يشكل اتفاق ديسمبر 2025 بين مصر وصندوق النقد الدولي علامة فارقة في مسار الإصلاح الاقتصادي، فالمراجعة المزدوجة (الخامسة والسادسة) لم تكن مجرد إجراء تقني لصرف السيولة، بل كانت إعلانًا عن نجاح “نموذج الصمود” المصري أمام صدمات خارجية غير مسبوقة. لم يعد الحديث اليوم مقصورًا على الاستقرار النقدي فحسب، بل انتقل إلى مرحلة “الانطلاقة الإنتاجية”؛ حيث قفز معدل النمو من 2.4% في العام السابق إلى 4.4% في السنة المالية 2024/2025، ووصل إلى 5.3% في الربع الأول من العام المالي الحالي 2025/2026.
تكتسب هذه الأرقام زخمها من كونها نتاج “محركات حقيقية” مثل التصنيع غير النفطي، السياحة، والخدمات المالية؛ مما يشير إلى تحول هيكلي يبتعد عن الاعتماد المفرط على الاستثمارات الحكومية المباشرة. يتناول هذا المقال نتائج المراجعات الأخيرة، ويستشرف الخطوات الحاسمة في عام 2026، كما يحلل ملامح العلاقة مع الصندوق في ضوء التوجهات الأمريكية الجديدة وسبل التحوط المصرية المطلوبة.
أولًا: تسلسل مراجعات صندوق النقد الدولي لمصر (2022-2026)
يعكس الجدول التالي المحطات الرئيسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، موضحًا التطور في الأولويات من “مرحلة الاستقرار العاجل” وصولًا إلى “مرحلة النمو المستدام”. ويبرز هذا التسلسل الزمني كيف نجحت الدولة في تحويل التحديات النقدية إلى فرص للإصلاح الهيكلي والتحول الأخضر، مع استشراف الخطوات النهائية لتمكين القطاع الخاص قبل اكتمال البرنامج في عام 2026.
| المرحلة / المراجعة | التاريخ المتوقع/الفعلي | القيمة (مليار دولار تقريبًا) | الحالة الاقتصادية والهدف الرئيسي |
|---|---|---|---|
| الموافقة المبدئية (EFF) | ديسمبر 2022 | 0.347 | مرحلة “الإسعاف”: توقيع الاتفاق الأصلي (3 مليار$) لمواجهة تداعيات الحرب الأوكرانية. |
| المراجعة (1) و(2) | مارس 2024 | 0.820 | مرحلة “الإنقاذ الكلي”: دمج المراجعتين ورفع القرض لـ 8 مليارات $. تزامنت مع صفقة رأس الحكمة وتوحيد سعر الصرف. |
| المراجعة (3) | يوليو 2024 | 0.820 | مرحلة “الاستقرار النقدى”: التأكد من مرونة سعر الصرف والسيطرة على التضخم المبدئي. |
| المراجعة (4) | نوفمبر 2024 | 1.3 | مرحلة “الضبط المالي”: التركيز على خفض عجز الموازنة وترشيد الإنفاق الحكومي. |
| المراجعة (5) و(6) | ديسمبر 2025 | 2.7 | مرحلة “المناعة الهيكلية”: (المرحلة الحالية) دمج 59 هيئة اقتصادية في الموازنة، وتحقيق فائض أولي قوي بنسبة 3.5%. |
| مراجعة (1) لـ RSF | ديسمبر 2025 | جزء من الشريحة أعلاه | مرحلة “التحول الأخضر”: أول صرف من قرض “الصلابة والاستدامة” لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة والمناخ. |
| المراجعة (7) | يونيو 2026 (متوقع) | ~ 1.3 | مرحلة “تمكين القطاع الخاص”: تقييم التخارج الفعلي للدولة من الأصول (وثيقة ملكية الدولة). |
| المراجعة (8) – الأخيرة | سبتمبر 2026 (متوقع) | ~ 1.3 | مرحلة “الانطلاق الاقتصادي”: المراجعة النهائية قبل انتهاء البرنامج الحالي والتحول للرقابة الدورية. |
ثانيًا: نتائج المراجعة الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري
توصل فريق صندوق النقد الدولي والسلطات المصرية إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة بموجب تسهيل الصندوق الممدد (EFF)، والمراجعة الأولى بموجب آلية الصمود والاستدامة (RSF). وتلخصت أهم المؤشرات والنتائج فيما يلي:
- على صعيد مؤشرات الاستقرار والنمو الاقتصادي، ارتفع معدل النمو إلى 4.4% خلال السنة المالية 2024/2025 (مقارنة بـ 2.4% في العام السابق)، وتسارع ليصل إلى 5.3% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026. جاء التعافي مدعومًا بأداء قطاعات التصنيع غير النفطي، والنقل، والتمويل، والسياحة، مع تحسن ملحوظ في ميزان المدفوعات رغم التحديات الخارجية. شهدت الظروف المالية الخارجية تحسنًا كبيرًا في عام 2025؛ حيث بلغت الاحتياطيات الأجنبية 56.9 مليار دولار، وارتفعت تدفقات غير المقيمين في أدوات الدين بالعملة المحلية إلى 30 مليار دولار.
- على صعيد الأداء المالي والسياسة الضريبية، فقد حققت الدولة فائضًا أوليًا بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 2024/ 2025، مع استهداف رفعه إلى 4.8% في 2025/ 2026 و 5% في 2026/ 2027. ورغم نمو الحصيلة بنسبة 36% نتيجة إصلاحات توسيع القاعدة وتحسين الامتثال، فإن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي لا تزال متواضعة عند 12.2%. كما تعتزم الحكومة إقرار حزمة إصلاحات ضريبية في يناير 2026 لزيادة التحصيلات بنسبة 1% من الناتج المحلي بحلول العام المالي 2026/2027، ووضع الدين العام في مسار تنازلي مستدام.
- على صعيد السياسة النقدية والتضخم، يستمر البنك المركزي في اتباع سياسة نقدية مشددة، مع تبني نهج “تخفيف نقدي حذر وتدريجي”. كما سجل التضخم السنوي 12.3% في نوفمبر، مدفوعًا بالسياسات المشددة والقضاء على نقص العملة الصعبة، إلا أن ضغوط كبح التضخم تتطلب استمرار الإدارة الحذرة. وعلى صعيد القطاع المصرفي يلتزم البنك المركزي بتعزيز ممارسات الحوكمة في البنوك المملوكة للدولة لتعزيز المنافسة وضمان كفاءة انتقال السياسة النقدية عبر السوق.
- على صعيد الإصلاحات الهيكلية والحماية الاجتماعية، فيما يتعلق بتمكين القطاع الخاص، ناقشت السلطات أهداف “السردية الوطنية للتنمية”، التي تهدف لتحويل نموذج النمو ليصبح أكثر تنافسية بقيادة القطاع الخاص، مع تسريع جدول أعمال التخارج وتقليص دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية.
وبالنسبة للشبكة الاجتماعية، أكدت السلطات التزامها بزيادة مخصصات برنامج “تكافل وكرامة” وبرامج الحماية الاجتماعية، مع توصية من بعثة الصندوق بالنظر في تعزيز هذه المخصصات بالموازنة العامة.
فيما يخص قطاع الطاقة، فقد ساهمت إجراءات استرداد التكلفة وربط أسعار الوقود في تحسين الوضع المالي للشركة القابضة للبترول، رغم استمرارها كمصدر للمخاطر المالية.
- على صعيد آلية الصمود والاستدامة (RSF) تسير الإصلاحات المتعلقة بالاستدامة وفق الجدول الزمني المحدد؛ حيث تم تنفيذ إجراءين رئيسيين:
- خطة التخفيف: نشر جدول زمني لتنفيذ أهداف الطاقة المتجددة.
- التمويل المناخي: إصدار توجيهات للبنوك برصد الإبلاغ عن مدى تعرضها للشركات المتأثرة بمخاطر الانتقال المادي، تماشيًا مع آلية تعديل الحدود بالكربون.
ثالثًا: توجهات الصندوق مع مصر خلال عام 2026: المراجعة السابعة والثامنة
تمثل المراجعتان السابعة والثامنة المقرر إجراؤهما في عام 2026 المنعطف الأخير والأكثر أهمية في مسار برنامج “تسهيل الصندوق الممدد” الحالي؛ حيث ينتقل التركيز فيهما من مرحلة تثبيت الاقتصاد الكلي إلى مرحلة تعميق الإصلاحات الهيكلية الضامنة لنمو مستدام يقوده القطاع الخاص. وفيما يلي أبرز ملامح تلك المراحل:
- المراجعة السابعة (يونيو 2026): ترسيخ الحياد التنافسي وهيكلة الإيرادات، تكتسب المراجعة السابعة أهميتها الاستراتيجية من كونها الاختبار الفعلي لجدية الدولة في تنفيذ “وثيقة ملكية الدولة”؛ حيث سينصب تقييم خبراء الصندوق على المدى الذي وصلت إليه عمليات التخارج من الأصول العامة وضمان سيادة مبدأ “الحياد التنافسي”. يهدف هذا المبدأ إلى إنهاء التداخل بين الأدوار التنظيمية والتنفيذية لبعض الهيئات العامة، بما يضمن عدم وجود منافسة غير متكافئة مع الاستثمارات الخاصة. وبالتوازي مع ذلك، ستكون “حزمة يناير الضريبية 2026” تحت المجهر لتقييم كفاءتها في توسيع القاعدة الضريبية ورفع الإيرادات بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، دون اللجوء لزيادة المعدلات الضريبية التي قد تثبط النشاط الإنتاجي. كما يظل تحقيق “الفائض الأولي” بنسبة 4.8% شرطًا جوهريًا لضمان قدرة المالية العامة على امتصاص تكاليف خدمة الدين وخفض الاحتياجات التمويلية.
- المراجعة الثامنة (سبتمبر 2026): بروتوكول الخروج الآمن والاستقلال المالي، تُعد المراجعة الثامنة بمثابة “صك استبقاء” للمكتسبات المحققة؛ حيث تهدف ضمان قدرة الاقتصاد المصري على استكمال مساره التنموي بمعزل عن التمويلات الاستثنائية. تتركز المستهدفات هنا على وضع الدين العام في مسار تنازلي حاسم ليستقر دون مستوى 80% من الناتج المحلي على المدى المتوسط، مع التأكيد على رسوخ “مرونة سعر الصرف” كآلية لامتصاص الصدمات الخارجية، مدعومة باحتياطي نقدي يتجاوز مستهدف الـ 60 مليار دولار. وفي الجانب الاجتماعي، سيعمل الصندوق على التحقق من كفاءة برامج التحويلات النقدية المشروطة (تكافل وكرامة)، لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين، وهو ما يمثل صمام أمان للاستقرار الهيكلي والاجتماعي في مرحلة ما بعد البرنامج.
يتضح من المقارنة التحليلية أن المراجعة السابعة تركز على “تمكين القطاع الخاص” عبر مواجهة العقبات البيروقراطية وتعزيز العدالة الضريبية، بينما تنحو المراجعة الثامنة نحو تحقيق “الاستقلال المالي” أو ما يمكن وصفه بـ “الفطام الاقتصادي” عن القروض المشروطة. ففي حين تسعى السابعة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر عبر تحسين بيئة الأعمال، تهدف الثامنة إلى تعزيز الجدارة الائتمانية للدولة في الأسواق الدولية؛ مما يخفض تكلفة الاقتراض الخارجي مستقبلًا ويقلص فجوة التمويل.
يتطلب المرور الآمن من هاتين المراجعتين وصرف الشريحة الأخيرة البالغة نحو 2.6 مليار دولار التزامًا صارمًا بمبدأ “الشفافية المالية المطلقة”، عبر الاستمرار في دمج كافة الهيئات الاقتصادية تحت مظلة الموازنة الموحدة للقضاء على أي “التزامات مستترة”. كما تستلزم هذه المرحلة تجنب الصدمات النقدية عبر سياسات كبح التضخم لضمان استقرار القوة الشرائية، مع ضرورة تنويع مصادر التدفقات الرأسمالية بجذب استثمارات أجنبية مباشرة (FDI) في قطاعات تصنيعية وتصديرية، على غرار الصفقات الكبرى المحققة سابقًا، وذلك لتقليل الاعتماد على أدوات الدين التقليدية.
إن نجاح مصر في استكمال هذه المراجعات سيمثل “جسر عبور” حقيقيًا نحو نموذج اقتصاد السوق الحر؛ حيث تتحول علاقتها بالمؤسسات الدولية من التبعية التمويلية إلى الشراكة التنموية. وبذلك، تفتح الدولة الباب أمام تدفقات استثمارية غير مسبوقة من الصناديق السيادية والمؤسسات العالمية، مدفوعة بوضوح الرؤية الهيكلية واستدامة المؤشرات الكلية.
رابعًا: ملامح العلاقة بين مصر والصندوق في ضوء توجهات الإدارة الأمريكية للمؤسسات الدولية
تتبنى الإدارة الأمريكية الجديدة، وتحديدًا في ظل ولاية “ترامب” الثانية، نهجًا يعيد تعريف دور الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية، فبدلًا من الانسحاب الكامل، اختارت واشنطن استراتيجية “إعادة التشكيل” لضمان خدمة مصالحها القومية بشكل مباشر. ويظهر هذا التحول جليًا في الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة والموجهة إلى الكونغرس، وهي: “The National Advisory Council on International Monetary and Financial Policies (NAC) Report to Congress” والتي صدرت في يوليو 2025 لتضع النقاط على الحروف حول كيفية توظيف نفوذ واشنطن داخل صندوق النقد الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف لخدمة أجندة “أمريكا أولًا”.
يؤكد هذا التقرير أن الولايات المتحدة ستسعى خلال عام 2026 وما بعده إلى إعادة “صندوق النقد الدولي” لمهامه الأساسية؛ وهي الاستقرار المالي والنقدي الكلي، مع الابتعاد عن القضايا التي تعتبرها الإدارة الحالية “مشتتة أيديولوجيًا” مثل تغير المناخ وقضايا النوع الاجتماعي.
بالنسبة لمصر، يفرض هذا التوجه تحديًا مباشرًا؛ حيث قد يتقلص الزخم الدولي لدعم برامج مثل “آلية الصمود والاستدامة” (RSF)؛ مما يضع عبئًا إضافيًا على الميزانية المصرية لتمويل مشروعات التحول الأخضر بعيدًا عن مظلة الصندوق التقليدية، ويستوجب البحث عن بدائل تمويلية إقليمية أو عبر القطاع الخاص.
علاوة على ذلك، تستخدم واشنطن تقرير الخزانة كأداة لفرض “شفافية الديون” كشرط أساسي للإقراض الدولي، وهي خطوة تهدف بالأساس لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في الدول النامية، لذا؛ قد تجد مصر نفسها في الفترة المقبلة تحت مجهر الصندوق بشكل أكثر حدة فيما يخص تفاصيل قروضها من الجانب الصيني وشروطها؛ حيث ستحاول الإدارة الأمريكية عبر الصندوق إجبار الدول المقترضة على الإفصاح الكامل عن أي التزامات مستترة. هذا التوجه يتطلب من مصر استراتيجية تحوطية تعتمد على “الإدارة الاستباقية للديون” وتعزيز الشفافية الطوعية، لتفادي استخدام هذا الملف كأداة ضغط سياسي قد تؤثر على سلاسة المراجعات القادمة للبرنامج.
وفي إطار تعزيز اقتصاد السوق، يشير التقرير الأمريكي بوضوح إلى أن القروض الدولية يجب أن تشجع على الإصلاحات الجذرية التي تفتح الأبواب أمام الشركات الأمريكية والقطاع الخاص العالمي. لذا؛ فإن مصر مطالبة بالتحوط من خلال تسريع وتيرة “الحياد التنافسي” وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، ليس فقط استجابةً لشروط الصندوق، بل كدرع حماية يضمن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتجنب اشتراطات أكثر صرامة في المراجعات السابعة والثامنة. إن التحوط الحقيقي لمصر يكمن في تحويل هذه الضغوط إلى فرصة لتوطين الصناعة وتنويع الشركاء الدوليين، بما يضمن استقلال القرار الاقتصادي الوطني في ظل نظام مالي عالمي يعاد تشكيله.
ختامًا، يمكن القول إن مسار الاقتصاد المصري مع صندوق النقد الدولي قد انتقل من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “إدارة السيادة المالية”. إن النجاحات المحققة في المراجعات الخامسة والسادسة وفرت لمصر “درعًا ماليًا” صلبًا، لكن هذا الدرع يواجه اليوم تحديات جيوسياسية متغيرة؛ حيث تعيد الولايات المتحدة تعريف أدوار المؤسسات الدولية وفق رؤية أكثر نفعية وتشددًا في الشفافية.
إن التحوط الحقيقي لمصر في عام 2026 وما بعده لا يكمن فقط في استيفاء شروط الصندوق، بل في تحويل هذه الشروط إلى “محفزات وطنية” للنمو. فالاستعداد لحقبة “ما بعد الصندوق” يتطلب تنويعًا ذكيًا لمصادر التمويل ، وتوطينًا حقيقيًا للصناعة يقلل من الارتهان للتقلبات النقدية. إن عبور المراجعة الثامنة بنجاح لن يكون مجرد نهاية لبرنامج تمويلي، بل هو إعلان عن قدرة الدولة المصرية على إدارة اقتصاد سوق تنافسي، قادر على امتصاص الصدمات العالمية بمرونة ذاتية، وصياغة قراره الاقتصادي بمنأى عن ضغوط التمويل المشروط.






























