تعد منطقة الشرق الأوسط على مدى التاريخين الحديث والمعاصر من أهم بؤر الصراعات والحروب على مستوى الجيوش النظامية وكذلك الجماعات والحركات والمليشيات والتيارات والقوى دون مستوى الدولة إن لم تكن هكذا طبيعتها الجيوسياسية على مدار التاريخ البشرى؛ على أعتبار أنها كانت أرضا للأمبراطوريات والممالك القديمة ومهدا للأديان السماوية وأصبحت مطمعا للقوى الإستعمارية والعظمى القديمة والمعاصرة على مدار هذا التاريخ طمعا فى ثرواتها وموقعها المركزى على خريطة العالم؛ وأزدات حدة الصراع والتنافس والأطماع فى ظل غياب صيغ للتعايش والتعاون فى ما بين مكونات الإقليم وسط غابة من المصالح المتضاربة للقوى الفاعلة الدولية تغذى الصراع وتؤسس لولاءات وأدوار وظيفية لا تصب فى صالح شعوب المنطقة بالضرورة.
فى هذا المقال نحاول أن نضع تصورا ينقل بعض الأفكار التى طرحت كصيغ للتعايش إلى أطار تنظيمى يراعى مصالح الدول الوطنية ويحد من الصراع بين المشاريع الإقليمية للقوى المتصارعة والمتنافسة؛ وينقل التناول الأكاديمى من منطقة رصد وتحليل الصراعات القائمة، إلى خيال سياسى مختلف يضع رؤية متكاملة على مائدة من يرغب ويبادر للخروج من كل الانفاق المظلمة التى تقود الإقليم دائما إلى حافة الهاوية وتضعه على فوهة بركان ينفجر بين الحين والآخر نتيجة للتفاعلات بين مكونات الإقليم من دول وجماعات او كمعطى لمدخلات قوى خارجية تعمد دائما إلى تغذية معادلات الصراع بها كى تبقى على مصالحها ومصالح وكلاءها؛ النتيجة واحدة؛ دورات ودوائر مغلقة من الدماء وتراكم الثأرات وطغيان العنف والانتهاكات لما عرف بالنظام الدولى القائم ويستند على مواثيق ومنظمات وهيئات دولية يحكمها قانون دولى عام وقانون دولى إنسانى ومعاهدات واتفاقيات دولية.
قبل إندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023 كنا قد أنتهينا فى المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية من كتاب مهم جاء تحت عنوان: “الشرق الأوسط: إقليم فى مفترق طرق” تشرفت بالإشراف عليه وتحريره؛ ركزت الفكرة الرئيسية والخط الرابط بين أبوابه وفصوله على حتمية وجود نظام أمن وتعاون إقليمى فى منطقة الشرق الأوسط كحل دائم لكل صراعاته وتحدياته وملفاته؛ وكتبت فى نهاية مقدمته تلك الفقرة مؤكدا على المعنى والفكرة؛ محذرا من: “إن الحقيقة التى يجب أن تدركها كل دول الإقليم أن الأمن والاستقرار والتنمية لن تأتى بحلول ورؤى من خارج الإقليم، بل على النقيض تماما يجب على كل الدول على كافة تناقضاتها أن تعمل على الحد من التدخل الخارجى والذرائع التى تبيح الانتهاكات المتكررة لسيادة الدول، وتضع بصورة براجماتية رؤيتها للتعاون والأمن الإقليمى على غرار المنظومات التى تنتشر فى مناطق عدة من العالم، وتنهى لعبة الإبتزاز والضغوط والاستنزاف لكل الثروات والقدرات؛ أى تدرك معنى وقيمة العيش فى سلام”…
وكانت هناك رؤية وحرص مازال قائما وصالحا بالتأكيد على أن المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الأول: هو الاكتفاء بهذا القدر من الحروب والصراعات والاحتلال وإنتهاك كل المواثيق الأممية والأحكام العدلية والقانون الدولى العام والقانون الدولى الإنسانى واتفاقيات جنيف الأربع والسير صوب منظومة أمن وتعاون إقليمى تنهى الاحتلال وتقضى على النزاعات والتدخل فى الشئون الداخلية للدول وتحاصر تمويل وتسليح الجماعات والمليشيات والتيارات والاذرع خارج أطار فكرة الدولة الوطنية؛ وتفرغ كل مزاعم ومبررات التدخل الخارجى. والثانى: أن تستمر المعادلات الصفرية واحتلال الأرض وانتهاك السيادة واشتعال الحروب والصراعات وسياسات المحاور والمشاريع الإقليمية المتضاربة ويعيش الإقليم حالة مستمرة من الفوضى وعدم الاستقرار وغياب التنمية وحالة السيولة التى تسمح بالتدخل الخارجى وانتشار الجيوش والقواعد العسكرية والبحرية والجوية بالتوازى مع استمرار انهيار هياكل الدول ومؤسساتها الوطنية…
وكان السؤال الذى يطرح نفسه كيف يكون هذا التصور واقعيا ملامسا للأرض وجذور المشكلات لانه يظل كتصور نظرى منفصلا تماما عن واقع وحقائق ومعادلات التوازن الإقليمى؟ وكيف سيفيد فى حل المشكلات؟ وكانت الاجابات الدائمة إن إنشاء منظومة أمن وتعاون يمكنها أن تكون بداية لتحقيق ذلك وتشكل اختبارا حقيقيا للنوايا من خلال المعايير والشروط؛ بحيث تكون من شروط الانضمام لها وعضويتها أن يكون العضو غير محتل لأراض الغير من دول المنظومة؛ وأن لا يتدخل فى الشئون الداخلية للدول الاعضاء؛ وأن يمتنع عن تمويل وتدريب وتسليج الجماعات والمليشيات والحركات خارج أطار الدولة ويمتنع عن تصدير الايديولوجيات الدينية والفكرية ويحترم فكرة الدولة الوطنية ويحترم الاختلاف فى العقيدة؛ إضافة لآليات فاعلة تعمق فكرة العمل الجماعى مثل آلية لفض المنازعات والمشكلات الحدودية البرية والبحرية؛ وآليات تنظم حركة الافراد والسلع والتجارة والمناطق الحرة؛ وآلية لتأمين الممرات والمضائق المائية؛ وآلية لحماية الموارد والثروات وتدفق مياه الانهار؛ واحترام المواثيق والمعاهدات والقرارات الدولية؛ وهى كلها تصورات تضع كوابح وآليات تحد من جموع المشروعات الإقليمية القائمة وتسد ثغرات التدخل الخارجى إلا من باب التعاون والمصالح العليا المتبادلة لكل الاطراف…

رأس الذئب الطائر:
ترجح أهمية طرح مبادرة للامن والتعاون الإقليمى ما حدث من تفكك فى العديد من الدول بالإقليم والذى أتاح فرصا جديدة لخدمة مشروعاتها الخاصة من خلال تشكيل تحالفات مع قوى محلية، وأشتمل هذا الانخراط على التمويل المُعلن والخفى، وتسليح الحلفاء المحليين، وكذلك حملات البروباجندا من خلال المنافذ الإعلامية المحلية والعابرة للحدود، وفى بعض الحالات المتطرفة للغاية من خلال العمل العسكرى، مما أدى إلى خلق “حروب بالوكالة”، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على حالة الاستقرار بدول الإقليم، وهو ما ظهر فى النزاعات الإقليمية ذات الخطوط المتقاطعة والمتداخلة.. وذلك بالتوازى مع ضرورة الإشارة لاتجاهات فى الكتابات تؤكد على تحولات رئيسية فى ما يخص التفاعلات بين القوى الإقليمية، سواء دولا أو فواعل مسلحة ما دون الدولة، هو إطالة أمد المعارك والحرص من جانب أطرافها على التصعيد المستمر، إذ إن لجوء إسرائيل إلى شن هجمات مكلفة على جبهات الإسناد ليس حالة طارئة او تقديرا مؤقتا خاصا بنتنياهو، بل هو اتجاه طويل الأمد لدى القيادة الإسرائيلية، تهدف من خلاله إلى فك الإرتباط العملياتى بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجبهات الإسناد، كجزء من رهانها على إخضاع الفلسطينيين وفرض شروطها عليهم بالقوة مع هدف أكبر يكرر ذات السيناريو على كل شعوب ودول المنطقة عندما تحين لحظة الانقضاض… فى المقابل أصرت جبهات الإسناد على هذا التوازن الجديد حتى تحرم إسرائيل من تحقيق هدفها بالمراهنة على الخيار العسكرى؛ وفى هذا السياق تشير معظم الكتابات عن ملفات المنطقة إلى تزايد خطر “الحرب الأبدية” فى الشرق الأوسط، نظرا لن التصعيد الجارى والمستمر فى الإقليم يقود إلى حرب ممتدة تتخللها معارك باهظة التكلفة، وهو ما تشير إليه الخبرات السابقة للولايات المتحدة فى أفغانستان والعراق؛ حيث لم يتحقق الاستقرار، وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل التى قتلت عباس موسوى عام 1992 وعماد مغنية عام 2008، وحينها لم يتم القضاء على حزب الله، ومن غير المتوقع أن يكون الأمر مختلفا هذه المرة وما بعد الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 وحتى الأن وبعد القضاء على كل أغلبية قادة حماس وأغلبية قادة حزب الله ومؤخرا القضاء على عدد كبير من القادة الإيرانيين..
وقد ساهم القمع المطول للشعب الفلسطينى ودورات “الكراهية والموت والدمار” المتكررة فى الارض الفلسطينية المحتلة؛ وأماكن أخرى فى الشرق الأوسط، دليل مأساوى على حقيقة أن عدم معالجة أسباب عدم الاستقرار والحروب فى الإقليم يؤدى إلى انتشارها إلى مناطق قتال جديدة وأن آثارها ستستمر بل وتتفاقم فى الأجيال القادمة.. ولعل الحرب الدائرة على إيران والتى شنتها خارج أطار القانون الدولى كل من الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل وجرت فيها دول الخليج العربى وجعلت منه طرف يتحمل تبعات الحرب وعلى حساب أمنها وأستثماراتها وسيادتها؛ تعد تلك الحرب نموذجا لما ذكرناه من توسع الصراع إنطلاقا من ملفات مزمنة لم تحل وتنامت بؤر الحروب والمواجهات المسلحة التى تنال من أمن واستقرار دول الإقليم والعالم اجمع…
ومع ذلك يظل السؤال عن “نظام أمن وتعاون إقليمي في الشرق الأوسط” هو في جوهره سؤال عن إعادة هندسة الإقليم كله، وليس مجرد إنشاء منظمة أو إطار تنسيقي، لذلك فالتصور الأمثل يجب أن يجمع بين الواقعية السياسية والتدرج الوظيفى، مع استيعاب التعقيدات التاريخية والصراعات المزمنة. لذلك نجد أن التصور الأمثل لنظام أمن وتعاون إقليمي هو نموذج “الأمن التعاوني التدريجي” أفضل نموذج ليس تحالفًا عسكريًا (مثل الناتو)، بل أقرب إلى تجربة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، الذي يرتكز على بناء الثقة، بدلًا من فرض التحالفات والمحاور والمشاريع؛ وإدارة الصراعات بدلًا من إنهائها دفعة واحدة؛ الربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد على أن تكون مكوناته الاساسية عبارة عن: سلة أمنية – ضبط التسلح (خاصة الصواريخ والنووي) – آليات إنذار مبكر – منع الاحتكاك العسكري؛ بالتوازى مع سلة سياسية تكمن فى: احترام السيادة – تسوية النزاعات بالوسائل السلمية – عدم دعم الميليشيات؛ يضاف إلى السلتين سلة إقتصادية/تنموية تقوم على: مشاريع تكامل إقليمي – ربط الطاقة والمياه والنقل – تقليل دوافع الصراع؛ ولا يستقيم الامر دون سلة إنسانية/مجتمعية تستند إلى: مكافحة التطرف والإرهاب – إدارة الهجرة واللاجئين.
ولا ينجح أى نظام أمن وتعاون إقليمى دون أن يعتمد فى نهجه حزمة من المبادئ الحاكمة التى تكون حاضرة فى هذا منظومات وتساهم فى نجاحها وفاعليتها؛ مثل: عدم الإقصاء: إشراك جميع القوى الإقليمية المتصارعة – التدرج: البدء بملفات أقل حساسية (اقتصاد/بيئة) – تعدد المسارات: أمني + اقتصادي + دبلوماسي – المرونة المؤسسية: عدم فرض هيكل جامد منذ البداية… مع مراعاة عدم تجاوز واقع وطبيعة القضايا المزمنة فى المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية “رأس الذئب الطائر” والتى تجسد أكبر مظلومية تتخفى خلفها كل النوايا والتحركات والأطماع والانتهاكات؛ لذلك فإن وضع حل نهائى لها والإنصياع للقانون الدولى والقرارات الأممية فى كل ما يخص الملف الفلسطينى هو الاختبار الأهم والمهم لكل مكونات وأطراف أى تجمع او منظومة إقليمية؛ وعلى إسرائيل أن تدرك انها أمام خيارين: الاول؛ أن تستمر فى الاحتلال وسياسات القتل والتدمير والتوسع وإنتهاك القانون الدولى والإنسانى وتجاهل القرارات الأممية وعدم القبول الشعبى قبل الرسمى فى محيطها الإقليمى واستمرارها كيان إستعمارى غريب عن المنطقة. والثانى؛ أن تنصاع وتنهى أكبر احتلال ومظلومية فى تاريخ المنطقة وتستفيد من المحفزات التى يوفرها نظام أمن وتعاون إقليمى وتنموى يشترط حسن الجوار واحترام سيادة الدول الاعضاء وعدم التدخل فى شئونها واحترام الشرعية والقانون الدولى…
عدم الإقصاء؛ ولكن:
يقوم أى نظام إقليمى على عدم الاقصاء ولكن فى نظامه الاساسى يضع معايير موضوعية وشفافة هى التى تقوم بالفرز والإستبعاد خارج النظام ولا تجعل من النظام حلف او محور معاد ومضاد ويضر بمصالح الآخر؛ فالنص على عدم احتلال أراضى الغير يستبعد إسرائيل وإيران تلقائيا إلى أن يعلن كلاهما نهاية الاحتلال فى فلسطين والجزر الاماراتية الثلاثة؛ والنص على منع التدخل فى الشئون الداخلية وحظر تمويل وتدريب وتسليح المليشيات والحركات والتنظيمات ما دون الدولة الوطنية يستبعد إيران إلى أن تلتزم بالتخلى التام عن أذرعها؛ لذلك بصورة مبدئية وافتراضية يقوم تشكيل منظومة الامن والدفاع الإقليمى “الموسع” فى منطقتنا على أطراف رئيسية هى بالأساس القوى الرئيسية فى الإقليم: مصر؛ السعودية؛ إيران؛ تركيا؛ إسرائيل؛ (ويمكن دراسة إنضمام باكستان) … دول عربية محورية: الامارات؛ قطر؛ الكويت؛ عمان؛ البحرين؛ الأردن؛ العراق؛ سوريا؛ لبنان؛ اليمن؛ السودان الصومال؛ ودول المغرب العربى (تونس؛ ليبيا؛ الجزائر؛ المغرب؛ موريتانيا)؛ إضافة إلى الصومال؛ جيبوتى … ومنعا للصدام وصراع المصالح تكون هناك قوى فاعلة دولية لها مصالح مباشرة وغير مباشرة فى المنطقة تعمل كضامن غير متداخل فى شئون المنظومة وهى: الولايات المتحدة الأمريكية؛ روسيا الاتحادية؛ الصين؛ الاتحاد الاوروبى؛ الهند.
