فرضت القيادة المركزية الأمريكية حصارًا بحريًا على مضيق هرمز تركز بصورة أساسية على منع أي سفن تحمل بترولًا أو سلعًا ومشتقات نفطية إيرانية من الخروج أو الدخول عبر المضيق ، وذلك في محاولة لفرض مزيد من الضغوط على إيران لإعادتها إلى مائدة التفاوض، طبقًا للرؤية الأمريكية لتسوية الصراع. وجاء الموقف الأمريكي على هذا النحو في أعقاب فشل مفاوضات إسلام أباد في التوصل لتفاهمات أكثر جدية، وإصرار إيران على إغلاق المضيق أمام ما يسمى بالدول المعادية وإعلانها عن صياغة نظام جديد للعبور عبر المضيق يكفل حصولها على مقابل أو رسوم لعبور السفن على اختلافها، وهو ما اعتبره الرئيس ترامب تهديدًا للأمن القومي الأمريكي واقتصاديات العالم، فجاءت إجراءاته بفرض هذا الحصار.
وجاء الرد الإيراني على هذا الحصار بتهديد الدول المجاورة، وحديثها عن ضرب الموانئ داخل الخليج وفي بحر العرب، والتلويح كذلك بإمكانية إغلاق مضيق باب المندب، وهو ما يعني تهديدًا للاقتصاد العالمي، الأمر الذي دفع دول أوروبا إلى إعلان أنها سوف تتخذ إجراءات تجاه موقف إيران فيما يتعلق بالمضيق، وفرض عقوبات على طهران. كما جاء الموقف الصيني حادًا بصورة غير مسبوقة ليرفض الحصار، وفي نفس الوقت، يرفض بطريقة غير مباشرة الموقف الإيراني، من خلال تهديد التجارة العالمية.
ورغم أن الإدارة الأمريكية تعلن مرارًا أنها ليست في حاجة إلى بترول وغاز الخليج، فإن دوائر أمريكية مختلفة تشير إلى أن أحد أهداف هذا الحصار ليس فقط حصار إيران ولكن ممارسة ضغوط على الصين التي تستورد حوالي 40% من احتياجاتها البترولية من منطقة الخليج، ومنها 11% فقط من إيران، ولا شك أن الموقف الأمريكي قد ارتبط بصورة كبيرة بفشل التوصل إلى تسوية في الجولة الأولى من المفاوضات التي جرت بين الطرفين؛ وتصاعد الخلاف بين الطرفين ليس على جوهر تسوية الصراع القائم بينهما والعمليات العسكرية، ولكن يلاحظ اختلاف رؤية كل طرف للهدف النهائي من هذه المفاوضات والذي يسعى إليه كل منهما.
ومن الملاحظ أن أمريكا وإسرائيل لم تنجحا في تأمين المضيق خلال العمليات العسكرية، وأن حركة المرور رغم المخاطر العسكرية لم تتوقف تقريبًا، فإيران لم تسعَ إلى إغلاق كامل للمضيق ولا تزال، ولكنها تسعى إلى التحكم فيه. والسؤال هنا: هل ينجح هذا الحصار في ضرب استراتيجية إيران للتحكم في مضيق هرمز ووضع نظام جديد للعبور يرفضه العالم بأكمله؟ وهل يمكن تحقيق ذلك من خلال الحصار العسكري أم من خلال تفاوض دبلوماسي يتم خلاله مساومات بين الطرفين؟
الدوائر العسكرية ترى أنه رغم الحشد العسكري والقدرات للقيادة العسكرية الوسطى الأمريكية، فإنه من الصعب تنفيذ الحصار بصورة كاملة دون توترات عسكرية يمكن أن تنشأ بين الطرفين، فالهدف الإيراني بالدرجة الأولى هو جَعْل الملاحة في المضيق غير آمنة، وهو ما ينعكس بصورة سلبية كبيرة على تدفق التجارة على مستوى العالم وامتلاك إيران أوراق مساومة عالية.
وقد طورت إيران عقيدة بحرية تعتمد على حروب الاستنزاف والمعارك غير المتكاملة. وتؤكد مصادر مختلفة أنه رغم تدمير القوة الأساسية للبحرية الإيرانية، فإن الاستراتيجية الإيرانية فيما يتعلق بمضيق هرمز تعتمد على زوارق الصواريخ الصغيرة التي يصعب رصدها، وأن حوالي 60% من هذه الزوارق لا تزال موجودة، فضلًا عن امتلاك إيران مسيرات بحرية مفخخة يمكنها إعاقة الملاحة أو ضرب الموانئ الخليجية.
ولا شك أن الحصار إذا ما استمر فترة طويلة فسوف يؤدي إلى انكماش اقتصادي في إيران، فالمضيق يُعتبر منفذها الأساسي، ليس فقط لتصدير البترول، ولكن للحصول على كافة احتياجاتها الغذائية. كما أن تهديدها لدول الخليج وما أدت إليه هجماتها على أهداف مدنية في عديد من دول المنطقة، قد رتب مناخ عداء متصاعدًا سوف ينعكس على خسائر إيران من الاستفادة من أسواق الدول الخليجية التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لها، سواء لاستيراد السلع والمواد الغذائية والمصنعة، أوتصدير بعض منتجاتها إليها، وهو ما يزيد من حجم التداعيات الاقتصادية السلبية على إيران. ومن ناحية أخرى فإن إعلان الرئيس الأمريكي العودة إلى التفاوض خلال يومين أو أكثر يشير إلى الملاحظات التالية:
أولًا: أن دوائر صنع القرار في واشنطن والرئيس ترامب بصفة خاصة قد يغيران من نهجهما في التعامل مع إيران؛ حيث كان يتصور أن تلك المفاوضات سيتم خلالها توقيع الوفد الإيراني على وثيقة استسلام بما يعني هزيمة كاملة ونصرًا كاملًا لأمريكا؛ الأمر الذي دفعه إلى تكليف نائب الرئيس الأمريكي برئاسة هذه المفاوضات ليعود بعدها محققًا إنجازًا يُحسب له عند ترشحه للرئاسة.
ثانيًا: أن المراهنة على وفد التفاوض ورئيس مجلس الشورى قاليباف وهو المحرك للأحداث والشخصية الرئيسية في النظام الإيراني -الأمر الذي أشاد به الرئيس ترامب واعتبره نوعًا من التغيير داخل النظام- كان رهانًا غير حقيقي، فالوفد عندما اصطدم بموقف أمريكي متشدد عاد إلى طهران للدوائر المعنية بصورة أساسية في اتخاذ القرار للمراجعة، وهو ما يؤكد أن القوة الصلبة في النظام -التي تتجسد في الحرس الثوري الإيراني والمرتبطين به- لا تزال تتحكم في اتخاذ القرار.
ثالثًا: أنه من المتوقع في الجولة القادمة للتفاوض أن يتعدل هيكل جدول أعمال جلساته، فالحديث عن التخصيب الذي تُصر إيران على أن يصبح حقًا لها يخضع الآن إلى مساومات؛ هل يكون 20 عامًا أم خمسة أعوام؟ ولكن من الواضح أن هناك نوعًا من القبول بأن يستمر التخصيب بدرجة متدنية طبقًا لرقابة صارمة.
وسوف تكون قضية إخراج اليورانيوم المخصب بدرجة عالية قضية صعبة تحتاج إلى تنازلات في مقابلها، والمكان الذي يذهب إليه هذا الوقود. فإيران سوف تصر على تزامن أي تنازل تقدمه فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو فتح مضيق هرمز مع رفع للعقوبات، وقد تكون الأرصدة المجمدة في قطر والتي كانت لدى كوريا الجنوبية، والتي تصل إلى حوالي 8 مليارات دولار، هي التنازل الأول الذي ستحصل عليه، وسوف تبقى قضية الصواريخ الباليستية عقبة رئيسية وصعبة.
الخلاصة، لن يكون الحصار البحري لمضيق هرمز كافيًا لتطوير الموقف الإيراني، كما أن التهديد بعمليات عسكرية يُعد عامل ضغط؛ إذ يخشى النظام من تداعياتها الداخلية، ومن ثم سوف يرتبط نجاح هذه المفاوضات بإدراك النظام الإيراني أن مزيدًا من الحصار والضغط الاقتصادي والعسكري يمكن أن يؤثر على مستقبله، وبالتالي سيسعى إلى محاصرة التهديدات وتقديم تنازلات تتفق ومتغيرات التوازن الإقليمي الذي تبلور بعد العمليات العسكرية الأخيرة؛ الأمر الذي يُرجِّح أن تطرح الجولة القادمة إطارًا جديدًا يمكن أن تحدث فيه تفاهمات في الملفات الشائكة، وإن كان ذلك سيستغرق وقتًا وجولات لاحقة.
