الثبات والتغير فى شخصية المصريين القومية

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

هل هناك شخصية قومية تتوارثها الأمة عبر العصور، أم أن هذا ادعاء يلجأ له البعض كحيلة للتهرب من التغيير؟ التغيير هو السنة المؤكدة فى المجتمع والثقافة، فلا شىء فيهما يستعصى على التغيير. فى المجتمع والثقافة هناك أشياء تتغير بسرعة، وأخرى تتغير ببطء شديد، وهى الأشياء الضاربة بجذور عميقة فى التاريخ. قد تكون هذه الأشياء إيجابية أو سلبية، أو بين بين، ولكنها هى الأشياء التى تمنح الأمة شخصيتها القومية. الألمان فيهم انضباط ودقة وحب النظام. روح التمرد قوية بين الفرنسيين، والثورة الفرنسية والسترات الصفراء، والشاب الذى صفع الرئيس ماكرون يشهدون على ذلك. الدنماركيون يحترمون القانون ويكرهون الفساد ويبدعون تصميمات بسيطة مفيدة…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

هل هناك شخصية قومية تتوارثها الأمة عبر العصور، أم أن هذا ادعاء يلجأ له البعض كحيلة للتهرب من التغيير؟ التغيير هو السنة المؤكدة فى المجتمع والثقافة، فلا شىء فيهما يستعصى على التغيير. فى المجتمع والثقافة هناك أشياء تتغير بسرعة، وأخرى تتغير ببطء شديد، وهى الأشياء الضاربة بجذور عميقة فى التاريخ. قد تكون هذه الأشياء إيجابية أو سلبية، أو بين بين، ولكنها هى الأشياء التى تمنح الأمة شخصيتها القومية. الألمان فيهم انضباط ودقة وحب النظام. روح التمرد قوية بين الفرنسيين، والثورة الفرنسية والسترات الصفراء، والشاب الذى صفع الرئيس ماكرون يشهدون على ذلك. الدنماركيون يحترمون القانون ويكرهون الفساد ويبدعون تصميمات بسيطة مفيدة فائقة الجمال. ماذا عن شخصية المصريين القومية، وهل فى وعى المصريين المحدثين ما يعكس شخصية قومية عميقة الجذور، وكيف نتعامل مع كل هذا ونحن نجتهد لتطوير الوعي.

المصريون محافظون. ما وصلنا من بيوت أثرياء المصريين، الهراوى والسحيمى نموذجا، له تصميمات خارجية بسيطة، لا تدل على روعة الداخل. المبنى كبير، وتصميمه من الخارج بسيط ومباشر، بلا زخارف، لكن فى الداخل تفاصيل ورفاهية لا يمكن استنتاجها من المظهر الخارجي. الكنيسة القبطية تفصل بين الرجال والنساء فى أثناء الصلاة، بالضبط كما يفعل المسلمون.رسومات قدماء المصريين فيها نساءكاشفات، لكن لا يوجد فيها احتفاء بالجسد كما هو الحال عند اليونان والرومان، ولا يوجد فيها سوى القليل جدا من تجسيد العلاقات الحميمة بين الرجال والنساء، على عكس ما أنتجته الحضارة الهندية مثلا.

لننظر فيما كتب بعض الأقدمين عن ثقافة المصريين، ولنستخدم نفس ألفاظهم حرصا على الدقة. اختير الشيخ عبد الله الشرقاوى رئيسا للديوان الخصوصى الذى أنشأه نابليون ثلاث مرات، وأصبح فى عهد محمد على شيخا للأزهر. كتب الشرقاوى رسالة فى تاريخ مصر سماها تحفة الناظرين فيمن تولى مصر من الولاة والسلاطين، جاء فيها أن أهل مصر الغالب عليهم الأفراح، واتباع الشهوات، والانهماك فى اللذات، وتصديق المحالات. وفى أخلاقهم رقة، وعندهم بشاشة، وملقة، ومكر، وخداع. ولا ينظرون إلى عواقب الأمور. وعندهم قلة الصبر فى الشدائد. والقنوط من الفرج. وشدة الخوف من السلطان. أظن أن الشيخ الشرقاوى قصد أهل القاهرة، وليس عموم المصريين، بهذا الوصف.

لكلوت بك مكانة بارزة فى تاريخ مصر الحديث. أسس الطبيب الفرنسى أول مدرسة عليا للطب الحديث فى الشرق، والتى تحولت بعد ذلك إلى كلية طب قصر العيني، كما أسس أول مدرسة عليا للصيدلة، وأول مدرسة لتخريج الدايات، وألف لطلابه المصريين أربعة كتب أسست لدراسة الطب الحديث فى بلادنا. عاش كلوت بك أكثر من عقدين بين المصريين، وألف عن مصر كتابا سماه لمحة عامة إلى مصر، كتب فيه أن المصريين مجبولون على حدة التصور، وسهولة الاختراع، وقوة الحركة، والميل إلى كل ما هو مدهش أو أمر مستغرب.

فى كتاب وصف مصر الذى كتبه علماء الحملة الفرنسية وصفا لبعض من ثقافة المصريين. كتب العلماء الفرنسيون أنه ليس بإمكانك اكتشاف ما يعتمل فى نفوس المصريين عن طريق ملامحهم، فصورة الوجه ليست مرآة لأفكارهم، فشكلهم الخارجى فى كل ظروف حياتهم يكاد يكون هو نفسه، إذ يحتفظون فى ملامحهم بنفس الحيدة وعدم التأثر. يفسر وصف مصر ذلك الغموض بطريقة التربية، والاعتقاد فى القضاء والقدر، وإلى تعودهم أن يكونوا على الدوام عرضة لنزوات الطغاة الذين يعم ظلمهم البلاد.

لم يؤثر شيء فى تشكيل ثقافة وعادات المصريين قدر الظلم التاريخى الذى أذاقه حكام أجانب سيطروا على مصر لألفين من السنين. يقول علماء الحملة الفرنسية فى كتاب وصف مصر إنه من الخطأ الحكم على الحالة الحقيقية للفلاح استنادا إلى مظهره الخارجي، فهو لا يلجأ لهذا إلا ليخدع مضطهديه، فمن المهم بالنسبة له أن يظنه الناس بلا مورد رزق وبلا وسيلة عيش، حتى لا ينتزعوا منه القليل الذى يملكه.

يستدرك علماء الحملة فيقولون إن تحت هذا القناع من السلبية البادية على ملامح المصريين يكمن خيال ملتهب، وسوف يكون من الظلم أن ننكر عليهم كل حساسية. فالصمت يجعل أحاسيس المصريين أكثر حدة، كما أنه يعطى لأرواحهم دفعات من النشاط تجعلهم فى بعض الاحيان قادرين على الإتيان بأفعال بالغة الجرأة، وملكة الانتباه والقدرة على التذكر تذهب إلى أبعد مدى عند هؤلاء الناس الذين نخالهم غارقين فى بلادة مطلقة.

فى باب الطباع يصف علماء الحملة المصرى بأنه خجول بطبعه، وأنه يتفادى الخطر بقدر ما يستطيع، لكنه ما أن يجد نفسه وسط المخاطر بالرغم من حيطته، فإنه يبدى همة ما كنت تظن فى البداية أنها لديه، فليس ثمة ما يساوى رباطة جأش المصرى سوى ما لديه من تواكل. وكما عجز علماء الحملة عن فهم التناقض بين رباطة الجأش والتواكل، فقد عجزوا أيضا عن فهم التناقض بين حب المصريين للمال، وما رأوه فيهم من خمول وبلادة.

لاحظ كلوت بك تعلق بعض المصريين بالحشيش، بينما وجد علماء الحملة الفرنسية أن المصريين مازالوا على نفس الحال التى وجدهم عليها المؤرخ اليونانى الشهير هيرودوت قبل ألفى عام: قليلى الفضول، يتجنبون الأسفار، لا يغادرون وطنهم، فى الوقت الذى يفد إليهم عدد هائل من الغرباء. مازال للحشيش شعبية كبيرة بين بعض المصريين، لكنهم هزموا الخجل والمخاوف، وتحلوا بالفضول، فسافروا إلى كل أنحاء المعمورة. فما الذى تغير أيضا فى المصريين؟

نقلا عن جريدة الاهرام الخميس9 ديسمبر 2021 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب