تنمية ومجتمع

تطوير الأسطول الحكومي الجوي.. أهمية لوجستية واستراتيجية

في أوائل مارس ٢٠٢١ تناول أحد المواقع الإلكترونية المهتمة بصناعة الطيران والمعروف باسم Scramble – Dutch aviation society خبرًا مفاده بيع شركة بوينج Boing الأمريكية إحدى طائراتها من طراز B 747-8 والمُرمَّزَة بالرقم N828BA إلى جهة غير محددة، ولقد أعلنت بوينج في هذا الصدد أن المشتري ليس من شركات الخطوط الجوية التقليدية، بل هو عميل يعتزم استخدام الطائرة في مهام خاصة متعلقة بنقل كبار الشخصيات. وفي التاسع من سبتمبر قام أحد مصوري الطائرات بالتقاط صورة للطائرة سالفة الذكر، وهي متوقفة بساحة مطار بايني فيلد الأمريكي Paine Field Airport بولاية واشنطن شمالي الولايات المتحدة، وذلك بعد أن وضع عليها الرمز الكودي…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

في أوائل مارس ٢٠٢١ تناول أحد المواقع الإلكترونية المهتمة بصناعة الطيران والمعروف باسم Scramble – Dutch aviation society خبرًا مفاده بيع شركة بوينج Boing الأمريكية إحدى طائراتها من طراز B 747-8 والمُرمَّزَة بالرقم N828BA إلى جهة غير محددة، ولقد أعلنت بوينج في هذا الصدد أن المشتري ليس من شركات الخطوط الجوية التقليدية، بل هو عميل يعتزم استخدام الطائرة في مهام خاصة متعلقة بنقل كبار الشخصيات.

وفي التاسع من سبتمبر قام أحد مصوري الطائرات بالتقاط صورة للطائرة سالفة الذكر، وهي متوقفة بساحة مطار بايني فيلد الأمريكي Paine Field Airport بولاية واشنطن شمالي الولايات المتحدة، وذلك بعد أن وضع عليها الرمز الكودي الجديد الخاص بها وهو SU-EGY، لتؤكّد تلك الصورة تبعيةَ الطائرة لحكومة جمهورية مصر العربية، حيث تعتزم الدولة استخدام الطائرة الجديدة ضمن طائرات الأسطول الحكومي، وذلك لتعزيز الكفاءة الفنية لهذا الأسطول، وأيضًا لتقوية قدراته الاستراتيجية واللوجستية في ظل تنامي حركة الدبلوماسية المصرية على المستويين الإقليمي والعالمي.

أهمية الأساطيل الحكومية الجوية

ظهر أول نموذج للطائرات الحكومية إبان الحرب العالمية الثانية، حينما نصحت الأجهزة الأمنية الأمريكية الرئيس “فرانكلين روزفلت” بضرورة امتلاك طائرة خاصة للتنقل، وذلك لتجنب الأخطار المحتملة التي قد تحيق به نتيجة استخدام الطائرات التجارية العادية في رحلاته المختلفة، لذلك استقر الرأي على تكريس طائرة عسكرية من طراز C-54 Skymaster لرحلات الرئيس، لتستمر الولايات المتحدة منذ هذا التاريخ في تطوير أسطول الطائرات الحكومية. وقد حذت أغلب دول العالم نهج أمريكا في هذا الشأن، حيث تمتلك العديد من الدول أساطيل من الطائرات المخصصة لتنقل كبار رجال الدولة.

وقد شهد دور الأساطيل الحكومية توسعًا ملحوظًا على مدار العقود الماضية، فلم يعد يقتصر على نقل الشخصيات الهامة مثل رئيس الدولة وكبار المسئولين من مكان إلى آخر فحسب؛ بل تحولت الطائرات الحكومية تدريجيًا إلى مراكز قيادة استراتيجية متحركة في السماء، حيث يستطيع كبار رجال الدولة وهم على متنها أن يبقوا على اتصال دائم بكافة أجهزة الدولة الحيوية، وذلك من خلال مجموعة من أجهزة الاتصالات اللا سلكية المرتبطة مباشرة بالأقمار الصناعية، وهو ما يسهل بدوره من إمكانية السيطرة على مفاصل الدولة أثناء وقوع حالات الطوارئ المختلفة.

وقد اهتم المصممون بدعم الطائرات الحكومية بمجموعة من التجهيزات اللوجستية، التي من شأنها تسهيل مهمات الشخصيات الكبرى أثناء رحلاتهم البعيدة، فالطائرات الحكومية، خاصة كبيرة الحجم منها، تحتوي على قاعات للاجتماعات، وصالات للصحفيين وأخرى لاستقبال الضيوف والشخصيات العامة، كما تحتوي تلك الطائرات الحكومية على وحدات طبية مجهزة من أجل التدخل العاجل في حال وقوع أية أصابات أو حالات مرضية.

أبدان الطائرات الحكومية تمتلك هي الأخرى مجموعة من الميزات الهندسية التي تساعد على تأمنيها وتسهيل تحركها بين وجهة وأخرى، فجسم الطائرة الحكومية مدعم برادارات دقيقة قادرة على اكتشاف الأهداف المعادية والتشويش عليها، كما تمتلك تلك الطائرات تقنيات مختصة بالتصدي للصواريخ الجوية المهاجمة. فضلًا عن ذلك تمتلك الطائرات الحكومية خزانات وقود كبيرة الحجم، وهو ما يساعدها على البقاء في الجو لأطول فترة ممكنة وبدون الحاجة للهبوط في أي مطار وسيط، كما تمتلك تلك الطائرات خاصية التزود بالوقود في الجو Aerial refueling، وهو ما يساعدها على تعظيم مدى رحلاتها المباشرة بين أي وجهتين أو مطارين.

الأسطول الحكومي الأمريكي

تُعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أبرز مشغلي الأساطيل الحكومية حول العالم في يومنا هذا، فهي تملك أسطولًا من الطائرات يتجاوز عدده 15 طائرة، اثنتان من طراز بوينج Boeing 747-200 (VC-25) وتعرف بطائرة القوات الجوية الأولى Air Force one، وهي مخصصة لتنقلات الرئيس الأمريكي فقط. وتعتزم الحكومة الأمريكية خلال السنوات القادمة استبدال هاتين الطائرتين بطراز أكثر حداثة وهو Boeing 747-8.

فيما تتوزع باقي طائرات الأسطول الحكومي بين طرازات Boeing C-32و Boeing C-40، حيث تمتلك الولايات المتحدة من الطراز الأول عدد 6 طائرات، وهي تستخدم في الغالب لتنقلات الرئيس بين المطارات التي لا يمكن لمدارجها استيعاب الحجم الكبير للطائرة Air Force one، بالإضافة إلى استخدامها في تنقل نائب الرئيس والشخصيات العليا في الدولة تحت اسم طائرة القوات الجوية رقم 2 أو Air force two.

وتمتلك أمريكا من الطراز الثاني Boeing C-4 أربع طائرات، وهي تستخدم بشكل رئيسي في نقل المسئولين الكبار بالإدارة الأمريكية ورجال الكونجرس، فضلًا عن نقل الشحنات الهامة بين مختلف الولايات وحتى خارج حدود البلاد إذا لزم الأمر، ويعاون الأسطول الحكومي أيضًا مجموعة كبيرة من الطائرات صغيرة الحجم من طرازات C-20 Gulfstream وC-21 Learjet وGulfstream C-37.

الأسطول الحكومي الألماني

تمتلك الحكومة الألمانية هي الأخرى أسطولًا مكونًا من 10 طائرات متعددة الأحجام، وتُخصص خدمات هذا الأسطول لنقل كبار مسئولي الدولة، بداية من الرئيس مرورًا بالمستشار الألماني وصولًا لوزراء الحكومة، ولقد بدأت الحكومة الألمانية في التوجه نحو تجديد هذا الأسطول منذ عام 2019 وذلك بعد اصطدامها بموجات عنيفة من النقد من جراء تعرض عدد من الطائرات لأعطال فنية متكررة.

ومثالٌ لتلك الأعطال ما تعرضت له الطائرة الأولى في الأسطول من طراز Airbus A340-300، حينما اضطرت للهبوط اضطراريًا في أواخر عام 2018 بمطار مدينة كولون، أثناء توجه المستشارة الألمانية إلى قمة العشرين التي عقدت في مدينة بيونيس إيرس الأرجنتينية، وأيضًا العطل الذي واجهته الطائرة الخفيفة من طراز Bombardier Global 5000 أثناء الرحلة التي قام بها وزير الدولة الألماني لشئون التنمية “جريد مولر” لعدد من الدول الإفريقية في أوائل 2019، وهو ما اضطره لإلغاء بعض الزيارات الرسمية، وأيضًا تأخير عودته إلى ألمانيا لعدة أيام. لذا تعاقدت الحكومة الألمانية مع شركة إيرباص الأوروبية من أجل تصنيع وتوريد 3 طائرات حديثة من طراز A350-900، وتم بالفعل تسليم أول واحدة منها أوائل عام 2021 الجاري، فيما ينتظر أن يتم تسليم الطائرتين المتبقيتين بحلول عام 2022 المقبل، لتستبدل الحكومة الألمانية بذلك الطائرتين الرئيسيتين القديمتين العاملتين حاليًا من طراز A340-300، حيث توفر الطائرات الجديدة مدى أكبر للسفر يُقدر بـ18،000 كم، وهو ما يزيد على نظيرتها القديمة سالفة الذكر بأكثر من 12%، فيما يُتوقع أن تبدأ الحكومة الألمانية بتبديل كافة طائرات الأسطول المتوسطة والخفيفة على فترات متعاقبة.

الأسطول الحكومي في الهند 

باعتبارها من أبرز الاقتصادات الناشئة على مستوى العالم، اهتمت الهند بدعم أسطولها من الطائرات الحكومية، خاصة الكبيرة منها، وذلك لكي يتناسب هذا الأسطول مع طبيعة الدور السياسي والاقتصادي الذي تلعبه جمهورية الهند في إقليم جنوب آسيا والمحيط الهندي، لذلك تعاقدت الدولة الهندية مع شركة بوينج الأمريكية على تصنيع وتوريد طائرتين من طراز B 777- 300 ER، وذلك لكي تحل هاتان الطائرتان محل الطائرات التجارية من طراز B 747-400 التابعة لشركة Air India، والتي كانت تستخدمها الحكومة الهندية في نقل الشخصيات الهامة وقت الحاجة.

حيث كانت الأجهزة الأمنية في الهند تفضل استبدال تلك الطائرات القديمة بأخرى تابعة للقوات الجوية الهندية بشكل مباشر، وذلك لعاملين أولهما تحقيق أعلى مستويات الأمن للشخصيات الكبيرة التي تستقل الطائرة، فطائرات شركة Air India كانت بمجرد أن تنتهي من نقل كبار رجال الدولة تعود إلى العمل على الخطوط التجارية لتنقل الركاب العاديين، وهو ما قد يؤدي لحدوث ثغرة أمنية في الطائرة على يد أحد الأطراف المعادية، كما أن التجهيزات اللوجستية على طائرات شركة الهند Air India، لم تكن تناسب احتياجات كبار رجال الدولة، والتي تتمثل في توفير قاعات للاجتماعات وأجهزة الاتصالات المتقدمة وغيرها، وهو ما جاءت الطائرات الجديدة من طراز B 777 -300 ER لتوفره.

ولم تنسَ الحكومة الهندية دعم أسطولها بالطائرات الخفيفة والمتوسطة، لذلك تعاقدت مع شركة بوينج Boing الأمريكية على ثلاث طائرات متوسطة المدى من طراز B 737-700، وتعاقدت بعد ذلك في عام 2012م مع شركة أمبرير Embraer البرازيلية من أجل توريد 5 طائرات خفيفة من طراز Embraer Legacy 600.

الأسطول الحكومي في البرازيل 

لكونها من أكثر الدول تأثيرًا على المستوى السياسي في قارة أمريكا اللاتينية، ونظرًا لكبر مساحتها الجغرافية الداخلية التي تفوق 8.5 ملايين كم مربع، اهتمت جمهورية البرازيل على مدار العقود الماضية بتكوين أسطول جوي حكومي كبير العدد، وذلك لتلبية احتياجات كبار رجال الدولة في التنقل على المستويين الداخلي والقاري، لذلك تعاقدت الدولة مع شركة أمبرير Embraer البرازيلية من أجل توريد طائرات قصيرة المدى من طرازات EMB-120 وEMB -100 Phenom، وذلك لخدمة المسافات التي تقل عن 2000 كم، بالإضافة إلى توريد عدد آخر من الطائرات المتوسطة المدى من طرازات ERJ-145 وE-190 التي تصل مدياتها حتى 5،000 كم.

الحكومة البرازيلية قامت أيضًا بالتعاقد مع عدد من مصنعي الطائرات الغربية، وذلك لدعم أسطولها الحكومي بعدد من الطائرات ذات المدى المتوسط مثل الطائرة الكندية Learjet 35 والأوروبية Airbus A319، وتعتبر تلك الأخيرة هي الطائرة الرئيسية في الأسطول البرازيلي، حيث تخصص خدماتها لتنقلات الرئيس فقط، لذلك أُضيفت إليها العديد من التجهيزات الخاصة، كغرفة للاجتماعات وإدارة الأزمات، ومكتب عمل، وجناح نوم للرئيس، بالإضافة إلى عدد آخر من المقاعد من فئتي الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال، وذلك لخدمة الوفد المرافق للرئيس البرازيلي أثناء رحلاته المختلفة، كما يوجد بالطائرة عدد من مواقع الخدمة اللوجستية والأمنية والطبية.

لكنّ الحكومة البرازيلية تفكر حاليًا في إمكانية استبدال طائرة الرئيس من طراز إيرباص A-319، بطائرة أخرى من طراز بوينج B-747 والتي تماثل طائرة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لتوفير العديد من الميزات اللوجستية التي تفتقدها طائرات الأسطول الحالي مثل محدودية المسافات المقطوعة، حيث لا تستطيع الطائرة الرئاسية الأولى أو أي طائرة أخرى في الأسطول الحكومي، أن تقطع رحلة مباشرة بين أمريكا اللاتينية وقارة آسيا أو إفريقيا، بالإضافة إلى محدودية الحمولات التي يمكن أن تستوعبها تلك الطائرات، والتي لا تتجاوز في أفضل الحالات 18 طنًا.

الأسطول الحكومي المصري

يضم الأسطول الحكومي الجوي المصري حاليًا أكثر من عشر طائرات، ولكن على الرغم من هذا العدد الكبير إلا أن الأسطول يحتاج للكثير من التطويرات فكافة طائراته تصنف على أنها من فئة طائرات رجال الأعمال الخفيفة، وذلك باستثناء طائرة واحدة فقط من طرازAir bus A340-211، وهي التي دائمًا ما تُستخدم في الرحلات الطويلة، كما توصف أغلب طائرات الأسطول الحكومي بالقدم العمري، فهناك طائرات جاءت إلى مصر في أواخر السبعينيات من القرن الماضي مثل الطائرات من طراز Dassault Falcon 20E-5، في حين جاء عدد آخر إلى مصر في أواخر التسعينيات مثل طائرات Gulfstream G-IV الأمريكية، أما طائرة A 340-200  فأصبح عمرها يتعدى الآن 26 عامًا، حيث أتت إلى مصر في عام 1995، وهذا ما دفع بعدد من المتخصصين إلى القول بأن الطائرة لم يعد أمامها من العمر الافتراضي للخدمة سوى سنوات معدودة.

طائرات الحكومة الخفيفة كانت توصف أيضًا بمحدودية مدى طيرانها، فالطائرة الفرنسية من طراز Falcon 20E-5 لم يكن في استطاعتها أن تطير أكثر من 3،700 كم بشكل متصل، فيما لم يكن في استطاعة الطائرات الأمريكية من طراز Gulfstream G-IV أن تطير سوى 6،200 كم بشكل متصل، إلى جانب ذلك تتسم الطائرات الحكومية بتأخر أجهزتها الملاحية وتجهيزاتها الداخلية، فالطائرة الفرنسية فالكون Falcon 20E-5 لم تكن مزودة بمساعدات ملاحية للهبوط والإقلاع في المناخات الغائمة أو العاصفة، في حين لم تمتلك نظيرتها الأمريكية فالكون سوى رادار واحد يبلغ مداه 1 كيلو متر وذلك لتصحيح عملية الصعود والهبوط.

حالة الأسطول القائمة دفعت بالحكومة المصرية في 2016م إلى التعاقد مع الشركة الفرنسية المصنعة للطائرات Dassault – Aviation من أجل توريد أربع من الطائرات الجديدة من طرازي Falcon 7X، وFalcon 8X، وذلك لرفع كفاءة الأسطول الحكومي وتطوير خدماته على مستوى النقل القصير والمتوسط، حيث تبلغ مديات تلك الطائرات الجديدة أكثر من 11،000 كم من الطيران المتصل، كما يمكنها أن تنقل في الرحلة الواحدة 16 راكبًا، وذلك على عكس الطائرات الأخرى القديمة التي كان أقصى استيعاب لها 9 ركاب في الرحلة الواحدة.

كما يُنتظر أن تعطي الطائرة الجديدة المتعاقد عليها مع شركة بوينج من طراز B 747-8، دفعة قوية لخدمة النقل الجوي بعيد المدى، فتلك الطائرة تستطيع الوصول إلى مدى يفوق 14،000 كم في الرحلة الواحدة، كما يمكنها حمل أوزان تتجاوز في جملتها 128 طنًا، وهذا ما دفع بعدد من المشغلين إلى اختيارها ضمن أساطيلهم وفي مقدمتهم القوات الجوية الأمريكية الجوية، والتي تعتزم تغيير طائرة الرئيس القديمة من طراز Boeing 747-200 ( C-27 )، بهذا الطراز الجديد.

خلاصة القول، أصبح تطوير الأسطول الحكومي ضرورة من ضرورات الأمن القومي ورفع كفاءة الأداء وإكسابه المرونة الضرورية، فلا يمكن لدولة بحجم جمهورية مصر العربية أن تظل معتمدة على أسطول متقادم من الطائرات الحكومية، خاصةً في ظل تنامي دور مصر السياسي والاقتصادي على الساحتين الإقليمية والعالمية.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة