وقع رئيس وزراء جزر كوك، مارك براون، في فبراير 2025 اتفاقية “خطة عمل الشراكة الاستراتيجية الشاملة 2025-2030” مع الصين، في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في موازين القوى بالمحيط الهادئ. في الوقت ذاته، تُثير هذه الاتفاقية، مخاوف نيوزيلندا والولايات المتحدة بشأن تنامي النفوذ الصيني في المنطقة، خاصة في ظل ما تتمتع به جزر كوك من موارد بحرية غنية، والتي تشمل بعضًا من أكبر احتياطيات المعادن في قاع البحر في العالم.
ولطالما اعتمدت جزر كوك على نيوزيلندا في القضايا الدفاعية، لكن هذا الاتفاق قد يفتح المجال أمام تعاون أعمق مع الصين، بما في ذلك تطوير بنية تحتية مزدوجة الاستخدام قد تحمل تداعيات أمنية بعيدة المدى. وبينما تسعى الصين لترسيخ وجودها في المحيط الهادئ، تواجه نيوزيلندا وأستراليا والولايات المتحدة تحديًا متزايدًا للحفاظ على نفوذهما التقليدي في المنطقة. فهل ستعيد هذه الاتفاقية رسم خريطة النفوذ في المحيط الهادئ؟، هذا ما سنحاول الإجابة عنه في السطور التالية، من خلال التطرق لماهية الاتفاقية وبنودها وتداعياتها.
الأهمية الاستراتيجية لجزر كوك
أثارت خطوة توقيع رئيس وزراء جزر كوك “مارك براون” اتفاقية خطة عمل الشراكة الاستراتيجية الشاملة 2025-2030 مع الصين، جدلًا واسعًا داخل بلاده وخارجها، خاصة من قبل نيوزيلندا، الشريك التقليدي لجزر كوك. وتأتي هذه الاتفاقية ضمن مسار متصاعد من العلاقات بين بكين وجزر كوك، والتي بدأت بتوقيع شراكة استراتيجية عام 2014، ثم تطورت إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2018؛ مما يعكس تزايد النفوذ الصيني في المنطقة.
تتألف جزر كوك من 15 جزيرة صغيرة ويبلغ عدد سكانها 15 ألف نسمة، لكنها تمتلك منطقة اقتصادية حصرية واسعة. كما تتمتع بحكم ذاتي في ارتباط حر مع نيوزيلندا، التي تعد أكبر مصدر للمساعدات إليها. يسمح هذا الترتيب، القائم منذ ما يقرب من 60 عامًا، لسكان جزر كوك بحمل الجنسية النيوزيلندية وجوازات السفر والعمل والعيش في نيوزيلندا. وتحظى جزر كوك بأهمية جيواستراتيجية واقتصادية كبيرة، إذ تمتد مياهها الإقليمية على مساحة 240 كيلومترًا مربعًا، وتحتوي على احتياطات هائلة من المعادن في قاع البحر، مثل الكوبالت والنيكل والنحاس والمنجنيز، وهي موارد حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. وهذا يجعلها نقطة تنافس رئيسية في المحيط الهادئ، حيث تسعى القوى الكبرى لتعزيز وجودها وتأمين مصالحها.
ورغم أن نيوزيلندا توفر دعمًا دفاعيًا لجزر كوك، فإن محدودية قدراتها العسكرية تمنعها من مواجهة التوسع الصيني المتزايد في المنطقة. ومع تصاعد القلق الغربي من النفوذ الأمني والاقتصادي الصيني، خاصة بعد رفض نيوزيلندا في عام 2024 تحديث اتفاقها الاستراتيجي مع بكين، تستغل الصين هذا الفراغ لتعزيز حضورها عبر مشاريع استثمارية قد تتجاوز الأهداف الاقتصادية إلى ترتيبات استراتيجية أوسع تؤثر في التوازن الإقليمي في المحيط الهادئ.
الصين وجزر كوك: شراكة متنامية
تطورت العلاقات بين الصين وجزر كوك بشكل تدريجي منذ عام 2013، في سياق استراتيجي يعكس اهتمام بكين المتزايد بجزر المحيط الهادئ. خلال هذه الفترة، كثفت الصين أنشطتها الدبلوماسية؛ حيث شهدت لقاءات رفيعة المستوى مثل اجتماع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني “وانغ يانغ” برئيس وزراء جزر كوك “هنري بونا” على هامش منتدى التعاون الاقتصادي بين الصين ودول المنطقة. كما أن تعيين الصين لأول سفير لها لدى جزر كوك، “وانغ لوتونغ” كان خطوة رمزية تعكس نواياها طويلة الأمد لتعزيز وجودها الدبلوماسي في هذه الدولة الصغيرة، التي تمتلك موقعًا استراتيجيًا حيويًا في المحيط الهادئ.
ولم تقتصر هذه الشراكة على الجانب السياسي، بل توسعت إلى مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي؛ حيث وقعت الدولتان في عام 2014 اتفاقية شراكة استراتيجية ركزت على التنمية المستدامة والاستثمارات الصينية. ثم تطورت هذه العلاقة في عام 2018 إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”؛ مما منح الصين دورًا أكبر في المشروعات التنموية، بما في ذلك اتفاقية ثلاثية مع نيوزيلندا لتطوير مشاريع البنية التحتية، مثل مشروع إمدادات المياه. هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد خطوات تنموية، بل تعكس تحوّلًا في نمط السياسة الخارجية الصينية تجاه جزر المحيط الهادئ؛ حيث تسعى بكين إلى تعزيز وجودها عبر التعاون الاقتصادي متعدد الأطراف.
مع مرور الوقت، أصبحت الصين ثاني أكبر مصدر للمساعدات الخارجية لجزر كوك بعد نيوزيلندا؛ حيث قدمت أكثر من 112 مليون دولار بين 2008 و2022، مقارنة بـ219 مليون دولار من نيوزيلندا. لكن هذه المساعدات الصينية لم تقتصر على التمويل فقط، بل شملت استثمارات استراتيجية في البنية التحتية والطاقة والنقل البحري؛ مما مكّن الصين من تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي. وفي ظل غياب استجابة أمريكية وأسترالية فاعلة لموازنة النفوذ الصيني، باتت جزر كوك تجد نفسها في وضع دقيق، تحاول فيه تحقيق التوازن بين شراكاتها التقليدية مع نيوزيلندا والغرب، والانخراط في الشبكة الاقتصادية الصينية المتنامية، التي تسعى بكين من خلالها إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في المحيط الهادئ.
بنود الاتفاقية وأهدافها
تعكس “خطة عمل الشراكة الاستراتيجية الشاملة 2025-2030” تحولًا نوعيًا في العلاقات بين الصين وجزر كوك؛ إذ تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي عبر الاستثمار في البنية التحتية، ودعم الاقتصاد الأزرق، وتطوير الموارد الطبيعية للجزر. كما تركز الاتفاقية على تعزيز الربط البحري والجوي بين جزر المحيط الهادئ والصين؛ مما يعزز مكانة جزر كوك كمركز لوجستي إقليمي. إلى جانب ذلك، تتوسع الاستثمارات الصينية في قطاعات السياحة والطاقة المتجددة؛ مما يعكس طموح بكين في توسيع نفوذها الاقتصادي في المنطقة.
هذا وتحدد الاتفاقية إطارًا زمنيًا واضحًا لتنفيذ المشاريع المستدامة وتنمية القدرات المحلية؛ حيث تشمل تقديم مساعدات تقنية لتعزيز الإنتاج الزراعي والسمكي، إضافة إلى زيادة المنح الدراسية والتبادل الأكاديمي. ورغم تأكيد الصين على مبدأ عدم التدخل المباشر، فإن الاتفاقية تعمّق الارتباط الاقتصادي لجزر كوك بالصين؛ مما يمنح بكين تأثيرًا طويل الأمد في المنطقة.
وتشمل أبرز المشروعات المتفق عليها إنشاء مركز نقل متعدد الاستخدامات في جزر كوك الشمالية، والذي يعزز التجارة الإقليمية والنقل البحري، إضافة إلى تحديث شبكات الطرق والموانئ وتوسيع القدرة الاستيعابية لمطار “راروتونغا الدولي”. كما تتضمن الاتفاقية مشروعًا للطاقة الشمسية بتمويل صيني لتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة. وتسعى الصين من خلال هذه الشراكة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية.
شراكة استراتيجية ومخاوف أمنية
إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، تثير الاتفاقية مخاوف بشأن تداعياتها الأمنية، خاصة لدى الدول الغربية التي ترى في توسع النفوذ الصيني تهديدًا لمكانتها الاستراتيجية. فبينما تؤكد بكين أن الاتفاقية تهدف إلى دعم التنمية المستدامة، فإن تحديث البنية التحتية قد يوفر للصين إمكانية استخدام هذه المنشآت لأغراض غير اقتصادية، كما حدث في حالات مشابهة بجزر أخرى في المحيط الهادئ. وهذا التمدد الصيني قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة تقييم سياساتهم الأمنية، خاصة في ظل التحالفات العسكرية القائمة مثل اتفاقية أوكوس (AUKUS)؛ مما يعكس احتدام التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة.
من جهة أخرى، تلعب الموارد الطبيعية لجزر كوك، ولا سيما المعادن الاستراتيجية كالكوبالت والنيكل والمنجنيز، دورًا أساسيًا في تشكيل هذه الشراكة. فالصين التي تمتلك خبرة متقدمة في التعدين البحري، تستثمر في تطوير هذا القطاع لضمان إمدادات مستقرة من المعادن الحيوية لصناعاتها التكنولوجية والطاقة المتجددة؛ مما يقلل من اعتمادها على الأسواق الغربية. غير أن هذا النفوذ يثير تساؤلات حول مدى استفادة سكان جزر كوك من هذه الاستثمارات، وما إذا كانت هذه الشراكة ستؤدي إلى استغلال الموارد لصالح الشركات الصينية دون تحقيق مكاسب محلية حقيقية. في ظل هذا المشهد المعقد، تبقى قدرة جزر كوك على تحقيق توازن بين الاستفادة من الاستثمارات الصينية والحفاظ على استقلالها السياسي هي التحدي الأكبر في السنوات القادمة.
ردود الفعل
في أول رد فعل على توقيع الاتفاقية، تجمع مئات المتظاهرين أمام برلمان جزر كوك في العاصمة أفاروا احتجاجًا على الاتفاق الذي أبرمه رئيس الوزراء مارك براون مع الصين، والذي أثار خلافًا دبلوماسيًا مع نيوزيلندا. حيث حمل نحو 400 متظاهر لافتات كتب عليها “ابقوا على ارتباط مع نيوزيلندا”، بينما رفع آخرون لوحات تظهر جواز السفر النيوزيلندي، احتجاجًا على اقتراح مارك براون —الذي تم التخلي عنه لاحقًا— لإصدار جواز سفر منفصل لجزر كوك، وهو ما حذرت نيوزيلندا من أنه قد يجبر حامليه على التخلي عن جنسيتهم النيوزيلندية.
على الصعيد الدولي، أثار توقيع الاتفاقية ردود فعل حذرة من نيوزيلندا وأستراليا؛ حيث تخشى ويلينغتون من تراجع نفوذها التقليدي في الجزر التي تربطها بها علاقات تاريخية وثيقة، بينما ترى كانبيرا في الاتفاقية خطوة جديدة في استراتيجية الصين لتوسيع وجودها في المحيط الهادئ. وذلك قد يدفع البلدين إلى تعزيز دعمهما الاقتصادي والسياسي لجزر كوك، في محاولة للحفاظ على التوازن الإقليمي. أما الولايات المتحدة، فقد اعتبرت الاتفاقية امتدادًا لمحاولات بكين ترسيخ نفوذها الاستراتيجي في منطقة تُعد حيوية للمصالح الأمريكية، مع مخاوف من أن يتم استخدام المشاريع الصينية لأغراض أمنية أو عسكرية مستقبلًا؛ مما قد يستدعي تعزيز التحالفات الأمريكية في المنطقة.
وعلى مستوى جزر المحيط الهادئ، انقسمت ردود الفعل بين مؤيد للاستثمارات الصينية باعتبارها فرصة لتعزيز التنمية، ومتخوف من التبعات الجيوسياسية والاقتصادية المرتبطة بالاعتماد المتزايد على بكين. وقد يسهم هذا التوسع في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية؛ حيث تسعى بعض الدول إلى الموازنة بين الاستفادة من الدعم الصيني والحفاظ على علاقاتها التقليدية مع القوى الغربية؛ مما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي في المنطقة.
استشراف المستقبل
يمثل توقيع الاتفاقية بين الصين وجزر كوك خطوة مهمة نحو تعزيز النفوذ الصيني في المحيط الهادئ؛ مما يثير تساؤلات حول إمكانية تأسيس وجود دائم لبكين في المنطقة. وعلى الرغم من أن الاتفاقية تركز رسميًا على التعاون التنموي والاقتصادي، فإن بعض المحللين يرون أنها قد تمهد لوجود صيني أوسع، سواء من خلال مشاريع البنية التحتية أو التعاون الأمني المستقبلي. ويمكن أن يكون هذا الوجود على شكل قواعد لوجستية أو منشآت لدعم عمليات التعدين البحري، وربما حتى اتفاقيات أمنية في المستقبل، كما حدث في اتفاقية الصين مع جزر سليمان.
وفي حال تزايد النفوذ الصيني في جزر كوك، فإن نيوزيلندا قد تسعى إلى تعزيز دعمها الاقتصادي والسياسي للحفاظ على نفوذها التقليدي. قد نشهد أيضًا تحركًا أوسع من قبل الولايات المتحدة وأستراليا، سواء من خلال زيادة الاستثمارات في المنطقة أو تكثيف التعاون الأمني مع دول المحيط الهادئ. ومن المحتمل أن يتم اللجوء إلى الضغط الدبلوماسي أو تقديم عروض تنموية بديلة لجزر كوك، للحد من الانجذاب نحو الصين. كما قد تلجأ هذه الدول إلى تعزيز وجودها العسكري والاستخباراتي في المحيط الهادئ، ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي.
وعلى صعيد آخر، قد تسهم هذه الاتفاقية في إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في المحيط الهادئ؛ حيث يمكن أن تدفع دولًا أخرى في المنطقة إلى تعزيز شراكاتها مع الصين أو القوى الغربية. وإذا تمكنت الصين من ترسيخ وجودها في جزر كوك، فقد يؤدي ذلك إلى توسيع استراتيجيتها البحرية والتجارية؛ مما يعزز قدرتها على التأثير في طرق الشحن الحيوية والممرات البحرية الرئيسية. في المقابل، قد تزداد حدة التوترات الجيوسياسية بين الصين والتحالفات الغربية؛ مما قد يؤدي إلى تصاعد سباق النفوذ في المحيط الهادئ، وتأثيرات طويلة المدى على الأمن والاستقرار الإقليميين.
في الأخير، تمثل الاتفاقية بين الصين وجزر كوك تحولًا استراتيجيًا يعكس تزايد النفوذ الصيني في المحيط الهادئ؛ مما يثير قلق الدول الغربية، خاصة نيوزيلندا والولايات المتحدة، التي تخشى من تداعيات اقتصادية وأمنية طويلة المدى. فبينما تعزز الصين وجودها عبر الاستثمار في البنية التحتية والتعدين البحري، يبقى التساؤل مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الشراكة ستقتصر على التنمية الاقتصادية أم ستتطور إلى استخدامات جيوسياسية أوسع. في ظل تصاعد التنافس الدولي في المنطقة، ستحدد التوازنات الإقليمية وردود الفعل الغربية مدى نجاح الصين في توسيع نفوذها، وما إذا كانت جزر كوك ستتمكن من الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي في مواجهة هذا التغير الجيوسياسي.
باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية






























