تنمية ومجتمع

مسار إجباري: انتظام الدراسة في العام الجديد في ظل كورونا

أصبح إغلاق المدارس في أماكن مختلفة من العالم لفترة طويلة بلغت 18 شهرًا تقريبًا، والذي تسببت به جائحة كورونا، مصدر قلق كبير لدرجةٍ دفعت اليونيسيف واليونسكو للإعلان صراحةً في فعالية مشتركة في الثاني عشر من يوليو الماضي أنه لم يعد بمقدور العالم الانتظار لإعادة فتح المدارس، لأن ذلك الإغلاق ما زال يؤثر على أكثر من 156 مليون طفل حول العالم. وبالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها دول العالم على اختلافها، إلا أن إعادة فتح المدارس في العام الدراسي الجديد يتطلب استعدادات مختلفة عما هو قائم بالفعل في ظل الآثار السلبية التي خلفتها الجائحة. كيف تأثر التعليم في دول العالم المختلفة؟!…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

أصبح إغلاق المدارس في أماكن مختلفة من العالم لفترة طويلة بلغت 18 شهرًا تقريبًا، والذي تسببت به جائحة كورونا، مصدر قلق كبير لدرجةٍ دفعت اليونيسيف واليونسكو للإعلان صراحةً في فعالية مشتركة في الثاني عشر من يوليو الماضي أنه لم يعد بمقدور العالم الانتظار لإعادة فتح المدارس، لأن ذلك الإغلاق ما زال يؤثر على أكثر من 156 مليون طفل حول العالم. وبالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها دول العالم على اختلافها، إلا أن إعادة فتح المدارس في العام الدراسي الجديد يتطلب استعدادات مختلفة عما هو قائم بالفعل في ظل الآثار السلبية التي خلفتها الجائحة.

كيف تأثر التعليم في دول العالم المختلفة؟!

أطلقت اليونسكو بالتعاون مع اليونيسيف، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في يونيو من العام الجاري، تقريرًا بعنوان “ماذا بعد: دروس حول تعافي التعليم”، تضمن جملةً من الآثار التي خلفتها جائحة كورونا على مدار 18 شهرًا في 143 دولة شاركت في دراسة مسحية تم تطبيقها على ثلاث مراحل بدأت في الفترة مايو/يونيو 2020، ثم يوليو/أكتوبر 2020، وانتهت في فبراير/يونيو 2021؛ وجاء من بين نتائج الدراسة ما يلي:

  • أُغلقت المدارس بشكل كلي في الدول المشاركة في الدراسة بمتوسط 79 يومًا دراسيًا، وجاء أقل عدد أيام للغلق في الدول ذات الدخل المرتفع بإجمالي 53 يومًا دراسيًا، في حين بلغ 115 يومًا في الدول ذات الدخل المتوسط-المنخفض. واستجابت الدول لفترات الغلق الطويلة إما بتمديد العام الدراسي (41% من الدول)، أو التركيز على مهارات وأجزاء محددة من المناهج (42% من الدول).
  • فيما يتعلق بالامتحانات: أعلن ثلثا الدول المصنفة ضمن الدول منخفضة الدخل أو متوسطة الدخل إعادة النظر في مواعيد الامتحانات أو تأجيلها في المرحلة الابتدائية، في حين أن 75% من هذه الدول فعلت الشيء نفسه في المرحلة الثانوية، كما ألغت 28% من الدول امتحانات المرحلة الإعدادية، و18% ألغت امتحانات المرحلة الثانوية. علاوةً على ذلك، فقد عدلت 25% من الدول محتوى الامتحان سواء بتغيير عدد الأسئلة أو تخفيف عدد المواد الممتحنة في المرحلة الإعدادية، كما فعل ثلث الدول نفس الشيء في المرحلة الثانوية.
  • وبالنسبة لبرامج التخفيف من آثار الغلق المتمثلة في انخفاض مستويات التعلم وارتفاع أعداد الأطفال المهددين بالعودة للمدارس دون استيعاب المحتوى الدراسي للعام السابق، فقد قدم ثلثا الدول برامج تعويضية بعد عودة الطلاب لمدارسهم.
  • اعتمدت الدول في تطبيق التعليم عن بعد على المواد التعليمية المطبوعة، التليفزيون والراديو، والمنصات الإلكترونية، ولكن جاءت درجات الاعتماد على الراديو مختلفة بين الدول منخفضة الدخل ومرتفعة الدخل، حيث بلغت 92% في الأولى و25% فقط في الثانية؛ بينما غلب الاعتماد على المنصات الإلكترونية في الدول مرتفعة الدخل، حيث بلغت النسبة 96%، في حين اعتمدت الدول منخفضة الدخل عليها بنسبة 58%. وتجدر الإشارة هنا إلى أن 50% من الدول اعتمدت على أكثر من نمط للتعليم عن بعد، إلا أنه لم يتم اختبار فاعلية التعليم عن بعد في جميع الأحوال.
  • أما التعليم الإلكتروني، فيبدو أن معظم الدول لم تكن لديها سياسة لتفعيله، حيث بلغت نسبة الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط/منخفض التي فعلت التعليم الرقمي وكان لديها دليل إرشادي لذلك 27% فقط، في حين بلغت النسبة 50% في الدول مرتفعة الدخل.

Source: UNESCO, UNICEF, The World Bank & OECD: What’s Next? Lessons on Education Recovery, June 2021.

  • واجه تفعيل التعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني جملةً من المشكلات التي تمثلت في ضعف الاتصال بالإنترنت، ونقص المهارات الرقمية سواء للطلاب أو المعلمين، والحاجة لتبني طرق تدريس تتناسب مع هذا النمط من التعليم لم يعتدها المعلمون والطلاب.
  • تمثلت مخاوف الدول بعد إعادة فتح المدارس في ارتفاع نسب التسرب والعنف القائم على أساس النوع، وتدني مستوى الصحة النفسية للطلاب، الأمر الذي يتطلب إعداد خططٍ لدعم الطلاب بشكل مستدام بما يضمن إعادتهم إلى المسار التعليمي من جديد.

الوضع في مصر.. لم يختلف كثيرًا

على الرغم من عدم مشاركة مصر في الدراسة المسحية سالفة الذكر؛ إلا أن الإجراءات التي اتخذتها لإنقاذ العام الدراسي المنقضي ونصف العام السابق له لم تختلف كثيرًا عما اتخذته الدول ذات الظروف الشبيهة وبعض الدول ذات الدخل المرتفع فيما يتعلق بتطبيق التعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني وإجراء الامتحانات. وكما كانت الإجراءات متشابهة، فإن الآثار السلبية للجائحة على التعليم في دول العالم لا تختلف عنها على مصر، حيث تأثر عدد أيام الدراسة الفعلية داخل الفصول لينخفض من 189 يومًا إلى 118 يومًا للصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية بمعدل أربعة أيام أسبوعيًا، وإلى 88 يومًا في بعض المناطق بمعدل ثلاثة أيام أسبوعيًا، أما في المرحلتين الإعدادية والثانوية فلم يتجاوز عدد أيام الحضور إلى المدارس 60 يومًا بمعدل يومين أسبوعيًا، مع الاعتماد على القنوات التليفزيونية والمنصات التعليمية، وعلى “بنك المعرفة المصري” خلال باقي أيام الأسبوع.

وفي الوقت الذي طورت فيه وزارة التربية والتعليم قنوات الاتصال الإلكتروني بين المعلمين والطلاب وأولياء أمورهم، وأتاحت مصادر التعلم الإلكترونية لتصل إلى أكثر من 48 ألف مصدر رقمي على بنك المعرفة، وقدمت الدروس على القنوات التعليمية لجميع المراحل طوال العام بمعدل (1525 حصة) بواسطة 96 معلمًا وفق جدول معلن مسبقًا، ولم يكن هناك دليل إرشادي واضح للطلاب والمعلمين بشأن كيفية استخدام المنصات الإلكترونية، كما لم تقم أي جهة بدراسة مدى قدرة الطلاب على الاتصال بالإنترنت لمتابعة الدروس على هذه المنصات، أو مدى الاعتماد على القنوات التعليمية كأفضل البدائل المتاحة.

أما فيما يتعلق بالامتحانات واستكمال المناهج، فقد أُلغيت الامتحانات لعددٍ من المراحل الدراسية، واكتفت الوزارة بتقييم الطلاب بناءً على تقديم مشروع بحثي يقوم به الطالب منفردًا أو مع مجموعة من زملائه، كما تم تخفيف المناهج وإلغاء أجزاء منها بسبب انقطاع الطلاب عن الدراسة، وقد أدى ذلك إلى عدم تحقيق الأهداف التعليمية التي ترتبط بنمو الطلاب معرفيًا ونفسيًا؛ الأمر الذي يحتم أن يكون لدى الوزارة خطة تعويضية واضحة لسد الفجوة التعليمية التي أحدثتها الجائحة، بما يضمن تقليل نسب الهدر التربوي وتسرب الطلاب غير المستعدين للعودة إلى المدرسة ما بعد الجائحة.

انتظام الدراسة والبناء على ما تم أثناء الجائحة

لم يكن كل ما تعرضت له العملية التعليمية بسبب الجائحة سلبيًا تمامًا، ولكن كان هناك جانب إيجابي يتمثل في فرض أحد أنماط التعلم التي طالما طالب به الخبراء التربويون، والذي يتمثل في التعليم الإلكتروني أو التعليم المدمج. فعلى الرغم من عدم قدرة النظم التعليمية على تحقيق جميع الأهداف التعليمية التقليدية، إلا أن بعضها تمكن من تسريع وتيرة العمل على امتلاك وإتاحة مصادر التعلم الرقمية وتأسيس بنية تحتية تسمح باستخدام التكنولوجيا في عدد من المدارس –وإن كان قليلًا- وهو ما حدث في مصر، حيث تمكنت وزارة التربية والتعليم من تأهيل ما يزيد على 1350 مدرسة ثانوية وتزويدها بإنترنت فائق السرعة، وتوزيع 1.5 مليون تابلت تعليمي لطلاب المرحلة الثانوية، وإتاحة أكثر من 48 ألف مصدر تعليمي رقمي.

ترتيبًا على ما سبق، يجب ألا تتوقف الوزارة عن تقديم وتطوير مصادر التعلم الرقمية التي من شأنها أن تزود الطلاب بمهارات رقمية ومعرفية تتماشى مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. ولكن على جانبٍ آخر، لم يكن الاعتماد على التعليم الإلكتروني أو التعليم عن بعد فقط مُرضيًا بالنسبة لشريحة كبيرة من المجتمع ممن لا يستطيعون الاتصال بالإنترنت، حيث استشعرت هذه الفئة غياب العدالة والمساواة في تقديم الخدمة التعليمية، وهو ما يفرض عودة جميع الطلاب –خاصةً في المراحل الدنيا- بشكل كلي إلى المدارس، ليمارسوا عملية التعليم والتعلم داخل الفصل الدراسي دون انقطاع، لضمان تحقيق الأهداف التعليمية لكل مرحلة، وتقديم المناهج الدراسية كاملة دون حذف أو تعديل.ختامًا، إذا كانت مشكلات ارتفاع كثافة الفصول والعجز في أعداد المعلمين المؤهلين تسببت في ضعف جودة الخدمة التعليمية ما قبل الجائحة، فإن التأثير السلبي لانقطاع الطلاب عن الدراسة وتخفيف المناهج واستخدام أدوات تقييم لا تتماشى مع ثقافة المجتمع أثناء الجائحة كان له أثر سلبي أكبر. لذلك، وفي ظل تزايد نسب التلقيح ضد فيروس كورونا، وضعف إمكانية إصابة الأطفال به؛ فإن انتظام الدراسة في العام القادم لم يعد اختياريًا، وإنما ضرورة تستوجب اتخاذ ما يلزم من إجراءات لعودة الطلاب إلى مدارسهم، مع العمل على تقديم برامج تعويضية مناسبة أثناء إجازة الصيف، وتقديم حلول لمشكلات التعليم ما قبل الجائحة.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة