تشهد مالي منذ عام 2020 حالة ممتدة من الاضطراب السياسي والأمني، تعمقت نتيجة إطالة أمد الفترة الانتقالية، وتعثّر المسار الديمقراطي، إلى جانب تصاعد التحديات الأمنية. وفي هذا السياق، أُعلن في 5 ديسمبر 2025، عن تشكيل ائتلاف القوى من أجل الجمهورية (CFR)، بوصفه محاولة جديدة لإعادة تنظيم قوى المعارضة خارج الأطر الحزبية التقليدية، بقيادة الإمام “محمود ديكو”، الذي يتمتع برمزية دينية واجتماعية واسعة. وجاء ذلك متزامنًا مع ظهوره في تسجيل مصور باللغتين الفولانية والبامبارا، في 22 ديسمبر 2025، وجّه خلاله رسائل إلى أنصاره، وقدم نفسه داعمًا لمسار “إنهاء الوضع السياسي القائم”. ويأتي هذا التطور في وقت تتداخل فيه تعقيدات المشهد الداخلي في البلاد مع توازنات إقليمية ودولية متشابكة؛ الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا الائتلاف على التأثير في مسار الأزمة وحدود الدور الذي يمكن أن يضطلع به في المرحلة المقبلة.
أولًا: أزمة الحكم الانتقالي بين تمديد السلطة وتآكل الشرعية
لا يمكن فهم صعود المعارضة الجديدة بمعزل عن التحولات التي طرأت على طبيعة الحكم في مالي منذ أغسطس 2020؛ حيث انتقلت البلاد من مسار انتقالي هش إلى نموذج حكم مغلق. لم يُنتج هذا التحول فقط أزمة شرعية، بل أعاد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وأفرز بيئة مُحفزة أمام المعارضة للاستفادة من تآكل الثقة في النظام القائم. فقد تحوّلت المرحلة الانتقالية في مالي من ترتيب مؤقت لإعادة بناء النظام الدستوري إلى نمط حكم شبه دائم، اتسم بتمديد الجداول الزمنية، وتركيز السلطة في يد الرئيس أسيمي جويتا. ففي 3 يوليو 2025، وافق المجلس الوطني الانتقالي على قانون يمنح رئيس المرحلة الانتقالية “آسيمي جويتا” تفويضًا رئاسيًا لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. كما أوصى المجلس بعد إطلاقه مشاورات وطنية مع “القوى الحية للأمة” من أجل إعادة تقييم المشهد السياسي، الذي قاطعت غالبية القوى السياسية وأحزاب المعارضة أعماله، بحل الأحزاب وتشديد شروط تأسيسها، قبل أن يعلن المجلس العسكري الحاكم في 13 مايو 2025 حل جميع الأحزاب والمنظمات والجمعيات ذات الطابع السياسي إلى أجل غير مسمى، ضمن ما وصفه بمسار “إعادة التأسيس” منذ عام 2020. وردًا على ذلك، نشأت “جبهة المقاومة الوطنية” في المعارضة، داعية إلى العودة للنظام الدستوري ووضع حد للمرحلة الانتقالية.
كما أسهم حل جميع الأحزاب السياسية، وتقييد حرية الصحافة، وحظر الاجتماعات العامة، وإغلاق عدد من الصحف والقنوات التلفزيونية، إلى جانب اعتقال صحفيين بتهم تتعلق بنشر أخبار تهدد الأمن القومي، -وتعمق هذا الاتجاه مع سجن رئيس الوزراء الأسبق “موسى مارا” في أكتوبر 2025 لمدة عامين بتهم مرتبطة بالمساس بمصداقية الدولة ومعارضة السلطة الشرعية. وفي ظل غياب آليات مؤسسية قادرة على استيعاب الخلافات السياسية والاجتماعية، بدأت تتبلور أنماط احتجاج تصعيدية شملت العصيان المدني، واللجوء إلى المسارات القضائية، وتكثيف التعبئة عبر الجاليات المالية في الخارج، وتعول قوى المعارضة على هذه الوسائل باعتبارها أدوات ضغط بديلة-: في سياق الجمود السياسي القائم؛ مما يدفعها تدريجيًا إلى تبني مواقف أكثر تصعيدًا.
وأمام تحديات أمنية عديدة، أشار الجنرال “آسيمي جويتا” إلى خطة “دوغوكولوكو” التي أُطلقت عام 2024، وتعني باللهجة المحلية “الأرض الصلبة المستعادة”، باعتبارها إطارًا لاستعادة سلطة الدولة وإعادة تأكيد سيادتها الكاملة على التراب الوطني، وذلك عقب انسحاب بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) في 31 ديسمبر 2023. غير أن تطورات الوضع الميداني كشفت حدود هذا الطرح؛ إذ استمرت الهجمات المسلحة وتوسع نشاط الجماعات الإرهابية، ولا سيما جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة”، التي عملت على توسيع مناطق نفوذها في شمال ووسط البلاد ومنطقة ليبتاكو-جورما بين مالي والنيجر وبوركينافاسو، وفتح جبهات جديدة على الحدود مع السنغال وموريتانيا. كما لجأت الجماعة إلى تغيير تكتيكاتها من الهجمات المباشرة إلى “حرب الطرق”، عبر إغلاق المحاور الرئيسية، واستهداف قوافل الإمداد، وإحراق شاحنات نقل الوقود القادمة من دول الجوار، لا سيما السنغال وكوت ديفوار؛ مما فاقم أزمة نقص الوقود وأثر بشكل مباشر على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية. وإلى جانب ذلك، استمرت الهجمات على القوافل العسكرية والبنى التحتية الحيوية، مع تصاعد الخسائر في صفوف المدنيين.
ثانيًا: تشكل ائتلاف القوى من أجل الجمهورية وإعادة بناء المعارضة
في ظل تفكك البنى الحزبية التقليدية، اتجهت قوى المعارضة إلى إعادة تنظيم نفسها عبر مسارات بديلة، تقوم على المزج بين الرمزية الدينية والمدنية، والتعبئة الاجتماعية، والخطاب السياسي، بما يعكس محاولة لتجاوز القيود المؤسسية القائمة. ويجسد بروز ائتلاف القوى من أجل الجمهورية هذا التحول، من خلال تقديم نفسه كإطار جامع لحركة معارضة ذات طابع سلمي. ويمثل الائتلاف الجديد (CFR) محاولة لإعادة تشكّيل المعارضة في مالي بما يتجاوز الأطر الحزبية التقليدية، في ظل غياب برلمان فعّال، وتعطل العمل الحزبي القانوني عقب حل جميع الأحزاب السياسية، ويتحرك الائتلاف في فراغ سياسي ناتج عن هذا الانسداد المؤسسي، جامعًا طيفًا متنوعًا من الفاعلين السياسيين والمدنيين، من بينهم شخصيات مقيمة في المنفى، وفاعلون مرتبطون بالحركات الأزوادية، وذلك تحت قيادة الإمام “محمود ديكو”. ويتولى الأكاديمي “إتيان فاكابا سيسوكو” المقيم في المنفي مهام التحدث باسم الائتلاف. ورغم عدم الكشف عن كامل تركيبة عضويته لأسباب أمنية واستراتيجية، ولتفادي الملاحقات الأمنية، فيتبنى الائتلاف خطابًا يركز على استعادة النظام الدستوري عبر مرحلة انتقالية قصيرة لا تتجاوز 18 شهرًا، إلى جانب الدعوة إلى إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف الفاعلين، بما في ذلك الجماعات المسلحة مثل بعض حركات أزواد في الشمال وفصائل مصنفة إرهابية، ويقدم الائتلاف هذا المسار باعتباره خيارًا سياسيًا لتقليص كلفة الاستنزاف الأمني التي تتحملها الدولة، والسعي إلى معالجة الأزمة من جذورها بدل الاكتفاء بإدارتها أمنيًا.
ويشكل الإمام “محمود ديكو”، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى في مالي “HCIM”، وقيادي سابق لحركة 5 يونيو- تجمع القوى الوطنية، نقطة ارتكاز رئيسية في الائتلاف، مستندًا إلى مكانته الدينية والاجتماعية ودوره في الحراك الشعبي الذي أطاح بحكومة “إبراهيم بوبكر كيتا” في أغسطس 2020. إضافة إلى وساطاته السابقة مع الجماعات المسلحة. ومع وجوده خارج البلاد، يتمتع بهامش حرية سياسية أكبر من المعارضين المحليين، لكنه يواجه قيودًا تتعلق بالحضور الميداني، وموازين القوى المتغيرة، إضافة إلى تحديات انتقاله من وساطة دينية إلى فاعل سياسي مباشر؛ حيث يتطلب ذلك الفصل بين الدور الديني والقيادة السياسية بناء تحالفات محلية قوية لتجاوز مقاومة النخب التقليدية والمؤسسة العسكرية.
ويتبنى التحالف المعارض الجديد مقاربة الحوار مع الجماعات المسلحة، بما فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وجبهة تحرير أزواد، كجزء من حل شامل للأزمة. ورغم استناد هذا الطرح إلى توصيات وطنية سابقة، فإن الانخراط مع فاعلين مصنفين إرهابيين، قد يُفسر داخليًا على أنه تساهل؛ مما يقلل من الدعم الشعبي. كما أن خيار التهدئة والحوار مع الجماعات المسلحة في شمال البلاد، يعرض المعارضة لاتهامات التفريط في السيادة، في ظل دخول المجلس العسكري في صراع جديد مع الطوارق في الشمال بعد تعليق عمل اتفاق السلام والمصالحة الموقع في الجزائر عام 2015. بينما خارجيًا يعزز مصداقية المعارضة كوسيط قادر على تحقيق الاستقرار؛ مما يجعلها لاعبًا مهمًا في التوازنات الإقليمية.
جدول يوضح محطات الحوار مع الجماعات المسلحة في مالي
| المرحلة الزمنية | المحطة | المضمون والسياق |
| 2012 | البدايات المبكرة للحوار | طُرحت فكرة الحوار عبر لقاءات في واجادوجو عاصمة بوركينا فاسو، بين جماعات مسلحة (حركة أنصار الدين – الحركة الوطنية لتحرير أزواد)، ووسيط مجموعة إيكواس “بليز كومباوري”، لكنها تعطلت سريعًا بسبب التمدد العسكري وانهيار الثقة. |
| 2013 | انهيار المسار التفاوضي | تعليق الحوار مع تقدم الجماعات المسلحة نحو الوسط، وبدء التدخل العسكري الفرنسي وترجيح كفة المقاربة الأمنية على حساب المسار التفاوضي. |
| 2015 | توقيع اتفاق الجزائر | توقيع اتفاق السلام والمصالحة (اتفاق الجزائر) عام 2015 بين الحكومة المالية وتحالف تنسيقية حركات أزواد (CMA) برعاية دولية. |
| 2017 | مؤتمر التفاهم الوطني | إعادة طرح الحوار مع الجماعات المسلحة بشروط مسبقة تتعلق بوحدة الدولة والعلمانية، في اعتراف ضمني بحدود الحل العسكري. |
| 2019 (ديسمبر) | مؤتمر الحوار الوطني الشامل | حسم الجدل نسبيًا لصالح اعتبار الحوار ضرورة لإنهاء الصراع، في ظل تصاعد العنف وتآكل قدرة الدولة على بسط سلطتها خارج المراكز الحضرية. |
| 2020 (يناير- مارس) | التحول في الخطاب الرسمي | إعلان رسمي من حكومة “إبراهيم أبو بكر كيتا” بأن التفاوض لا يتناقض مع مكافحة الإرهاب، واستعداد جماعات إرهابية مثل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” للحوار دون شروط مسبقة. |
| 2020 (أكتوبر) | الحكومة الانتقالية برئاسة ” باه نداو” | إبداء استعداد لفتح حوار يهدف لوقف إطلاق النار، وتسهيل العمل الإنساني، وخفض التوترات. |
| 2021 | دور الوسطاء الاجتماعيين | صعود الإمام “محمود ديكو” كوسيط غير رسمي، داعيًا إلى هدنة وحوار شامل، في ظل قناعة متزايدة بأن الدولة عاجزة على حسم صراع طويل الأمد عسكريًا. |
| 2024 | إلغاء اتفاق الجزائر وتجميد الحوار | إعلان المجلس العسكري برئاسة الجنرال “آسيمى جويتا” في مالي إنهاء اتفاق الجزائر مطلع عام 2024، معتبرًا أنه لم يعد يخدم وحدة الدولة أو الأمن الوطني. |
ثالثًا: التداخل الإقليمي والدولي وحدود استقلال المعارضة
لا تتحرك المعارضة في فراغ وطني، بل تتقاطع مساراتها مع بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتسم بتصاعد حدة التنافس الدولي، وتغير خرائط الوساطة التقليدية؛ مما يجعل أي حراك سياسي أمام اختبار التوازن بين الاستقلال الوطني ومتطلبات التفاعل الخارجي. حيث تحتل الجزائر دورًا مركزيًا في أي مسار تفاوضي في مالي؛ نظرًا لموقعها الجغرافي، وتجربتها التاريخية في رعاية اتفاقات السلام؛ حيث تتابع الجزائر باهتمام تطورات قضية أزواد، وعبرت عن قلقها من أن يفاقم الخيار العسكري الذي تتبناه باماكو، المطالب القائمة على الهُوية في شمال مالي، الذي قد يمتد تأثيره إلى جنوب الجزائر. ويعزز هذا الدور وجود الإمام “محمود ديكو” على أراضي الجزائر منذ ديسمبر 2023، وعضويته في المجلس العلمي للجامع الأعظم بالعاصمة؛ مما يمنح البلاد بعدًا إضافيًا في الوساطة، خاصة في ظل التوترات الدبلوماسية الأخيرة بين البلدين، ومن أبرزها حادثة 31 مارس 2025، حين أسقط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيرة مالية على الحدود؛ مما أثار اتهامات متبادلة بين الطرفين؛ إذ نددت باماكو بالحادثة واعتبرتها عدوانًا مباشرًا، بينما اتهمت الجزائر مالي بانتهاك المجال الجوي بشكل متكرر. وفي سبتمبر2025، تقدمت باماكو بطلب إلى محكمة العدل الدولية، تتهم فيه الجزائر بإسقاط الطائرة.
ويتزامن تطور المشهد السياسي في مالي مع إعادة تشكيل واضحة لموازين النفوذ الدولي، في أعقاب تراجع حضور القوى الدولية التقليدية (فرنسا – الولايات المتحدة)، مقابل تنامي الحضور الروسي والصيني، في ظل مواصلة المجلس العسكري الحاكم تعزيز تحالفاته مع روسيا على حساب أنماط التعاون السابقة مع فرنسا ودول الجوار، وهو ما أفضى إلى توترات دبلوماسية متزايدة، شملت أزمة ثقة مع الجزائر وكوت ديفوار. في حين شهدت العلاقات مع موريتانيا تصعيدًا انتهى إلى إغلاق الحدود بين البلدين. وفي المقابل، عملت باماكو على توطيد شراكاتها مع دول النيجر وبوركينافاسو ضمن تحالف دول الساحل (AES)، الذي تقدم من خلاله هذه الدول نفسها ككتلة إقليمية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة بعيدًا عن أنماط الوصاية الخارجية. بالتالي، يُنظر إلى بعض قوى المعارضة بوصفها أدوات ضغط محتملة في صراع النفوذ الدولي حول مالي.
حاصل ما تقدم، يعكس بروز ائتلاف القوى من أجل الجمهورية عمق الأزمة السياسية في مالي ومحاولات إعادة تنظيم المعارضة في ظل انسداد المسار الانتقالي، غير أن فرص نجاحه تظل مرتبطة بقدرته على الموازنة بين العمل السياسي الداخلي وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، وتجنب الاستقطاب أو التوظيف الخارجي، مع الحفاظ على أولوية الحوار الشامل لمعالجة جذور الأزمة البنيوية. وفي هذا السياق، يُرجح أن يظل مستقبل الائتلاف، كما المسار السياسي في مالي عمومًا، رهين تفاعل معقد بين تآكل الشرعية من جهة، وموازين القوة التي تميل لصالح المؤسسة العسكرية واستمرار التحديات الأمنية وحدود القبول الإقليمي والدولي بخيارات الحوار مع الجماعات المسلحة من جهة أخرى، بما قد يفضي إلى استمرار حالة من “الاستقرار الهش” تتعايش فيها سلطة انتقالية ممتدة مع معارضة متنامية دون اختراق سياسي حاسم، إلى أن تتبلور تسوية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الأمن والشرعية وتفتح مسارًا تدريجيًا لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر شمولًا وتوافقًا.
باحث أول بوحدة الدراسات الأفريقية






























