الجغرافيا المائية

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ظلت نظريات الجغرافيا السياسية لفترة طويلة مدخلا مهما لفهم التفاعلات الدولية، خاصة الصراعات بين القوى الكبرى داخل النظام العالمى، ومن ثم مدخلا لفهم التحولات الجارية فى قمة النظام العالمى. جوهر هذه النظريات أن فهم العلاقات الدولية يبدأ من فهم المواقع الجغرافية للفاعلين الدوليين، والمساحات الجغرافية التى يسيطرون عليها. كان أبرز هذه النظريات تلك التى قدمها هالفورد جون ماكيندر فى بداية القرن العشرينHeartland Theory، التى انطلق فيها من أن القارات القديمة الثلاث (افريقيا، آسيا، أوروبا) تمثل وحدة استراتيجية واحدة، أطلق عليها «جزيرة العالم»، وقلب هذه الجزيرة هو منطقة أورواسيا. وبناء على هذا التقسيم، وضع ماكيندرافتراضاته الثلاثة: أن من يحكم شرق أوروبا…

د. محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ظلت نظريات الجغرافيا السياسية لفترة طويلة مدخلا مهما لفهم التفاعلات الدولية، خاصة الصراعات بين القوى الكبرى داخل النظام العالمى، ومن ثم مدخلا لفهم التحولات الجارية فى قمة النظام العالمى. جوهر هذه النظريات أن فهم العلاقات الدولية يبدأ من فهم المواقع الجغرافية للفاعلين الدوليين، والمساحات الجغرافية التى يسيطرون عليها. كان أبرز هذه النظريات تلك التى قدمها هالفورد جون ماكيندر فى بداية القرن العشرينHeartland Theory، التى انطلق فيها من أن القارات القديمة الثلاث (افريقيا، آسيا، أوروبا) تمثل وحدة استراتيجية واحدة، أطلق عليها «جزيرة العالم»، وقلب هذه الجزيرة هو منطقة أورواسيا. وبناء على هذا التقسيم، وضع ماكيندرافتراضاته الثلاثة: أن من يحكم شرق أوروبا حكم قلب الأرض، وأن من يحكم قلب الأرض حكم الجزيرة العالمية، وأن من يحكم الجزيرة العالمية حكم العالم. بهذا المعنى، فإن القوة المهيمنة – وفق ماكيندر- هى قوة برية، وأن أى قوة بحرية لن تستطيع الوقوف فى وجه هذه القوة البرية التى تسيطر على قلب العالم، باعتبار أن القوة/ القوى البحرية تسيطر فقط على هوامش الجزيرة العالمية.

عوامل عديدة أسهمت فى إعطاء اعتبار كبير لنظريات الجغرافيا السياسية، تعلق معظمها بمستوى التقدم التكنولوجى، وما تبعه من محدودية الترابط القائم بين الأقاليم الجغرافية، وأولوية الموارد الطبيعية كمصادر للقوة وكموضوع للصراع العالمى. ورغم ما تعرضت له هذه النظريات من انتقادات كبيرة، فقد ظلت مدخلامهما لفهم حركة القوى الكبرى فى مراحل مختلفة فى النظام العالمى، خاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ إذ أمكن فهم الصراع بين القوى الأوروبية والاتحاد السوفيتى، ثم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، باعتباره جزءا من الصراع على السيطرة على «قلب العالم» أو الحيلولة دون توسع القوة المسيطرة على هذا القلب إلى خارجه. لكن هذه النظريات شهدت تراجعا أوسع عقب انهيار الاتحاد السوفيتى ثم انتهاء الحرب الباردة، وبدء موجة من التكامل الاقتصادى الواسع النطاق على مساحات جغرافية واسعة، مثل تمدد عملية التكامل الأوروبية فى اتجاه شرق أوروبا، واستقرار عملية التكامل فى منطقة آسيا-المحيط الهادئ ومأسستها من خلال منتدى آبك (تأسس سنة ١٩٨٩)، ورابطة الدول المطلة على المحيط الهندى للتعاون الإقليمى (تأسست سنة ١٩٩٧)، وغيرها من التجارب مثل منظمة شنغهاى للتعاون (تأسست فى ٢٠٠١). لقد أدت هذه الموجة إلى تراجع الأهمية النسبية لنظريات الجغرافيا السياسية، من ناحية، وإلى تصاعد ما عُرف بنظريات الجغرافيا الاقتصادية التى أعلت من مفاهيم التكامل الاقتصادى والتجارة العالمية والعولمة، كمداخل أساسية فى فهم التحولات الدولية.

لقد ظلت الجغرافيا الاقتصادية مدخلا مفيدا أيضا لفهم التحولات العالمية طوال العقود الثلاثة الأخيرة، لكنها باتت هى الأخرى تواجه تحديات كبيرة بفعل عوامل عدة، أبرزها تراجع إيمان القوة المهيمنة على النظام العالمى (الولايات المتحدة) بقيم العولمة وحرية التجارة. راجع هنا الهجوم الشديد للرئيس ترامب على العولمة وحرية التجارة فى أثناء منتدى آبك عام ٢٠١٧، وانسحابه من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ Trans-Pacific Partnership، ثم بدء حرب رسوم تجارية مع الصين، واهتزاز قدرة الولايات المتحدة على حماية النظام الاقتصادى العالمى الحر. أضف إلى ذلك عاملين مهمين, الأول يتعلق بالتطورات التكنولوجية المتسارعة فى مجالات الاتصالات، والنقل البرى والبحرى، والقدرات العسكرية البحرية.الثانى، يتعلق بصعود الصين، وما ارتبط بهذا الصعود من تداعيات استراتيجية باتت تقلق الولايات المتحدة وعددا من حلفائهافى آسيا وأوروبا. هذه العوامل لم تسهم فقط فى إضعاف نظريات الجغرافيا الاقتصادية، لكنها أسهمت فى صعود ما يمكن أن نسميه الجغرافيا المائية. من ناحية، فإن نسبة مهمة من التفاعلات الدولية، خاصة التفاعلات بين القوى الكبرى، باتت تتم فى مناطق المسطحات المائية (البحار والمحيطات)، سواء التفاعلات التعاونية أو الصراعية, فمازال منتدى آبك الذى يضم الدول المرتبطة بالمحيط الهادئ قائما، ومازالت رابطة الدول المطلة على المحيط الهندى قائمة، وأضيف إليها التعاون المهم الجارى حول غاز شرق المتوسط.لكن فى الوقت ذاته تصاعد الصراع حول السيادة على بحر الصين الجنوبى، ومن المرشح أن يتصاعد النزاع فى بحر الصين الشرقى قريبا والذى أخذ أبعادا مهمة بدءا من عام ٢٠١٣. وشهدت السنوات الأخيرة سلسلة من التطورات المهمة، على المستويين النظرى والتطبيقى، عززت بدورها من مدخل الجغرافيا المائية، منها طرح أدبيات أمريكية نظرية «عقد اللؤلؤ» التى دشن لها بوز ألين هاميلتون فى سنة 2005، وتبعها سيل من الدراسات فى الاتجاه ذاته. وتذهب النظرية إلى أن الصين تسعى إلى الهيمنة على منطقتى المحيط الهادئ والهندى، وما يرتبط بهما من مضايق بحرية شديدة الحساسية، من خلال السيطرة الممنهجة على أكبر عدد ممكن من الموانئ البحرية المرتبطة بهذين المحيطين وامتداداتهما المائية. وقد زاد من مصداقية هذه النظرية لدى اتباعها الامتيازات المتتالية التى تحصل عليها فى الصين فى عدد من الموانى، والاستثمارات الصينية فى عدد من الموانى الأخرى، فضلا عن تزايد القدرات العسكرية البحرية الصينية. تبع ذلك، حزمة من السياسات الأمريكية مع حلفائها، شملت تدشين منطقة المحيطين الهادئ والهندى (الإندوباسيفيك) كمفهوم ومسرح دولى جديد بديلا عن مفهوم آسيا-المحيط الهادئ، ثم إحياء الحوار الأمنى الرباعى (كواد)، وتدشين تحالف أوكوس، مرورا بإعلان عدد غير قليل من الدول استراتيجيات رسمية معلنة بشأن الإندوباسيفيك (الولايات المتحدة، أستراليا، اليابان، الهند، آسيان، إندونيسيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا،الاتحاد الأوروبي). هكذا، باتت التفاعلات الرئيسية بين القوى الرئيسية فى العالم تجرى فى مسرح مائى ضخم (الإندوباسيفيك)، وباتت القوة البحرية عنصرا رئيسا فى موازين القوى الدولية، وأصبحت القواعد والموانى البحرية أداة أساسية فى بناء النفوذ العالمى، على نحو يدشن لموجة جديدة من الأدبيات/ نظريات الجغرافيا المائية.

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 24 نوفمبر 2021

د. محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب