرية لضرب أهداف محددة في عمق العدو. والمهمة التكتيكية الثانية: هي تدمير وحدات العدو البحرية بالبحر وقبل وصولها إلى مناطق التأثير في القوات المصرية البرية بالنيران أو للقيام بعمليات الإبرار. المهمة التكتيكية الثالثة: هي القيام بعمل النقل والإمداد والإخلاء. وقد قامت القوات البحرية المصرية الباسلة بتنفيذ جميع هذه المهام بكفاءة واقتدار. وفيما يلي، يمكن إلقاء الضوء على نبذة مختصرة عن تنفيذ بعض هذه المهام.
-1في البحر المتوسط:
أ- الإغارة بالنيران على رأس بيرون ليلة 6، 7 أكتوبر:
تقع رأس بيرون على رأس بحيرة البردويل على مسافة 80 كم من بورسعيد، وقد كان بها 2 سرية مشاة وسرية ناحال وسرية دبابات ومدفعية عيار 175 مل ومخازن شئون إدارية، وبها تجهيزات لاستقبال عدد من الوحدات البحرية التي يمكن أن تهدد قوات الجيش الثاني الميداني العاملة على المحور الساحلي. يُشار إلى أن الوحدات المثلى لتنفيذ هذه المهمة هي المدمرات باستخدام مدفعيتها عيار 130مل، إلا أنه يتعذر دفع المدمرات إلى هذا العمق داخل أراضي مسيطر عليها بمعرفة العدو في ضوء تفوقه الجوي وضعف الدفاعات المضادة للطائرات لهذه السفن وخاصة أن فترة القصف ستكون في حدود 25 دقيقة ما يعرض هذه الوحدات لخطر الهجمات الجوية قبل تنفيذ مهمتها. كما أن الوحدات الصغيرة السريعة لا يمكن استخدامها أيضًا نتيجة لصغر عيار المدفعيات المسلحة بها هذه الوحدات (25 مل، 30 مل). وقد كان الحل في تنفيذ فكرة مبتكرة، حيث استخدمت لانشات الطوربيد بعد إجراء تعديل رئيسي عليها بتغير تسليحها ونزع أنابيب الطوربيد وتركيب عدد 2 قاذف مدفعية صاروخية طراز (BM21) المستخدم في القوات البرية على كل لانش يمكن إطلاقهم خلال زمن 40ثانية، وكان هذا الاستخدام الأول للانشات الطوربيد في أعمال قصف الساحل.
يشار إلى أن هذا التعديل تطلب إجراء تعديلات فنية رئيسية للانش، والذي قامت به الورش الرئيسية بالقوات البحرية. وبعد تمام القصف، تدخلت القوات الجوية الإسرائيلية، واستخدمت طائرات الهيلكوبتر المسلحة بالصواريخ الموجهة بالسلك المضادة للدبابات، وتصدت لها مجموعة لانشات الصواريخ التي تقوم بأعمال التغطية والحماية، وكانت الخسائر هي عدد 1 لانش صواريخ.
ب- اشتراك المدفعية الساحلية البحرية في التمهيد النيراني:
قصف النقطة الحصينة في الكيلو 10 جنوب بورفؤاد وطوال فترة العمليات حيث تكرر مشاركتها في العديد من المهام النيرانية.
