تنمية ومجتمع

حصاد الاستراتيجية القومية لمناهضة ختان الإناث

 أعلنت الحكومة المصرية في عام 2016 عن الاستراتيجية القومية لمناهضة ختان الإناث 2016-2020 وذلك تحت رعاية وزارة الدولة للسكان، إذ كان الهدف العام من الاستراتيجية هو خفض معدلات ممارسة ختان الإناث بنسبة من 10-15% بين الأجيال الجديدة في الفئة العمرية من 0 إلى 19، من خلال دعم مناخ سياسي واجتماعي وثقافي ملائم لتغيير القوالب النمطية والثقافة السلبية السائدة والأعراف الاجتماعية الخاطئة لدى الأسرة المصرية تجاه القضية بما يعزز الحد من عمليات ختان الإناث على مستوى المجتمع المصري. وعلى هذا النحو شارك في تطبيق الاستراتيجية عدد كبير من الهيئات الدولية والوطنية إضافة إلى منظمات المجتمع المدني. فعلى المستوى الوطني شاركت الوزارات…

مي عجلان
باحثة في شئون المرأة والسلام والأمن

 أعلنت الحكومة المصرية في عام 2016 عن الاستراتيجية القومية لمناهضة ختان الإناث 2016-2020 وذلك تحت رعاية وزارة الدولة للسكان، إذ كان الهدف العام من الاستراتيجية هو خفض معدلات ممارسة ختان الإناث بنسبة من 10-15% بين الأجيال الجديدة في الفئة العمرية من 0 إلى 19، من خلال دعم مناخ سياسي واجتماعي وثقافي ملائم لتغيير القوالب النمطية والثقافة السلبية السائدة والأعراف الاجتماعية الخاطئة لدى الأسرة المصرية تجاه القضية بما يعزز الحد من عمليات ختان الإناث على مستوى المجتمع المصري. وعلى هذا النحو شارك في تطبيق الاستراتيجية عدد كبير من الهيئات الدولية والوطنية إضافة إلى منظمات المجتمع المدني. فعلى المستوى الوطني شاركت الوزارات المختلفة مثل وزارة العدل والصحة والداخلية وغيرها من الوزارات، ناهيك عن المؤسسات الدينية الرسمية المتمثلة في الأزهر والكنيسة. 

وقد حظيت جهود مكافحة الختان بدعم العديد من الجهات والمؤسسات الدولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة وبرنامج الأمم المتحدة للمرأة والاتحاد الأوروبي والوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، وغيرها من الهيئات الدولية ذات الصلة.

نظرة عامة على مشكلة ختان الإناث في مصر 

شهدت مصر عددًا من الجهود منذ الخمسينيات، حينما بدأ النقاش حول الختان في الصحف العامة والطبية، إلى جانب العديد من الدراسات التي قام بها بعض الأطباء في الجامعات المصرية، ولكن رغم هذه الجهود والتقدم الذي لا يمكن إنكاره في مناهضة ختان الإناث ورفع الوعي بأضراره، ما زال عدد كبير من الفتيات يخضعن لهذا الإرث الأليم الذي لم ينتهِ إلى الآن، ففي عام 2017 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونسيف” أن نسبة انتشار ختان الإناث في مصر عام 2000 كانت تصل إلى 97%، وسجلت انخفاضًا عام 2015 إلى 92%، ثم إلى 87% عام 2016، إلا أن انتشار تلك الممارسة عاد إلى الصعود إلى نسبة 91% عام 2017 لتحتل مصر بذلك المركز الرابع عالميًا في عمليات ختان الإناث بعد كل من الصومال وغينيا وجيبوتي.

وعلى هذا النحو وفي يونيو من عام 2017 نشرت “مجلة السكان.. بحوث ودراسات” الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 90% من النساء في فئة العمر 18 – 64 عامًا قد تم ختانهن، وتبلغ هذه النسبة حوالي 62% في الفئة 18-19 سنة، و75% في فئة العمر من 20 – 24 سنة، وهو ما يشير إلى وجود تراجع في ممارسة الختان، لكنه تراجع طفيف، وذلك رغم جهود الدولة والمجتمع المدني.

محاور الاستراتيجية 

تناولت الاستراتيجية العمل على ثلاثة محاور، هي: إنفاذ القانون، والتغيير الثقافي، وتطوير نظم المعلومات، ومتابعة وتقييم برامج تمكين الأسرة ومناهضة ختان الإناث. وسيتم تناولها فيما يلي: 

المحور الأول: إنفاذ قانون تجريم ختان الإناث

تناول المحور الأول في الاستراتيجية تفعيل آليات إنفاذ قانون تجريم ممارسة ختان الإناث، ومحاسبة المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة، بالتعاون مع النيابة العامة، وتفعيل لوائح وقرارات وزارة الصحة والسكان الخاصة بالعلاج الحر والتفتيش على المنشآت الصحية الخاصة، وتفعيل دور نقابة الأطباء في حظر ممارسة ختان الإناث، والالتزام بإنفاذ الاتفاقيات الدولية التي تناهض ممارسة ختان الإناث، وهو ما تم تنفيذ بعض بنوده خلال الفترة التي تلت تدشين الاستراتيجية. ففي 2016، جرى تعزيز القانون بشكل أكبر وتشديد العقوبات لتنص على السجن 5-7 سنوات لكل من يرتكب هذه الجريمة، كما تعاقب المادة بالسجن من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات، كل من يصطحب ضحايا تلك الجرائم إلى مرتكبيها، وتشديد العقوبة لمدة قد تصل 15 عامًا إذا ما أدى إجراء ختان الإناث إلى موت الضحية أو أحدث “عاهة مستديمة”. وفي تعديل جديد للقانون عام 2021 تم تغليظ عقوبة ختان الإناث. ويبين الجدول التالي الانتهاكات التي تناولتها القوانين المتتالية، والعقوبات المترتبة عليها.

الجرائم المرتبطة بختان الإناث، والعقوبات المترتبة عليها في التشريعات المتتالية

المخالفةقانون رقم 126 لسنة 2008 القانون رقم 78 لسنة 2016القانون رقم 10 لسنة 2021
تنفيذ الختانحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنتين غرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تتجاوز خمسة آلف جنيهالسجن من خمس إلى سبع سنينالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات
قيام طبيب بإجراء جراحة الختان____________________________السجن المشدد لمدة لا تقل عن 5 سنوات
اصطحاب الضحية________________الحبس من سنة إلى ثلاث سنواتالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات
إحداث عاهة ________________السجن المشددالسجن المشدد لمدة لا تقل عن سبع سنين وإذا كان طبيبًا فالسجن المُشدد لمدة لا تقل عن 10 سنوات
وفاة بسبب الختان________________السجن المشددالسجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنين.وإذا كان طبيبًا فالسجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.
المنشأة التي أُجري فيها الختان____________________________غلق المنشأة وإذا كانت مرخصة تكون مدة الغلق 5 سنوات، مع نزع لوحاتها ولافتاتها، سواء أكانت مملوكة للطبيب مرتكب الجريمة، أو كان مديرها الفعلي عالمًا بارتكابها

وغنيّ عن القول إنه رغم صدور عدد كبير من القوانين منذ الخمسينيات، حيث صدر أول قانون يجرم الختان عام 1959، من خلال القرار رقم 74 لسنة 1959، الذي نص على منع الختان بوحدات وزارة الصحة، ليكون بذلك أول تنظيم لإجراء عملية الختان. إلا أن التغيير المرجو لم يحدث حتى الآن، ويلاحظ أنه منذ ذلك الحين فإن صدور التشريعات المجرمة لختان الإناث تقترن بعمليات الضغط الجماهيري إضافة إلى تحركات المجتمع المدني بسبب وفيات الضحايا الناتجة عن عملية ختان الإناث، فقد صدر القانون رقم ١٢٦ لعام ٢٠٠٨ بسبب وفاة الطفلة “بدور” أثناء عملية ختان الإناث بمحافظة المنيا، وصدر القانون الجديد عام ٢٠١٦ على خلفية وفاة الطفلة ميار محمد في السويس.

ولكن إصدار تلك القوانين لم تكن بالردع النهائي للقضاء على ممارسة ختان الإناث، فوفقًا للدراسة الصادرة عن اليونسيف التي أوضحت أن نسبة انتشار ختان الإناث في مصر عام 2000 كانت 97%، وانخفضت النسبة في عام 2015 إلى 92%، ثم إلى 87% عام 2016، إلا أن انتشار تلك الممارسة صعد مرة أخرى إلى 91% عام 2017، رغم تبني الحكومة المصرية منذ عام 2008 تشريعات عقابية. فالأعراف الاجتماعية أقوى من التشريعات، والقانون لا يمنع الأهالي من تختين بناتهن رغم تغليظ العقوبات، هذا إضافة إلى أن الطريقة التي تُصاغ بها بعض القوانين لا تساعد في تحقيق أهداف هذه القوانين مثلًا، فمعاقبة كل من طلب الختان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، أي معاقبة أهالي الفتيات المختنات، لا يؤدي إلى منع الظاهرة بقدر ما يؤدي إلى إحجام الأهل عن الإبلاغ عن الجريمة في حال وقوع ضرر على الفتاة، خوفًا من العقوبة التي قد تدمر الأسرة. كما أن الضغط الجماهيري والمجتمعي للحد من تلك الظاهرة يتوقف بصدور القانون دون العمل على تحويل تلك المطالب أو الحملات إلى برامج توعية تعمل بالتوازي مع القوانين والتشريعات الصادرة، خاصة في ظل انخفاض الوعي، وبشكل خاص في المناطق الريفية.

في الوقت نفسه فإن الأطباء يواصلون إجراء عمليات الختان رغم العقوبات المغلظة، مستندين في ذلك إلى حجج طبية يثير الكثيرين الشكوك حولها، كما أن تفعيل دور نقابة الأطباء في محاسبة الأطباء المخالفين ما زالت تكتنف تنفيذه الكثير من العقبات، ومن الجدير بالذكر هنا أن اللجنة الوطنية للقضاء على جرائم ختان الإناث طالبت أيضًا بضرورة تعديل المادة الخاصة بختان الإناث بقانون العقوبات لسد جميع الثغرات التي يتم التحصن بها عند القيام بهذه الجريمة.

المحور الثاني: تغيير ثقافي واجتماعي لدعم حقوق الطفل والمرأة والأسرة

تضمن المحور الثاني في الاستراتيجية الوطنية لمنع ختان الإناث خلق مناخ ثقافي واجتماعي داعم لحقوق الطفل والمرأة والأسرة، ورأي عام أكثر إيجابية لدعم الحقوق المتكاملة للفتاة المصرية، وحمايتها من ممارسة الختان، ودعم الشراكة مع رجال الدين والمؤسسات الدينية، لتعزيز التوعية ضد ممارسات ختان الإناث والتمييز النوعي والعنف الأسرى.

يؤكد المحور الثاني من الاستراتيجية على أهمية وجود مناخ داعم للمرأة عبر الحد من أثر العوامل الاجتماعية والثقافية التي تعمل على إبقاء ظاهرة ختان الإناث، فهناك عدد كبير من الأسر حتى الآن تمارس تلك الظاهرة ولا تعتبرها عملًا خطيرًا، بل تعتبرها خطوة أساسية في حياة الفتيات وأيضًا العائلات، حيث يمكن لعدم الالتزام بعادة الختان أو تجاهلها أن يؤدي إلى إقصاء العائلات اجتماعيًا، خاصة أن أكثر الأسباب التي يُستشهد بها في إجراء عملية الختان هي القبول الاجتماعي، ورأي الدين، والمفاهيم الخاطئة عن الصحة، فضلًا عن اعتبار الختان وسيلة للحفاظ على عفة الفتاة، وهو الأمر الذي تحاول الاستراتيجية معالجته من خلال الحملات التي تعمل على إعادة تشكيل وعي المواطن.

وهناك عدد من المشكلات تقلل من فاعلية حملات التوعية، فهناك الكثير من القرى والنجوع التي ما زالت تمارس تلك الظاهرة ولم يتم استهدافها إعلاميًا بأي شكل. كما أن الحملات الإعلامية الكبرى تعيد استخدام نفس الشعارات، وهناك حاجة ماسة لاستخدام رسائل جديدة ومداخل مختلفة، لا تنحصر فقط في إطار الدين والصحة، فقد ركزت حملات التوعية على رسالتين رئيسيتين: الأولى هي أن ختان الإناث ليس من التعاليم الدينية الإسلامية أو المسيحية، والثانية هي أن ختان الإناث له عواقب سلبية على الصحة، بينما تجنبت معظم هذه الحملات معالجة القضية من منظور الحقوق والحريات للمرأة، أي لم يتم التطرق بشكل واضح إلى أن الختان يُعد شكلًا من أشكال العنف ضد المرأة، وانتهاكًا لحقوقها الإنسانية. 

وفي هذا السياق، وعند التطرق لمسألة الشراكة مع المؤسسات الدينية في مناهضة ختان الإناث، فعلى الرغم من صدور فتوى من دار الإفتاء تفيد بأن قضية ختان الإناث ليست قضية دينية تعبدية في أصلها، ولكنها قضية ترجع إلى العادات والتقاليد والموروثات الشعبية، فإن الانقسام في رأي علماء الدين تجاه هذه المسألة ما زال قائمًا، وهو الأمر الذي يظل عائقًا في سبيل القضاء على ختان الإناث. 

المحور الثالث: تطوير نظم المعلومات ومتابعة وتقييم برامج تمكين الأسرة ومناهضة ختان الإناث

تناول المحور الثالث في الاستراتيجية تعميم نظام للمتابعة والتقييم لبرامج مناهضة ختان الإناث ودعم تمكين الأسرة لضمان تحقيق النتائج المرجوة، وذلك عن طريق إتاحة وتداول المعلومات الموثوقة والمحدثة، وتوفير مسح قومي شامل يقيس مدى انتشار ختان الإناث في الفئة العمرية من 10 إلى 19 سنة وهي الفئة التي تستهدفها الاستراتيجية، وهو الأمر الإيجابي، خاصة أن آلية المتابعة والتقييم هي العنصر الذي يتم افتقاده بشكل كبير في الخطط والاستراتيجيات الوطنية، ووجوده هنا يشكل خطوة هامة في سبيل تقييم مدى النجاح في تطبيق الاستراتيجية. فعند النظر في التقارير الخاصة بالمتابعة والتقييم، نجد أنه على الرغم من مرور عدة أشهر على انتهاء الاستراتيجية الوطنية فإنه لا يوجد أي تقرير تم نشره أو إتاحته يستعرض بنود تنفيذ الخطة ومدى تحقيقها للأهداف المختلفة التي نصت عليها، كما أن الموقع الإلكتروني الخاص بالاستراتيجية لا يتوفر عليه سوى المعلومات والإحصائيات السابقة والخاصة بختان الإناث دون تحديث، وحتى الآن لم يخرج أي مسح سكاني صحي أحدث من المسح الأخير لعام 2014، أي إنه لا توجد إحصائيات حديثة رسمية نستدل من خلالها إلى أي مدى تمت مكافحة الظاهرة أو الحد من انتشارها لقياس مدى فاعلية الخطط والبرامج القومية.

مي عجلان
باحثة في شئون المرأة والسلام والأمن