وحدة الدراسات الاقتصادية

العلاقات التجاریة بین مصر ودول الكومیسا

تستضيف مصر القمة 21 لرؤساء دول وحكومات السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا “الكوميسا”، وتأتي أهمية تلك القمة في ظل حرص مصر على تعزيز التبادل التجاري الإفريقي بصفة عامة، وتوطيد العلاقات الاقتصادية مع مختلف الدول الإفريقية لرفع معدلات النمو الاقتصادي، وتحقيق مستوى معيشة أفضل لمواطنيها. وتأتي التجمعات الإقليمية لتمثل أحد آليات تحقيق التعاون الإقليمي في شتى المجالات، ومن هذا المنطلق يتناول المقال الأهمية الاقتصادية للسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا، ودراسة تطور العلاقات التجارية بين مصر ودول الكوميسا، واستعراض أهم الفرص والتحديات التي تشوب تلك العلاقات، مع الإشارة إلى الدور المصري لتعزيز فرص التعاون الاقتصادي بين دول المجموعة. الأهمية الاقتصادية…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تستضيف مصر القمة 21 لرؤساء دول وحكومات السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا “الكوميسا”، وتأتي أهمية تلك القمة في ظل حرص مصر على تعزيز التبادل التجاري الإفريقي بصفة عامة، وتوطيد العلاقات الاقتصادية مع مختلف الدول الإفريقية لرفع معدلات النمو الاقتصادي، وتحقيق مستوى معيشة أفضل لمواطنيها. وتأتي التجمعات الإقليمية لتمثل أحد آليات تحقيق التعاون الإقليمي في شتى المجالات، ومن هذا المنطلق يتناول المقال الأهمية الاقتصادية للسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا، ودراسة تطور العلاقات التجارية بين مصر ودول الكوميسا، واستعراض أهم الفرص والتحديات التي تشوب تلك العلاقات، مع الإشارة إلى الدور المصري لتعزيز فرص التعاون الاقتصادي بين دول المجموعة.

الأهمية الاقتصادية للسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقياالكوميسا

تهدف الكوميسا، منذ انشائها عام 1994 خلفا لمنطقة التجارة التفضيلية، إلى إلغاء كافة القيود التجارية فيما بين الدول الأعضاء تمهيدًا لإنشاء وحدة اقتصادية للمنطقة، وقد بدأت في تطبيق الإعفاءات الجمركية بين الدول الأعضاء في 17 فبراير عام 1999على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، وللسلع التي يصاحبها شهادة منشأ معتمدة من الجهات المعنية بكل دولة، ثم في عام 2000 تم إقامة منطقة تجارة حرة بين دول الكوميسا كمقدمة لإنشاء السوق المشتركة. وتمثل الكوميسا سوق واسع يبلغ عدد سكانه نحو 596 مليون نسمة، وتستوعب السوق الاستهلاكي للكوميسا نحو 36.9٪ من إجمالي عدد السكان في القارة الإفريقية. وتعد ثاني أكبر التجمعات الاقتصادية الإقليمية في إفريقيا من حيث عدد الدول الأعضاء بعد تجمع الساحل والصحراء، كما تبلغ المساحة الجغرافية التي يشملها التجمع نحو 12 مليون كم2، ويضم 21 دولة هي: بوروندي، ومصر، وكينيا، وموريشيوس، والصومال، وزيمبابوي، وجزر القمر، وأريتريا، وليبيا، ورواندا، وتونس، وجيبوتي، وإثيوبيا، ومدغشـقر، وسيشل، وأوغندا، وجمهورية الكنغو الديمقراطية، وأيسواتينى، وملاوي، والسودان، وزامبيا. ومع تعدد الدول الأعضاء تتنوع الموارد المتوفرة في كل دولة على حدى بما يزيد من فرص التبادل التجاري، فنجد على سبيل المثال توفر الموارد المعدنية خاصة الذهب في أريتريا وإثيوبيا وزامبيا وزيمبابوي والسودان، بينما يتواجد الماس في الكونغو، والنحاس في زامبيا و السودان والكونغو، أما بالنسبة للموارد النفطية فتوجد في السودان ومصر وليبيا، وتتميز معظم دول المجموعة بتوفر الأرض الزراعية الصالحة للزراعة وتعدد مصادر المياه، ويحفز ذلك التنوع من حجم التبادل التجاري بين دول الكوميسا وبعضهم البعض خاصة في ظل إلغاء الحواجز الجمركية وغير الجمركية فيما عدا حالات الصناعات الوليدة.

وتتطلع أسواق دول الكوميسا للاندماج في الاقتصاد العالمي، وقد وصل حجم صادراتهم مجتمعين الى مختلف دول العالم نحو 114 مليار دولا عام 2018 و107 مليار دولار عام 2019، اما بالنسبة للواردات فقد سجلت 184 مليار دولار عام 2018 و181 مليار دولار عام 2019. وبعد أن اجتاحت جائحة كورونا دول العالم تراجعت التجارة الخارجية بين دول الكوميسا وباقي دول العالم لتسجل الصادرات 81 مليار دولار والواردات 146 مليار دولار عام 2020.

شكل (1): تطور التجارة الخارجية بين تجمع الكوميسا ومختلف دول العالم (بالمليار دولار امريكي)

تطور التجارة الخارجية بين تجمع الكوميسا ومختلف دول العالم (بالمليار دولار امريكي)

العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول الكوميسا

على الرغم من تنوع العلاقات التجارية بين مصر ومختلف التجمعات الاقتصادية في العالم، إلا أن حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا يعتبر مرتفع نسبيا بالمقارنة بالتجمعات الأخرى داخل وخارج إفريقيا، وإن لم يكن الأعلى بشكل مطلق. ويبين الشكل التالي التبادل التجاري بين مصر وبعض التكتلات الاقتصادية خلال عام 2020 ويوضح ارتفاع حجم الصادرات المصرية لدول الكوميسا بالمقارنة بالصادرات المصرية إلى رابطة دول الأسيان، وتجمع الميركسور، ودول اتفاقية أغادير، ودول الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا ECOWAS والهيئة الحكومية للتنمية IGAD وتجمع شرق إفريقيا واتحاد المغرب العربي AMU، بما يعكس أهمية سوق الكوميسا لتصريف المنتجات المصرية. وعلى مستوى الواردات المصرية فيلاحظ ارتفاع الواردات المصرية من دول الكوميسا بالمقارنة بالتجمعات الأخرى محل المقارنة باستثناء رابطة دول الاسيان وتجمع الميركسور.

شكل (2): التبادل التجاري بين مصر وبعض التكتلات الاقتصادية عام 2020 (بالمليون دولار)

التبادل التجاري بين مصر وبعض التكتلات الاقتصادية عام 2020 (بالمليون دولار)

وعلى مستوى القارة الإفريقية، فتعتبر دول الكوميسا أبرز الشركاء التجاريين لمصر داخل القارة الإفريقية؛ إذ سجل التبادل التجاري لمصر مع دول الكوميسا 60% من إجمالي التبادل التجاري لمصر مع القارة الإفريقية عام 2020.

شكل (3): نسبة التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا إلى التبادل التجاري بين مصر وإفريقيا

نسبة التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا إلى التبادل التجاري بين مصر وإفريقيا

ويلاحظ اتجاه حجم التبادل التجاري بين مصر ودول المجموعة إلى التزايد خلال الفترة (2015-2020) باستثناء عامي 2017 و2020 حيث انخفضت الصادرات المصرية خلالهما وكذلك تراجع فائض الميزان التجاري. وتتنوع الصادرات المصرية لدول الكوميسا في عدد من السلع أهمها المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية ومواد البناء والمواد الكيمائية، وتعتبر ليبيا والسودان وكينيا أبرز الأسواق التصديرية لمصر داخل الكوميسا. اما بالنسبة للواردات فيأتي في مقدمتها البن والزبد والنحاس وتحتل كينيا والسودان وزامبيا أعلى حصة واردات لمصر ضمن دول الكوميسا.

شكل (4): تطور حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا خلال الفترة (2015-2020)

شكل (4): تطور حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا خلال الفترة (2015-2020)

وعلى الرغم من ارتفاع مؤشرات التجارة بين مصر ودول الكوميسا، إلا أنه يلاحظ انخفاض الوزن النسبي للتبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا بالمقارنة بإجمالي حجم تجارة تلك الدول؛ فعلى سبيل المثال تمثل ليبيا والسودان وكينيا أبرز الأسواق التصديرية لمصر في دول الكوميسا، إلا أن حصة مصر من واردات تلك الدول لا تتجاوز 10%. ويشير ذلك إلى وجود العديد من الفرص التي يمكن أن تحسن مؤشرات التبادل التجاري ولم يتم استغلالها بعد، وقد تم تقدير قيمة إمكانات التصدير غير المستغلة إلى دول الكوميسا، أي الفرص التصديرية المهدرة نتيجة انخفاض القيمة الفعلية للصادرات عما يفترض أن يكون عليه، بنحو ٨,١ مليار دولار أمريكي بحلول عام ٢٠٢٥، وبما يعادل ٨,١ ٪من القيمة المستهدفة لتعزيز الصادرات المصرية، و9% من إجمالي الفرص التصديرية غير المستغلة لمصر عام ٢٠٢٥، وذلك وفقا لدراسة أعدها مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار والتي حددت أبرز المنتجات المصرية ذات الإمكانات التصديرية الكبرى إلى دول الكوميسا المتوقعة عام ٢٠٢٥، فبينت أن سكر القصب وسكر البنجر يأتي في مقدمة الصادرات المصرية إلى كينيا، والسودان، وأوغندا، بينما تعد الأسمدة الفوسفاتية ذات إمكانات تصديرية كبرى لكل من إثيوبيا، وجيبوتي، وزامبيا، وزيمبابوي، وبوروندي، ويتصدر دقيق القمح قائمة السلع المصرية ذات الإمكانات التصديرية الكبرى إلى الصومال، وإريتريا، ومدغشقر، وجزر القمر، وتأتي الخمائر الحية في صدارة السلع ذات الإمكانات التصديرية الكبرى لكل من جمهورية الكونغو الديمقراطية، ورواندا، ومالاوي، في حين تعد البطاطس الطازجة ذات إمكانات تصديرية كبرى إلى سيشيل، وتعتبر صادرات مصر من أجهزة استقبال التليفزيون ذات إمكانات تصديرية كبرى إلى موريشيوس، ويمثل القطن سلعة ذات إمكانات تصديرية كبرى إلى تونس، وتعد صادرات مصر من الحفاضات السلعة ذات إمكانات تصديرية كبرى لليبيا، بينما تعد صادرات مصر من مخاليط المواد العطرية المستخدمة في الطعام والشراب السلعة ذات إمكانات تصدير مرتفعة لإيسواتيني.

وعلى الرغم من تعدد الفرص التصديرية بين مصر ودول الكوميسا، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تعوق زيادة قيمة التبادل التجاري لمصر مع دول المجموعة، والتي تتمثل في المعوقات اللوجيستية، من نقص وسائل المواصلات سواءً البحرية، أو الجوية، أو البرية، والافتقار إلى وسائل الاتصال، وطول مدة الشحن وارتفاع تكلفة التجارة البينية، وارتفاع معدلات المخاطر التجارية وغير التجارية نتيجـــة عدم الاستقرار الأمني في معظم هذه الدول، وعدم تغطية الجهاز المصرفي للتامين على الصادرات الى تلك الدول، وكذلك عدم توافر بيانات كافية ودقيقة عن الظروف الاقتصادية والموارد المتاحة مما يساعد على التخطيط السليم، فضلا عن المشكلات المتعلقة باختلاف الإجراءات والنظم، وعدم التنسيق بين البنوك في الدول الأعضاء، وتحديات النقص الشديد في التمويل الخاص بالمشروعات الاستثمارية المشتركة، فضلا عن ارتفاع حدة المنافسة مع دول أخرى من خارج المجموعة مثل الصين والتي تتميز صادرتها بارتفاع درجة تنافسيتها.

الجهود المصرية لتعظيم التبادل التجاري بين دول الكوميسا

شهدت السنوات الماضية تبني مصر العديد من المبادرات التي من شانها تسهيل التجارة البينية الإفريقية ومن ثم تعظيم فرص التبادل التجاري بين دول الكوميسا وبعضها البعض؛ فمن جهة تم تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ودخلت حيز التنفيذ في يناير ٢٠٢١، كما تم البدء في تنفيذ مشروع القاهرة-كيب تاون لربـط مصــــر بالدول الإفريقية من خلال شبـــكة من السكك الحديدية لتيسير عملية نقل البضائع، وتقليص مدة الشحن إلى ٤ أيام بدلا من ٢٨ يوما، وقام عدد من الشركات المصرية، على رأسهم شركة المقاولون العرب، بتنفيذ العديد من المشروعات لرفع كفاءة البنية التحتية في بعض دول الكوميسا، كما تم تطبيق برنامج جسور التجارة العربية الإفريقية لرفع وعي المنتجين المصريين بالفرص التصديرية المتاحة وتنظيم لقاءات مع القطاع الخاص في تلك الدول، بالإضافة الى إطلاق أعمال منتدى “وكالات ترويج الاستثمار في إفريقيا: التكامل من أجل النمو” بحضور رؤساء هيئات الاستثمار في ٣٣ دولة إفريقية، والذي هدف إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص في إفريقيا، ودور برامج الإصلاح الاقتصادي في تعزيز قدرة البلدان الإفريقية على الصمود في مواجهة التحديات العالمية والحد من التوابع السلبية لجائحة كورونا. وتنوعت المشروعات التي نفذتها مصر في دول الكوميسا والتي تتنوع ما بين إقامة السدود، ومشروعات بنية تحتية، وتقديم المساعدات الطبية، وتقديم دورات تدريبية، وغيرها.

وأخيرا وليس آخرا، فإنه يلاحظ تعدد الفرص المتاحة أمام دول الكوميسا لتعميق العلاقات التجارية فيما بينهم استنادا على تنوع الموارد المتاحة بما يعزز من فرص تحقيق التكامل الاقتصادي ويؤدي إلى تطوير شكل التعاون الاقتصادي لينتقل من شكل منطقة التجارة الحرة إلى اتحاد جمركي ثم سوق مشتركة.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة