مثلت الحرب الاقتصادية التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على شركائها مطلع 2025 عاملًا كاشفًا للمراكز الاقتصادية للدول المختلفة في الاقتصاد العالمي، وكان اختيار الاقتصاديات التي تم استهدافها ترجمة لأهمية الوزن النسبي الذي تمثله هذا الدول في حركة التجارة الدولية والاستثمار والتصنيع والقدرات التكنولوجية، ليعكس ذلك خريطة الدول الفاعلة في حركة الاقتصاد العالمي والدول التي على هامشه.
و قد أفرزت هذه الخريطة تقسيمًا جديدًا لا يعتمد فقط على البيانات الإحصائية لقياس مدى تأثير الدول في الاقتصاد العالمي؛ مثل حجم الناتج الإجمالي و مدى إسهامه على المستوى العالمي أو نسبة الإسهام في التجارة الدولية وإنما يعتمد هذا التقسيم على دور الدولة الوظيفي (إذا صح التعبير) الذي يعكس تأثيرها في حركة الاقتصاد العالمي وفقًا لنموذجها التنموي.
وتوضيحًا لذلك فقد نرى دولًا يوفر لها النموذج التنموي المتبع تفوقًا في نسبة إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي العالمي والتجارة الدولية ولكن دورها يقتصر على كونها موردًا للطاقة أو مركزًا تصنيعيًا بتكنولوجيا ومعرفة أجنبية وبالتالي لا تمثل هذه الاقتصاديات عنصرًا فاعلًا يؤثر في تطور الاقتصاد العالمي بالقدر الذي تمثله الاقتصادات التي تقود الابتكار والتطوير والإنتاج الصناعي القائم على المعرفة، والمتضمن الجوانب الحاسمة في الريادة الاقتصادية مثل تكنولوجيا المعادن النادرة والحوسبة الكمية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية والهيمنة على ممرات التجارة..إلخ.
وقد كشفت الصراعات الاقتصادية عام 2025 الدور الحاسم لهذه الجوانب في الريادة الاقتصادية والتأثير على الاقتصاديات الأخرى، و هو ما جعل الدول التي لاتمتلكها في خانة أكثر هشاشة باعتبارها خرجت من مربع الفاعلين بالمنطق الجديد بالرغم من بياناتها الاقتصادية الإحصائية التي توهم بفاعليتها في القرار الاقتصادي العالمي.
ووفقًا لهذا المفهوم فقد كشفت الحرب الاقتصادية عام 2025 عن تقسيم تم فيه تصنيف دول العالم وظيفيًا في ثلاث مجموعات كما يلي:
أولًا: مجموعة الدول الفاعلة: والتي تمتلك قدرات وقاعدة تكنولوجية ومعرفية تقود بها التطور والتأثير في مناحي الاقتصاد المختلفة، ولديها القدرة على منحها أو حجبها عن الحلفاء والمنافسين؛ حيث تركز على الريادة أو على الأقل أن تكون فاعلًا رئيسيًا منافسًا في مختلف مناحي الاقتصاد وما يرتبط به من مسارات التجارة ومصادر التوريد للخامات الحرجة في التطور الصناعي العالمي وإمدادات الطاقة، كما أنها توجه سياساتها التجارية نحو فتح الأسواق المهمة لمنتجاتها، وتأمين مصادر التوريد، وكذا تشكيل تحالفات (لتأمين مصادر التوريد والأسواق والشركاء التكنولوجيين) بما يخدم سلاسل القيمة فضلًا عن توظيف الاقتصاديات الأخرى لخدمة هذه الأهداف تحقيقًا للريادة الاقتصادية (الولايات المتحدة الأمريكية والصين مثالًا) .
ثانيًا: مجموعة الدول الإنتاجية التابعة: والتي تتبع نموذجًا يتم من خلاله توظيفها لتمثل جانب الإنتاج الوفير بتكاليف مناسبة للاقتصاد العالمي ولكنها تفتقر إلى الابتكار أو إنتاج المعرفة من الداخل وتقوم بالتصنيع لصالح علامات تجارية لا تمثل الدولة المنتجة لتصبح رهينة للتقلبات العالمية.
وبالرغم مما تمثله الضخامة الرقمية لصادرات هذه الدول من مردود إيجابي، فإنه يضع اقتصادياتها في وضعية “التابع الهش”؛ حيث تظل هذه الصادرات رهينة لقرارات الشركات العالمية العابرة للحدود وقد تضطر إلى المبادرة بتقديم تنازلات مسبقة للحفاظ على عوائدها التصديرية التي تمثل رقمًا مهمًا وحرجًا في الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي (بنجلاديش مثالًا).
ثالثًا: مجموعة الدول ذات الفوائض المالية: حيث تتيح لها هذه الفوائض اتباع نموذج يتم توظيفه من جانب الدول الفاعلة في أكثر من جانب كسوق نشط يمثل طلبًا فاعلًا للمنتجات الاستهلاكية ومصدرًا لموارد الطاقة وسوقًا للصناعات الدفاعية وأيضًا كمصدر لتوفير تمويل لاستثمارت مهمة، ويمكن للدول الفاعلة إشراكها في هذه الاستثمارات دون تمكينها من أن تمتلك ناصية المعرفة التكنولوجية الحرجة لهذه الاستثمارات (الدول النفطية مثالًا).
لذا؛ فقد كان سلاح الحرب التجارية التي أطلقت سهامها أوائل عام 2025 كاشفًا لهذا التصنيف الذي أوضح مراكز الاقتصاديات المختلفة وهو ما انعكس على خريطة أولويات استهدافات الإدارة الأمريكية التي ركزت بصورة أكبر على دول المجموعة الأولى باعتبارها منافسًا مباشرًا على الريادة الاقتصادية ومؤثرًا في مناحي الاقتصاد العالمي من مسارات تجارة وجذب مراكز التصنيع والاستثمارات وسيطرة على الموارد وتطوير للصناعات الدفاعية والحفاظ على الأسواق التصديرية وفتح أسواق جديدة والتفوق التكنولوجي والمعرفي.
بينما أضحت دول المجموعة الثانية تمثل نموذجًا جعل منها مسرحًا للصراعات الاقتصادية للدول الفاعلة وأصبح الاقتصاد رهينة لقرارات الشركات الأم، وعرضة لصدمات “إعادة التوطين” ، التي تتحرك من مقصد استثماري إلى آخر وفقًا لتحركات التعريفات الجمركية المفروضة على الأسواق المصدرة؛ مما اضطرت معه هذه الدول لتقديم تنازلات والتحرك في مساحات توازن فيها علاقاتها الاقتصادية مع الدول الفاعلة (التي تمثل أسواقًا تصديرية مهمة لها)؛ حيث لا يتوفر لها المرونة الكافية للمناورة في ضوء اعتماد اقتصادياتها على الصادرات كمكون رئيسي في هيكل اقتصادها.
أما دول المجموعة الثالثة فقد وفرت لها الفوائض المالية حصنًا ضد التقلبات الاقتصادية ومصدرًا للتدفقات المالية الاستثمارية تستفيد منها اقتصاداتهم واقتصاديات الدول الفاعلة، فضلًا عن تعزيز قدراتهم الشرائية على المستوى المدنى والعسكري وفاعليتهم في توازن سوق الطاقة العالمي، لترسم هذه الفوائض ملامح دورها في منظومة الاقتصاد العالمي.
ماذا عن مصر ؟
و هنا يبرز التساؤل عن موقع الاقتصاد المصري في هذا الزخم العالمي.. وللتعرف على ذلك فيتعين قراءة المشهد المصري عبر عدسة نموذج النمو (3i) الذي طرحه البنك الدولي كنموذج لانتقال الدول إلى مصاف الدخل المرتفع، (وأشارت إليه السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية)
والذي يتدرج عبر ثلاث مراحل تراكمية مترابطة يتمثل أولها: في مرحلة الاستثمار(Investment) : حيث يتم التركيز على تكثيف الاستثمارات في البنية التحتية المادية ورأس المال البشري والثاني: مرحلة الضخ التكنولوجي (Infusion) ليتم المزاوجة بين الاستثمار ونقل وتوطين المعرفة التكنولوجية من الخارج، بينما تتمثل المرحلة الثالثة: في مرحلة الابتكار(Innovation): التي تتضمن التحول إلى إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا محليًا لتعزيز التنافسية الدولية.
و قد حقق الاقتصاد المصري إنجازًا في مرحلة الاستثمار (Investment) في البنية التحتية، وتقدم ملحوظ في مرحلة الضخ (Infusion) عبر جذب استثمارات توطن المعرفة والتصنيع (وهو ما يمثل قاعدة صلبة)، إلا أن الاقتصاد المصري لا يزال في حاجة إلى تطوير النموذج الاقتصادي الحالي من خلال التحول الاستراتيجي نحو المرحلة الثالثة: الابتكار (Innovation)، والتي تعني إنتاج المعرفة والابتكار من الداخل للصناعات الوطنية وعدم الاقتصار على نموذج قائم على تراكم رأس المال فقط و”استهلاك التكنولوجيا” بل “إنتاجها”. محليًا وتسويقها عالميًا.
لذا؛ فيمكن القول إن موقع الاقتصاد المصري في هذا الزخم يتمثل في كونه يمثل سوقًا إقليميًا نشطًا من الجانب الاستهلاكي ورقمًا حرجًا في مسارات التجارة الدولية، كما أنه ملاذ للاستثمارات التي تسعى لإعادة التمركز في مقصد لديه قنوات نفاذ إلى الأسواق العالمية، فضلًا عما يتوفر به من قاعدة معرفية يعززها جيل جديد من العقول المصرية التي تزخر بها الشركات الدولية في مصر وخارجها.
وبالنظر إلى تأثيرات الحرب الاقتصادية على النماذج التنموية المختلفة فيتمثل الاستنتاج الأبرز في أهمية أن يسعى الاقتصاد المصري للتحول الاستراتيجي إلى إنتاج المعرفة والابتكار من الداخل لينتقل إلى أعتاب الدول الفاعلة ولو على المستوى الإقليمي، على أن يكون ذلك مقترنًا بسياسات صناعية وتجارية نشطة تعزز حضورًا مؤثرًا على الساحة الاقتصادية العالمية.
وختامًا، فإن ما أفرزته الحرب الاقتصادية الجارية حتى الآن يمثل جرس إنذار للاقتصاديات التي تأثرت بها لتقوم بمراجعة نماذجها التنموية والخروج من دائرة الهشاشة بقواعد إنتاجية وطنية متنوعة وكيانات محلية قوية تنقلها إلى دائرة الاقتصاديات الفاعلة أو على الأقل المحصنة من أي تقلبات والأقل عرضة للضغوط والأكثر استقلالية في قرارها الاقتصادي.
مدير برنامج الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة































