يقدم كتاب “آسيا: تحولات الداخل والخارج” مجموعة من الإسهامات التحليلية المهمة التي بإمكانها أن تساعد في فهم التحولات الكبرى التي تشهدها القارة الآسيوية، والتي يعد من أهمها انتقال موازين القوى من الغرب إلى الشرق، نتيجة للصعود الآسيوي، والذي لا يرتبط بالضرورة بالصعود الصيني، وإنما تشهد القارة الآسيوية صعودًا لقوى أخرى كالهند واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وفيتنام.
تنبع أهمية القارة الآسيوية من كونها قارة المستقبل، ليس فقط لأنها أكبر قارة في العالم جغرافيًا وديموغرافيًا، وإنما لأنها أصبحت قاطرة النمو الاقتصادي في العالم؛ إذ تشكل دول آسيا والمحيط الهادي نسبة 54% من الناتج الاقتصادي الإجمالي للعالم، ونسبة 44% من التجارة الدولية.
وفي ضوء ما تقدم، أصبحت القارة ساحة رئيسية للتفاعلات بين القوى الفاعلة في النظام الدولي، وذلك في إطار الجهود الرامية للانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب. ومن ثم، تبرز الأهمية لدراسة التجربة الآسيوية الصاعدة وما حققته من منجزات اقتصادية وتنموية وعلمية، تُمكنها من الإسهام في تشكيل نظام متعدد القطبية، تتمتع فيه هذه القوى بمواقع متقدمة.
وبناءً عليه، يناقش الفصل الأول بعنوان: “الاقتصاد الصيني بين التحديات وآفاق النمو المستقبلي” آليات ومراحل النمو الاقتصادي الصيني، الذي لم يكن ليتحقق لولا حرص قادة الصين على الدمج والتوازن بين الانخراط في النظام الاقتصادي العالمي والدور التوجيهي للدولة، فضلًا عن التركيز على جذب الاستثمار لا سيما في المجالات المتعلقة بالتكنولوجيا. وفي هذا الإطار، يتناول هذا الفصل أيضًا تطور السياسات الاقتصادية التي تبنتها الصين لتحقيق معجزتها الاقتصادية الفريدة، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه آفاق النمو الاقتصادي الصيني وكيفية معالجتها والتغلب عليها.
ويبحث الفصل الثاني بعنوان: “ساحة المواجهة: التنافس الصيني الأمريكي في منطقة المحيطين (الهندي – الهادئ”، في مساعي واشنطن لاحتواء الدور المتنامي للصين، خاصة مع تحول مركز ثقل القوة العالمية إلى آسيا، وهو الأمر الذي أسهم في إشعال حدة المنافسة بين واشنطن وبكين. وفي هذا السياق، ترى الولايات المتحدة بأن مساعي الاحتواء ينبغي أن تتركز في بدايتها على منطقة المحيطين الهندي – الهادئ. إذ تعتبر واشنطن أن طريق بكين نحو الهيمنة الدولية يبدأ بتحقيقها لهيمنة ما على هذه المنطقة، فيما ترى الصين أن المنطقة تمثل مجالها الحيوي الذي لا بد أن يخضع لنفوذها الحصري، دون تدخل لأي أطراف أخرى. وبناءً عليه، يبحث هذا الفصل في الرؤى المتباينة لواشنطن وبكين تجاه منطقة المحيطين (الهندي – الهادئ)، وتحركاتهما المتنافسة في منطقة المحيطين (الهندي- الهادئ).
ويتضمن الفصل الثالث بعنوان: “الدور المتصاعد للهند على الساحة العالمية”، الصعود الهندي على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال بحث مدى أهميتها الجيوسياسية، ومسار نموها الاقتصادي، وما أصبحت تتمتع به من قوة ديموغرافية هائلة بما يمنح البلاد فرصة لاستغلال الطاقات الشابة في تعزيز الإنتاجية وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية. ويناقش الفصل أيضًا قدرات الهند العسكرية والدور المهم والطموح لرئيس الوزراء “ناريندرا مودي، والذي دفع البلاد نحو التحول من “دولة ناشئة” إلى “قوة رائدة”. كما تطرق الفصل إلى السياسة الخارجية الهندية ذات الانحياز المتعدد، مع تسليط الضوء على العلاقات المصرية الهندية. وناقش أيضًا أبرز التحديات التي تواجه الدور الهندي على الصعيدين الوطني والدولي.
فيما يستعرض الفصل الرابع بعنوان: “استراتيجية “دوي موي” والدمج بين الشيوعية والاقتصاد الحر: فيتنام نموذجًا”، النموذج التنموي لفيتنام، والذي يقدم تجربة فريدة لنهوض الدول من حالة الانهيار الكامل إلى النمو والاستمرار والتنمية الاقتصادية. فقد شهدت فيتنام على مدار الأربعة عقود الماضية تحولات لافتة سياسيًا، واقتصاديًا، دفعت القيادة السياسية نحو اتباع نموذج اقتصادي محدد، واستراتيجية تنموية واضحة المعالم، تستند إلى مبدأ “اقتصاد السوق ذات التوجه الاشتراكي”، والذي يعني الحفاظ على السيادة السياسية للحزب الحاكم مع فتح المجال تدريجيًا أمام حرية الأسواق والتجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي المباشر، وتعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. وفي هذا السياق، يناقش هذا الفصل النموذج التنموي لفيتنام منذ عام 1941 وحتى عام 2023، من خلال تحليل الأيديولوجية الاقتصادية الفيتنامية، ومحفزات نجاح الاستراتيجية الاقتصادية الفيتنامية، وأبرز التحديات الماثلة أمام نموذج فيتنام التنموي.
ويتناول الفصل الخامس بعنوان: “ ضبط الصراع: التحوط الفلبيني في بحر الصين الجنوبي”، التوترات الصينية الفلبينية في بحر الصين الجنوبي. فخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت الفلبين اهتمامًا متزايدًا من جانب القوى الدولية الفاعلة في منطقة جنوب شرق آسيا، نتيجة لمناوشاتها المتواترة مع بكين؛ إذ باتت الاشتباكات “المحدودة” بين قوات خفر السواحل الصينية والفلبينية، وتصادم سفنهما داخل المناطق المتنازع عليها في “جزر سبراتلي” ببحر الصين الجنوبي، مشهدًا متكررًا. ومع ذلك، تثير هذه الاشتباكات المتواترة مخاوف بشأن احتمالات خروج الأوضاع عن السيطرة في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه بين عديد من الأطراف. وفي هذا الإطار، يبحث هذا الفصل في طبيعة النزاع حول بحر الصين الجنوبي، وأبعاد تطور المواجهات الصينية الفلبينية، وسياسات التحوط الاستراتيجي للفلبين، ويُختتم الفصل بتوضيح محددات الحركة المستقبلية لمانيلا في إطار هذا النزاع.
ويبحث الفصل السادس بعنوان: “المشهد الإرهابي في أفغانستان في ظل إمارة طالبان الثانية: رؤية تقييمية”، في احتمالات تحول أفغانستان مجددًا إلى بؤرة نشطة للإرهاب الدولي، وما إذا ستستطيع حركة طالبان وقف زحف أي تهديدات إرهابية قد تنطلق إلى الخارج. وفي هذا الإطار، يقدم هذا الفصل رؤية تقييمية لحالة الإرهاب في أفغانستان في ظل إمارة طالبان الثانية، وذلك من خلال استعراض خريطة أبرز التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الجغرافيا الأفغانية ملاذًا لها في الوقت الراهن، بجانب توضيح كيف تتعامل حركة طالبان مع تلك التنظيمات، بالإضافة إلى استشراف مستقبل النشاط الإرهابي في أفغانستان في ظل حكم طالبان.
وأخيرًا، يناقش الفصل السابع بعنوان: “اتجاهات التصعيد في شبه الجزيرة الكورية”، تطورات حالة التصعيد والتصعيد المضاد في شبه الجزيرة الكورية. فمن المتعارف عليه أن التوترات بين الشمال والجنوب قائمة منذ نهاية الحرب الكورية عام 1953، والتي انتهت بتوقيع الطرفين على اتفاق هدنة وليس معاهدة سلام، بما يعني أنهما لا يزالان في حالة حرب. وتظل المنطقة المنزوعة السلاح، وهي منطقة عازلة بطول 250 كم بين الكوريتين، هي الحدود الدولية الأكثر عسكرة في العالم. وبناءً عليه، ظلت العلاقات بين الكوريتين، تشهد، طوال العقود الماضية، توترات تتصاعد في بعض الأحيان لتقترب من نقطة الصدام العسكري، ثم يتخذ الطرفان قرارًا بالتراجع عن حافية الهاوية. وفي هذا السياق، يتناول هذا الفصل السياق الحاكم للتصعيد، وحسابات الموقف الكوري الشمالي، ومؤشرات ومظاهر التصعيد، وسيناريوهات ومسارات التصعيد المحتملة.






























