وحدة الدراسات الأمريكية

هل تتخلى موسكو وواشنطن عن معاهدة الأجواء المفتوحة؟

تتجه روسيا لاستكمال إجراءات انسحابها من معاهدة الأجواء المفتوحة، منتصف يوليو القادم، بعد أن أعلنت الخارجية الروسية شروع موسكو الانسحاب من الاتفاقية (منتصف يناير 2021)، في خطوة تأتي ردًا على انسحاب واشنطن من المعاهدة (نوفمبر 2020)، وهو تصعيد يُنذر بدخول القوتين الكبريين مرحلةً جديدة من سباق التسلح، والأخطر هو وجود قوة صاعدة كبرى كالصين ستنخرط بشكل أو بآخر في هذا السباق الخطير. طبيعة المعاهدة تُعد معاهدة الأجواء المفتوحة (Treaty on Open Skies) أحد أبرز الترتيبات الدولية التي تم صياغتها للحد من تنافسية القوى الكبرى وتأثيراتها السلبية على الأمن والسلم الدوليين. وقد عرض الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” الفكرة لأول مرة بمؤتمر جنيف…

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح

تتجه روسيا لاستكمال إجراءات انسحابها من معاهدة الأجواء المفتوحة، منتصف يوليو القادم، بعد أن أعلنت الخارجية الروسية شروع موسكو الانسحاب من الاتفاقية (منتصف يناير 2021)، في خطوة تأتي ردًا على انسحاب واشنطن من المعاهدة (نوفمبر 2020)، وهو تصعيد يُنذر بدخول القوتين الكبريين مرحلةً جديدة من سباق التسلح، والأخطر هو وجود قوة صاعدة كبرى كالصين ستنخرط بشكل أو بآخر في هذا السباق الخطير.

طبيعة المعاهدة

تُعد معاهدة الأجواء المفتوحة (Treaty on Open Skies) أحد أبرز الترتيبات الدولية التي تم صياغتها للحد من تنافسية القوى الكبرى وتأثيراتها السلبية على الأمن والسلم الدوليين. وقد عرض الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” الفكرة لأول مرة بمؤتمر جنيف عام 1955، بصيغة معاهدة ثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ثم طرحها الرئيس “بوش الأب” مجددًا كمقترح متعدد الأطراف في مايو 1989، وبدأت المفاوضات الرسمية حولها في أوتاوا (فبراير 1990) وبودابست (أبريل ومايو 1990)، ولكن غياب الثقة بين الأطراف الدولية أجهض تلك المساعي.

وبموافقة موسكو على فتح أراضيها للمراقبة الجوية (أغسطس 1991)، تهيأ المسرح الدولي لإعادة دراسة موضوع الاتفاق بشكل أكثر جدية، وبدأت جولة جديدة للمفاوضات في فيينا (نوفمبر 1991)، والتي قادت بشكل حاسم لتوقيع المعاهدة بالعاصمة الفنلندية “هلسنكي” في 24 مارس 1992، ودخلت حيز النفاذ عام 2002، وضمت حتى العام الماضي نحو (34) دولة.

كما تتضمن المعاهدة (19) مادةً و(12) ملحقًا إضافيًا، تؤسس وتنظم عمليات استطلاع جوية منزوعة السلاح بين الدول الأطراف، بضوابط فنية وإدارية مُحددة؛ للتأكد من الموقف الميداني والعسكري الذي تقوم به كل دولة من الأعضاء على قدم المساواة، عبر الحصول على صور للمنشآت والأنشطة العسكرية من أجل تعزيز الشفافية. ويُنظر للمعاهدة كمنهجية لترسيم إطار للثقة والتعاون بين القوى الكبرى، وبناء منظومة لضمان الامتثال العسكري، بالشكل الذي يحقق إرساء الأمن والاستقرار العالميين.

انسحاب اللاعبين البارزين

نصت معاهدة “الأجواء المفتوحة” على كونها اتفاقية غير محدودة المدة، كما احتفظت للأعضاء بحق الانسحاب منها، بعد أن تقدم الدولة التي تعتزم الانسحاب إخطارًا بقرارها قبل 6 أشهر من تاريخه. وقد شهدت فترة حكم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” جُملة انسحابات من الاتفاقيات والمؤسسات الدولية، بلغت نحو (12) انسحابًا، كان أبرزها الانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة المعروفة بـ”الاتفاق النووي الإيراني” (مايو 2018)، ثم الانسحاب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (أغسطس 2019).

وظهرت أولى بوادر الاتجاه الأمريكي نحو الانسحاب من معاهدة الأجواء المفتوحة حين وردت أنباء عن توقيع “ترامب” مذكرةً بخصوص الانسحاب (أكتوبر 2019)، وأعقب ذلك إطلاع مسئولين أمريكيين أعضاء الناتو على مخاوفهم من الانتهاكات الروسية للمعاهدة (نوفمبر 2019). ثم أعلنت الخارجية الأمريكية انسحابها من “الأجواء المفتوحة” (21 مايو 2020)، وتم تأكيد انسحابها من المعاهدة بعد مدة الـ6 أشهر -وفقًا لنص المادة (15)- لتخرج رسميًا في 22 نوفمبر 2020.

ورفضت موسكو في البداية الاتهامات الأمريكية بانتهاكها بنود المعاهدة، وقدمت عددًا من المقترحات لإعادة تأهيلها وتفعيلها بنمط يحقق الهدف منها. كما أظهرت التصريحات الروسية وجودَ نية لديها للاستمرار بالمعاهدة حال رغبة الأطراف الأخرى بذلك، شريطة التزامها بضمانات توكد إمكانية مراقبة أراضيها بالكامل، وعدم تسريب معلومات الرحلات الاستطلاعية للدول غير المشاركة بالاتفاقية. وكان عدد من الدول الأوروبية قد عبرت عن أسفها لانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، مع إشارتها إلى أنها تتشارك مع واشنطن مخاوفها بشأن عدم احترام موسكو لأحكام المعاهدة.

وقبيل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن”، أعلنت الخارجية البدء بإجراءات انسحاب موسكو من المعاهدة، معللة ذلك بـ”عدم إحراز أي تقدم في إزالة العقبات التي تحول دون استمرار عمل المعاهدة ضمن الشروط الجديدة”، وأكد البيان بدء الإجراءات المحلية (الداخلية) لانسحاب روسيا الاتحادية من معاهدة الأجواء المفتوحة (15 يناير 2021)، في خطوة اعتبرتها تصريحات لاحقة أنها تأتي في إطار الرد بالمثل على الخطوة الأمريكية، وستصبح موسكو بذلك ثاني المنسحبين من المعاهدة، إذا أصرت على موقفها حتى (16 يوليو المقبل).

موقف إدارة “بايدن”

عارض الديمقراطيون منهجية الانسحاب التي تبنتها إدارة الرئيس السابق “ترامب”، وحذر “بايدن” من تبعات الانسحاب من معاهدة الأجواء المفتوحة إبان حملته الانتخابية، رغم تأكيده على وجود انتهاكات روسية، لكنه دعا لتطبيق آليات المراجعة وفض النزاع المدرجة بالمعاهدة، وعدم الجنوح لقرارات تفقد الولايات المتحدة قيادتها للعالم.

وأظهر “بايدن” موقفًا مؤيدًا لاستمرار عضوية الولايات المتحدة بالمعاهدة، حين صرح “لقد أشار حلفاؤنا بكل وضوح إلى أنهم يرغبون في أن نبقى طرفًا في هذه المعاهدة ونعمل معًا على حل مشكلات تنفيذها المتعلقة بروسيا”، ثم حثّه لترامب على ذلك بالقول إن عليه “التحلي بالرزانة والبقاء طرفًا في معاهدة الأجواء المفتوحة”.

ورغم وصول إدارة ديمقراطية برئاسة “بايدن” للبيت الأبيض منذ أكثر من 100 يوم، إلا أنه لم يتخذ أية خطوة تشير لاتجاهه نحو إعادة الولايات المتحدة للمعاهدة. وعلى العكس، بدأت واشنطن بمجموعة أنشطة تؤشر على استبعادها فكرة العودة إليها مرة أخرى، كقرار سلاح الجو سحب طائرتين من طراز بوينج OC-135B من الخدمة وتخريدهما، وهي طائرات تعمل ضمن الفوج المناط بمهمة التحليق فوق الأراضي الروسية وفقًا لمعاهدة الأجواء المفتوحة. 

وتُرجح بعض التقديرات انشغال الإدارة الجديدة بالعديد من الملفات الداخلية، لا سيما تداعيات وباء كورونا، ما يكبح جهود معالجتها للقضايا الدولية بشكل عاجل. كما تشير أخرى الى صعوبة العودة للمعاهدة بالوقت الراهن؛ نظرًا للحاجة لدعم أصوات بعض نواب الكتلة الجمهورية بالكونجرس للتصديق على توقيع بايدن مجددًا على دخولها. كما اقترح البعض عودة واشنطن للمعاهدة عبر إصدار “قرار تنفيذي” من الرئيس “بايدن” لمعالجة الصعوبات التشريعية الراهنة، واستباق نفاد المدة الزمنية للانسحاب الروسي، والتي تنتهي يوليو القادم.

مستقبل الاتفاقية

أولًا- العودة الكاملة: يرتبط هذا المسار بتحرك إدارة “بايدن”، أو إظهارها نية جادة، نحو إعادة انضمام الولايات المتحدة للمعاهدة مجددًا. وأن تستجيب روسيا لذلك المسعى سواء بتعليق قرار انسحابها، أو بتبني تحركٍ موازٍ للعودة الأمريكية، حال تجاوزت مدة الإخطار بالانسحاب وأصبح واقعًا. وهو مسار مُرجح بقوة للأهمية الاستراتيجية لعمل المعاهدة، وأنها تحقق قدرًا من الموثوقية والاحتكاك الإيجابي بين أطرافها، كما توفر بديلًا هامًا لواشنطن يمكن الاستناد إليه في مواقفها وبياناتها عن التحركات الروسية، طالما جنبها الكشف عن قدراتها الاستطلاعية المتطورة عبر الأقمار الصناعية والعمل الاستخباري.

ثانيًا- الجمود المؤقت: يتصل هذا المسار باستهداف موسكو وواشنطن تحقيق مكسب إضافي في سياق إعادة صياغة المعاهدة، أي اكتمال الانسحاب الروسي الأمريكي، وبذلك تصبح المعاهدة بين مجموعة دول متحالفة بالأساس، مما سيفقدها فعاليتها ويستدعي إعادة هيكلة وتأطير الاتفاق مجددًا بشكل يضمن الامتثال الروسي لضوابط المعاهدة، ويحقق لروسيا استمرار هذا الهيكل التعاوني بصيغة أفضل من منظورها. وهو مسار أكثر ترجيحًا لطبيعة المعوقات القائمة بوجه العودة الأمريكية، ورغبة موسكو في الدخول بعملية تفاوضية مع إدارة بايدن تنتهي باختراق جمود العلاقات بعهد إدارة ترامب، فضلًا عن محورية الاتفاقية للقوتين الكبريين والعوائد التي تحققت عنها بالماضي، وأن إعادة تفعيلها سيشكل إحراجًا للطرح الذي تبنته الإدارة السابقة.

ثالثًا- الانهيار التام: يتوقف هذا المسار على مدى مرونة تعاطي موسكو وواشنطن مع هذا الملف، فعدم إبداء أيٍّ منهما تمسكًا باستمرار هذا الإطار التعاوني، سيفرغ المعاهدة من مضمونها، إذ ستنحصر أطرافها في دول متحالفة بالأساس داخل هيكل حلف الناتو، وبقيتها أطراف لا تشكل عمليات الاستطلاع الجوي بينها متطلبًا حيويًا. ولذلك فهذا المسار غير مُرجح بقوة؛ نظرًا للموقف الذي أبداه الرئيس الأمريكي “بايدن” من الانسحاب من المعاهدة، إبان حملته الانتخابية، إلى جانب رهن موسكو انسحابها بموقف واشنطن، أي إنها تعطي مساحة للتراجع عن موقفها إذا بادلتها واشنطن هذا الموقف. بالإضافة لأهمية وجود إطار بهذا النمط للحديث بين القوتين الكبريين، وعدم انتهاج الإدارة الأمريكية الجديدة ذات السياسات التي داومت على انتقاد ترامب بسببها.وفي النهاية، يمكن القول إن معاهدة الأجواء المفتوحة ستكون ملفًا مفتوحًا للحوار بين موسكو وواشنطن، مدفوعًا بقلق أوروبي شديد من انعكاساته على أمن الجوار الروسي، وستظل فُرصة صياغة هيكل موازٍ بصيغة أوروبية-روسية ضئيلة؛ لتخوف الأخيرة من تسرب البيانات للولايات المتحدة، الأمر الذي سيجعل عودة موسكو وواشنطن للمعاهدة، ولو بترتيبات جديدة، هو أقرب الاحتمالات للتحقق.

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح