تنمية ومجتمع

الاختبار الوطني للصف الرابع: تقييم شامل لعناصر المنظومة التعليمية

بعد ثلاث سنوات من تطبيق نظام التعليم الجديد (2.0) على طلاب الصف الأول الابتدائي، اعتمدت فيها وزارة التربية والتعليم على بناء المهارات والمعارف الأساسية للأطفال، وتخلت عن الاختبارات كليًا خلال هذه الفترة؛ أعلنت الوزارة عن نظام تقييم طلاب الصف الرابع الابتدائي وفقًا للقرار الوزاري (133) لسنة 2021. وبهذه الخطوة، أنهت الوزارة حالة الجدل حول الهدف من إجراء “الاختبار الوطني للصف الرابع الابتدائي” المزمع عقده خلال العام الدراسي الجديد 2021/2022. ما هو الاختبار الوطني للصف الرابع؟ تضمن برنامج إصلاح التعليم المصري الذي يتم تطبيقه بالتعاون مع البنك الدولي مكونًا أساسيًا يتمثل في “إصلاح نظام التقييم الشامل من أجل تحسين التحصيل العلمي…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

بعد ثلاث سنوات من تطبيق نظام التعليم الجديد (2.0) على طلاب الصف الأول الابتدائي، اعتمدت فيها وزارة التربية والتعليم على بناء المهارات والمعارف الأساسية للأطفال، وتخلت عن الاختبارات كليًا خلال هذه الفترة؛ أعلنت الوزارة عن نظام تقييم طلاب الصف الرابع الابتدائي وفقًا للقرار الوزاري (133) لسنة 2021. وبهذه الخطوة، أنهت الوزارة حالة الجدل حول الهدف من إجراء “الاختبار الوطني للصف الرابع الابتدائي” المزمع عقده خلال العام الدراسي الجديد 2021/2022.

ما هو الاختبار الوطني للصف الرابع؟

تضمن برنامج إصلاح التعليم المصري الذي يتم تطبيقه بالتعاون مع البنك الدولي مكونًا أساسيًا يتمثل في “إصلاح نظام التقييم الشامل من أجل تحسين التحصيل العلمي للطلاب”، واشتمل هذا المكون على محور فرعي ينص على “إدخال التقييم الوطني الخاص بالصف الرابع”، على أن يكون هذا الاختبار قائمًا على أساس العينة، حيث تحدد الوزارة عدد المدارس والطلاب الذين سيشاركون فيه وفقًا لمجموعة من المعايير التي تراعي التوزيع الجغرافي، والمستوى الاجتماعي والاقتصادي للطلاب، ونوع المدارس سواء كانت خاصة أم حكومية، وغيرها من المعايير التي ستتضح في الوثيقة الإطارية التي تعدها الوزارة تمهيدًا لتطبيق الاختبار.

تستهدف الوزارة من خلال تطبيق مثل هذا الاختبار التعرف على مستوى تحصيل طلاب الصف الرابع في القدرات الرئيسية والمهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب بما يتسق مع المنهج الجديد؛ ومن المقرر ألا يقتصر التقييم على الطلاب فقط، وإنما سيشتمل على استبيانات للمعلمين والمديرين وأولياء الأمور، وهو بذلك ليس تقييمًا فرديًا، وإنما تقييمًا لأداء جميع عناصر المنظومة التعليمية.

خطوات نحو تحقيق الهدف

وفقًا لوثيقة البنك الدولي، فإن هناك مجموعة من الخطوات التي يجب أن تتخذها وزارة التربية والتعليم لتطبيق الاختبار الوطني على طلاب الصف الرابع خلال مدة المشروع المقدرة بخمس سنوات، حيث أشارت الوثيقة إلى أنه كان من المفترض أن تنتهي الوزارة من إعداد وإقرار الوثيقة الإطارية التي سيتم على ضوئها تطبيق الاختبار بنهاية العام الأول؛ وفي العام الثاني تعد الوزارة الاختبار وتنفذه تجريبيًا للمرة الأولى، على أن يتم تطبيقه بشكله النهائي خلال العام الرابع من عمر المشروع، أي خلال العام الدراسي 2021/2022؛ ويتحمل المركز القومي للتقويم والامتحانات مسئولية تطبيق الاختبار على المستوى الوطني من أجل استعادة الثقة في نظام الامتحانات في مصر.

جاء في الوثيقة أيضًا أن هذا الاختبار سيكون إلكترونيًا، حيث كان مقررًا أن تطلق الوزارة منصة إلكترونية تختص بإجراء الاختبارات، على أن تكون قد صُممت واختُبرت وأطلقت خلال العام الثالث من عمر المشروع، على أن يتم استخدام هذه المنصة في العام الرابع لإدارة وتحليل وعرض البيانات الخاصة بالاختبار الوطني للصف الرابع. ولأن المنصة الإلكترونية للاختبارات ليست جاهزة بعد، فقد لجأت الوزارة إلى تعديل طريقة تطبيق الاختبار بالاتفاق مع البنك الدولي، ليصبح ورقيًا وليس إلكترونيًا.

أما التقارير التي ستصدرها الوزارة استنادًا إلى نتائج هذا التقييم، فستكون على مستوى المدرسة والإدارة التعليمية والمديرية والمستوى الوطني، لكنها لن تقدم بيانات حول الأداء الفردي للطلاب، أي إن نتائج هذا التقييم ليست لتقييم الطلاب وإنما تقييم صلاحية نظام التعليم في هذه المرحلة.

جدير بالذكر أن البنك الدولي يجري مراجعات نصف سنوية بدأت منذ يوليو 2018، وجاء في المراجعات الدورية الثلاث الأولى أن الاختبار الوطني للصف الرابع الابتدائي ما زال غير موجود. وفي المراجعة الرابعة في يناير 2020، تم تعديل الاختبار ليكون ورقيًا وقائمًا على العينة. وتضمنت المراجعة الخامسة الصادرة في يوليو 2020 أن الوثيقة الإطارية للاختبار الوطني للصف الرابع الابتدائي ما زالت قيد الإعداد والتطوير بعد أن كان مخططًا لها أن تكون جاهزة بحلول إبريل 2020، وأن هذا التأخير يرجع إلى توجه انتباه الوزارة بالكامل للاستجابة لأزمة جائحة كورونا. وفي المراجعة السادسة الصادرة في يناير 2021، جاء أن الوزارة قد أنهت المسودة الأولى للوثيقة الإطارية للاختبار الوطني للصف الرابع الابتدائي؛ أما في المراجعة السابعة الصادرة في يوليو 2021، فقد جاء أنه تم تقديم المسودة الأولى للوثيقة الإطارية للاختبار، وكان من المتوقع أن يتم اعتمادها في أغسطس 2021، إلا أن الوزارة لم تطلق إلى الآن أي تصريحات أو بيانات توضح موقف هذه الوثيقة.

يتضح مما سبق أن الوزارة ما زالت ملتزمة بإجراء الاختبار الوطني في الموعد المحدد، وهو العام الدراسي 2021/2022، ولكن هناك بعض التأخير في إطلاق الوثيقة الإطارية وإجراء الاختبار التجريبي، وهو ما يعد أمرًا سلبيًا يؤخذ على الوزارة، أما الأمر الإيجابي فيتمثل في أن الوزارة تتمتع بالمرونة المطلوبة لإجراء التعديلات على برنامج الإصلاح بما يتماشى مع ما يفرضه الواقع من أجل تحقيق الهدف النهائي.

ليست المرة الأولى لإجراء اختبار قائم على العينة

لا يعد الاختبار الوطني القائم على العينة الذي تسعى الوزارة لتطبيقه على الصف الرابع الابتدائي خلال العام الدراسي 2021/2022 الأول من نوعه، وإنما هناك تجارب مختلفة لهذا النوع من الاختبارات، منها ما هو دولي مثل المشاركة في اختبار TIMSS لطلاب الصف الثامن واختبار PIRLS لطلاب الصف الرابع، ومنها ما هو وطني مثل اختبار القرائية الذي طبقته وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID لتقييم مستوى القرائية عند طلاب الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية في 2009، و2011، و2013.

ففي الاختبار الدولي PIRLS في 2016، تكونت العينة المشاركة من 6957 طالبًا من 160 مدرسة، وتم اختيارها من خلال لجنة مشتركة بين الوزارة والمنظمة الدولية المسئولة عن تطبيق الاختبار. وقد راعت العينة مجموعة من الشروط المتمثلة في الإقليم الذي تنتمي له المدرسة (العاصمة/ شمال/ جنوب)، ونوع المدرسة (حكومي/خاص) وموقعها (حضر/ ريف)، والمستوى الاجتماعي الاقتصادي للطلاب؛ وجاءت النتائج أقل من المتوسط العالمي، حيث أحرز الطلاب في هذا الاختبار متوسط درجات 330 درجة في حين كان المتوسط العالمي 500 درجة. 

أما الاختبار الذي أجري على المستوى الوطني بالتعاون مع الوكالة الأمريكية USAID في 2009، فقد طُبق على طلاب الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، ولكن طريقة اختيار العينة كانت مختلفة عن الاختبار الدولي، حيث تم اختيار 59 مدرسة في محافظات الفيوم والمنيا وقنا، وكان حجم العينة 2800 طالب. وفي 2011، تم تطبيقه مجددًا على 1200 طالب من نفس مدارس التجربة الأولى، ثم أجريت على 60 مدرسة في محافظة البحيرة منفردة، ما يعني أن العينة لم تكن ممثلة للمجتمع المصري بالكامل.

وقد تطورت التجربة لاحقًا، حيث تم تطبيق الاختبار في 2013 على عينة من طلاب الصف الثالث الابتدائي من 200 مدرسة في 25 محافظة، وكانت النتائج ضعيفة جدًا حيث كان لدى أقل من 20% من الطلاب القدرة على القراءة بطلاقة، في حين أن 14% لا يستطيعون القراءة. وفي 2014، تم تكرار التجربة على عينة مشابهة ولم تشهد النتائج تغيرًا ملحوظًا سوى في مؤشر واحد، حيث انخفضت نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون القراءة إلى 10%. 

بذلك، يمكن القول إنه ليس غريبًا أو مستحدثًا أن تطبق وزارة التربية والتعليم اختبارًا وطنيًا قائمًا على أساس العينة، ولكن التجارب السابقة سواء محليًا أو دوليًا لم تحظَ بالاهتمام الكافي الذي يضمن لها الاستمرارية أو يمكنها من تقديم صورة واقعية وحقيقية عن جميع عناصر المنظومة التعليمية كما هو مأمول من تطبيق الاختبار الوطني المقرر تطبيقه خلال العام الدراسي الجديد وفقًا لبنود برنامج الإصلاح. 

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة