حمل كتاب “الحروب السيبرانية في الشرق الأوسط والعالم” في طياته تغطية متنوعة لأهم ملامح الحروب والمواجهات السيبرانية عالميًا وإقليميًا. هذا الموضوع الذي تتزايد أهميته؛ بسبب التطور التكنولوجي المتسارع الذي يولد تهديدات سيبرانية غير مسبوقة وعميقة على الأمن القومي للدول المختلفة. وعليه؛ فإن الكتاب سيأخذنا في رحلة معرفية موسعة لتتبّع كافة أبعاد وأشكال الحروب السيبرانية.
ناقش الفصل الأول من الكتاب “مفهوم الحروب السيبرانية: تأصيل نظري” الأبعاد المختلفة لمفهوم الحروب النظرية، سواء من خلال تعريف المفهوم ونشأته والمفاهيم المتداخلة معه كالجرائم والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية مبينًا أوجه التداخل والاختلاف بينهم. ووضح كذلك أسباب اللجوء لتلك الحروب، والخصائص المميزة لها عن غيرها من أساليب الهجوم والحروب، مقدمًا أمثلة لأهم الهجمات السيبرانية العالمية وما خلفته من تأثيرات تبرز الآثار المدمرة لتلك الحروب، واختتم الفصل بسرد أهم السبل المتبعة دوليًا لتخفيف مخاطر الحروب السيبرانية.
بينما ركز الكتاب في فصوله التالية على النماذج الدولية والإقليمية لتلك الحروب، ولم يبرز فقط نماذج المواجهة بين الدول، إلا أنه تطرّق إلى استخدام تلك الحروب من الفاعلين من غير الدول سواء الرسمية كحزب الله في لبنان، أو غير الرسمية كتنظيم داعش. وهو ما يبرز الاستخدام الموسّع لتلك الحروب بشكل متزايد.
ففي فصوله الأربعة، من الفصل الثاني للخامس، توالى عرض نماذج الحروب السيبرانية بين الدول. فركّز الفصل الثاني والذي أتى بعنوان: “البعد السيبراني في الحرب الروسية- الأوكرانية: وإعادة صياغة معادلة الصراع في أوروبا” على التهديدات الروسية السيبرانية لأوكرانيا بشكل خاص وعلى أوروبا بشكل عام، فوضح الهجمات والحروب السيبرانية التي وجهتها روسيا لأوكرانيا، وتطرّق لسبل المواجهة الأوكرانية والغربية لتلك الهجمات ولأي مدى كان ولا يزال هذا النوع من الحروب مؤثرًا على مسار الحرب الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
بينما تعرّض الفصل الثالث المعنون بـ “حدود الحرب السيبرانية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين” للمواجهة بين القوتين المتنافستين الأكبر عالميًا على المستوى السيبراني. فبالرغم من أن المواجهة بين البلدين لم ترتقِ لمواجهة عسكرية مباشرة، فإن ذلك لم يمنع من تعدد أشكال وساحات المواجهة بين البلدين، ويُعد من أهم تلك الساحات هو الفضاء السيبراني. وعليه، فقد بيّن الكتاب الاهتمام المتزايد الذي أولته البلدان لتطوير سبل التعامل مع هذا الفضاء؛ بتتبع الاستراتيجيات المتبعة لتعزيز الأمن السيبراني. بالإضافة لوقوف الفصل على أبرز الهجمات السيبرانية التي وجهتّها كل دولة للأخرى، وقدّم الفصل في الختام تقييمًا عامًّا لما تحمله تلك المواجهات السيبرانية بين البلدين.
وانتقل الفصل الرابع الذي أتى تحت عنوان: “حروب التجسس: أبعاد وتداعيات التجسس السيبراني الصيني على الدول الأوروبية” ليركز على المواجهة الأوروبية الصينية، وإن كانت في طبيعتها أقل حدة عن نظيرتها الأمريكية، إلا أن هذا لم ينفِ آثارها التخريبية التي خلّفها السلوك السيبراني العدواني الصيني والذي تجّسد في شكل خفي عن طريق الانخراط في عمليات تجسس واسعة على أوروبا. وعليه؛ ناقش الفصل مفهوم التجسس السيبراني، وتتبع أبرز عمليات التجسس السيبراني الصيني على الدول الأوروبية، ومحاولة توضيح الأهداف الصينية وراء ذلك، مع التعليق على ما سيئول له هذا التصعيد المتنامي في توجيه الاتهامات للصين مؤخرًا من قبل الدول الأوروبية على العلاقات بينهم.
وأفرد الكتاب قسمًا معتبرًا منه للتركيز على السلوك الإسرائيلي السيبراني باعتباره إحدى أهم أدوات الهجوم التي استخدمت ولا تزال تُستخدم من قبل الجانب الإسرائيلي. حيث غطى الكتاب من الفصل الخامس للسابع، أبرز المواجهات الإسرائيلية في محيطها. فتتبع الفصل الخامس المعنون بـ: “حروب الظل: حدود التصعيد الإيراني- الإسرائيلي في الفضاء السيبراني” المواجهة بين إسرائيل وإيران، مستعرضًا أبرز الهجمات السيبرانية المؤثرة بين الجانبين، وما حملته من دلالات وسمات مميزة عن أي من المواجهات الأخرى بين الجانبين.
وركز الفصل السادس: “التصعيد السيبراني بين إسرائيل وحزب الله” الذي انتقل الكتاب به من تتبع المواجهات على مستوى الدول لمستوى المواجهة بين الفواعل من الدول ومن غير الدول، وأفرد الفصل جُل تحليله للحادثة الأبرز في الاختراقات السيبرانية من قبل إسرائيل وهي “حادثة البيجر” لما حملته من دلالات مخيفة على الحد الذي يمكن أن تذهب له الحروب السيبرانية.
ومهد الفصلان السابقان للفصل السابع الذي تعمّق في دراسة النموذج الإسرائيلي؛ حيث أتى الفصل بعنوان: “الاستراتيجيات والأدوات الذكية في الحروب الافتراضية: دراسة في الحالة الإسرائيلية” والذي تعرّض بالتفصيل للاستراتيجيات والأدوات السيبرانية المستخدمة من قبل الجانب الإسرائيلي بالجانبين الهجومي والدفاعي، مع توضيح دوافع استثمار العسكرية الإسرائيلية الكثير في أدواتها السيبرانية، وكذا تركيز نموذج الحرب الإسرائيلية السيبرانية في حربها الأخيرة ضد الجانب الفلسطيني، وفي ضوء دراسة النموذج الإسرائيلي، اختُتم الفصل بتقديم عدد من التوصيات لصانع القرار العربي عن سبل المواجهة مستقبلًا لمثل تلك التهديدات السيبرانية الإسرائيلية.
واستطرد الفصلان الثامن والتاسع في تتبع أنماط التهديدات التي تخلفها استخدامات الفاعلين من غير الدول للهجمات السيبرانية. حيث أشار الفصل الثامن: “الحروب السيبرانية بالوكالة: الأبعاد والتحديات وفرص المواجهة” إلى دور مجموعات القرصنة كإحدى الأدوات للحروب السيبرانية بالوكالة، موضحًا سماتها المميزة وأسباب لجوء عديد من الدول لها في صراعاتهم مع دول أخرى، والحجم المتصاعد لتهديد تلك المجموعات عالميًا، والذي يزيد من تهديده حجم التحديات التي تقابل الدول في مواجهة تلك المجموعات، منتقلًا في الختام لوضع تصور للمستقبل المحتمل لهذا النمط من الحروب.
بينما ركّز الفصل التاسع: على بُعد آخر من التهديدات السيبرانية من الفاعلين من غير الدول، وعنوانه: “الإرهاب الرقمي: القدرات السيبرانية للتنظيمات الإرهابية (داعش نموذجًا)”. حيث كّثف الفصل تحليله لنموذج داعش كأحد أكثر التنظيمات الإرهابية خطورة عالميًا، والأكثر انخراطًا في استخدام الأدوات السيبرانية. فعدّد وبيّن الفصل الأساليب والأدوات السيبرانية المختلفة الذي لجأ لها التنظيم كالدعاية عبر المنصات الرقمية، واستخدام الطائرات بدون طيار في عملياته، واستغلاله للعملات الرقمية في التمويل، ولألعاب الفيديو في الاستقطاب والتجنيد.
فيما قدّم الفصل الأخير: “اتجاهات الحروب السيبرانية: نتائج مستخلصة” الاتجاهات المختلفة لتعريف الحروب السيبرانية، وكذلك اتجاهات الحروب السيبرانية وفقًا لما استعرضه الكتاب في الفصول التسعة السابقة، مقدمًا خُلاصات مركزة لمستقبل تلك الحروب على المستوى الدولي.