ج- منع وحدات العدو البحرية من مهاجمة قواتنا البرية العاملة على المحاور الساحلية بالنيران أو بالإبرار:
فقد تصدت القوات البحرية لوحدات العدو التي حاولت الاقتراب من شمال بورسعيد وشمال البرلس، وحدثت العديد من المعارك التصادمية. وسيلقى الضوء على عدد منها كالآتي:
- معركة بلطيم ليلة 9/8أكتوبر:
عقب النجاح الباهر الذي حققته قوات الجيش الثاني الميداني الباسلة يوم 8 أكتوبر بصد الهجوم الإسرائيلي المضاد وتدمير 90 دبابة، كلفت القوات البحرية الإسرائيلية بتنفيذ مهمة قصف مواقع عسكرية للجيش الثاني الميداني غرب القناة، وفقًا للشبكة الدولية عن المعارك البحرية في حرب 1973، فدفع تشكيل مكون من 6 لانشات إسرائيلية طراز سعر شمال بورسعيد، فتصدت لها 4 لانشات صواريخ مصرية مبحرة من الإسكندرية، واشتبكت معها في معركة استخدمت فيها الصواريخ سطح/سطح المضادة للسفن. واستخدمت إسرائيل الإجراءات الإلكترونية السلبية والإيجابية وأساليب المناورات لتفادي الصواريخ المصرية. وكانت هذه المعركة هي المعركة الثانية في تاريخ البحريات العالمية بين وحدات تحمل صواريخ سطح/سطح مضادة للسفن. وقد تمثلت نتائج المعركة في منع اللانشات الإسرائيلية من الاقتراب من جانب القوات المصرية العاملة على المحاور الساحلية وتدمير لانش صواريخ إسرائيلي وتدمير وإصابة عدد 2 لانش صواريخ مصري.
على المنوال نفسه، تكررت محاولات القوات البحرية الإسرائيلية الاقتراب من السواحل المصرية ليلة 10 أكتوبر و17 أكتوبر للتأثير في حركة النقل البحري من وإلى ميناء الإسكندرية وعلى أعمال قتال القوات البرية المصرية (قوات الجيش الثاني الميداني)، وتصدت لها الوحدات البحرية المصرية في معارك تصادمية وبالاشتراك مع المدفعية الساحلية لمنعها من تنفيذ مهامها.
-2 في البحر الأحمر:
أ- قصف قاعدة رأس مـحمد (شرم الشيخ) بالصواريخ الموجهة وغير الموجهة: حيث وجهت هجمة صاروخية باستخدام صواريخ سطح/سطح الموجه والصواريخ غير الموجه عيار 240 مل لقصف الوحدات البحرية الإسرائيلية المتمركزة في منطقة شرم الشيخ ورأس محمد وتنكات البترول ومناطق الشئون الإدارية عدة مرات خلال الحرب.
ب- قصف أهداف العدو البحرية في رأس مسلة ورأس سدر: حيث نفذت عدة هجمات بالصواريخ غير الموجهة عيار 122 مل والمحملة على لانشات خفيفة في رأس مسلة ورأس سدر.
ج- أجريت عدد من أعمال الإغارة بقوات الصاعقة على المواقع نفسها عدة مرات.
د- استخدمت المدفعية الساحلية المتمركزة بالسويس وخليج السويس بكثافة لتقديم المعاونة النيرانية.
ختــــامـــــًا، كل التحية لشهداء مصر الأبرار في كل العصور، ولشعب مصر العظيم (رمز الإصرار والصمود والتحدي على مدى التاريخ)، ولروح الزعيم “جمال عبد الناصر “، ولروح ابن مصر البار القائد المحنك “محـمد أنور السادات”، ولأرواح قادة القوات المسلحة العظام الذين قادونا إلى النصر. وسلامًا على كل من خاض هذه الحرب ولا يزال على قيد الحياة، كفاهم فخرًا أنهم لبوا نداء الوطن وكانوا درعه وسيفه في مرحلة عصيبة من تاريخه الطويل. والشكر موصول للقيادة السياسية التي وعت أهمية عدم الإخلال بالتوازن البحري الإقليمي في منطقة شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، والتي شهدت تطويرًا غير مسبوق للقوات البحرية في التسليح والتنظيم والتدريب والبنية الأساسية ضمن مخطط التطوير الشامل للقوات المسلحة الباسلة كي تقوم بدورها الدائم في حماية وتأمين حدود مصر المائية (الإقليمية والمجاورة وذات الأهمية الإقتصادية) وحماية مواردها الطبيعية ومصالحها في أعالي البحار.






