وذلك مع الآخذ فى الاعتبار الرؤى والافكار والتجمعات التى شكلت نظام ومنظومة غير مكتملة او غير ناضجة وفى مقدمتها النظام الإقليمي العربي (ما بعد الاستقلال) وإطار جامعة الدول العربية والذى واجه فشل في التحول إلى نظام أمني فعال بسبب الانقسامات، كذلك ما يطلق عليه ترتيبات ما بعد كامب ديفيد ومحاولات إقصاء مصر او تحييدها وما ترتب على ذلك من نقل الصراع بين الدول والجيوش النظامية إلى لاعب جديد تمثل فى جماعات وحركات مسلحة تحت رايات متعددة (مقاومة ومحور ممانعة وجماعات جهادية)؛ مرورا بما تم طرحه فى ثوب مختلف وهو مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” الذى طرح فى التسيعينيات وبعد أتفاقية أوسلو حيث ركز على التعاون الإقتصادى ولكنه فشل بسبب تعثر التسوية فى القضية الفلسطينية… كما لا يمكن تغافل ما طرح من دعوات متكرر بين الحين والآخر لإنشاء نظام أمن جماعى فى الخليج “الامن الخليجى – الإيرانى” التى سرعان ما أعلن فشلها بسبب إنعدام الثقة بين الأطراف… حتى وصلنا إلى ما يعرف سياسيا ويروج له إعلاميا بأتفاقيات أبراهام والتى تسعى إلى تحقيق تعاون أمني عربي – إسرائيلي يستطيع مواجهة مشتركة للمشروع الإيرانى ولكنه طرح مازال جزئيا وغير شامل ويواجه صعوبات فى معظمها شعبية… هذا فضلا عن ما كان طرح فى الماضى القريب من طرح روسى/صينى حيث طرحت الصين مبادرة أمن جماعى فى الخليج بينما دعت روسيا لنظام متكامل يشمل إيران وكل دول الخليج العربية وتقوم المبادرة والطرح على مبدأ “الأمن غير القابل للتجزئة”…
ومنذ أيام قدمت الصين رؤية إقليمية للحل بعد تصاعد أزمة مضيق هرمز حيث طرحت الصين تقديم حلولها للأزمة وقدّم الرئيس الصيني شي جين بينج أربعة مقترحات بشأن صون وتعزيز السلام والاستقرار في إقليم الشرق الأوسط:
- الالتزام بمبدأ التعايش السلمي: دول الخليج في الشرق الأوسط جيرانٌ لا يمكن فصلهم. من المهم دعم دول الخليج في تحسين علاقاتها، والعمل على بناء بنية أمنية مشتركة وشاملة وتعاونية ومستدامة للشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وترسيخ أسس التعايش السلمي.
- الالتزام بمبدأ السيادة الوطنية: السيادة أساسٌ لبقاء جميع الدول، ولا سيما الدول النامية، وازدهارها، ويجب عدم انتهاكها. ينبغي احترام سيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها احتراماً تاماً، وحماية سلامة أفرادها ومنشآتها ومؤسساتها بكل حزم.
- الالتزام بمبدأ سيادة القانون الدولي: من المهم التمسك بقوة بالنظام الدولي الذي تتصدره الأمم المتحدة، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، والمعايير الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية والمستندة إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
- الالتزام بنهج متوازن للتنمية والأمن: فالأمن شرط أساسي للتنمية، والتنمية ضمانة للأمن. ينبغي على جميع الأطراف العمل على تهيئة بيئة سليمة ودعم التنمية في دول الخليج. والصين على أتم الاستعداد لمشاركة دول الخليج الفرص المتاحة من خلال التحديث الصيني، والعمل معها على تهيئة بيئة خصبة للتنمية والأمن الإقليميين.
التحديات والعقبات:
ملامسة الواقع على الأرض تفرض على التحليل أن نلقى نظرة على أهم التحديات والعقبات التى تواجه أى مبادرة لتأسيس تلك المنظومة وطوق النجاة “الوحيد” للإقليم؛ والتى تكمن فى التضارب والتنافس والصراع بين المشاريع الإقليمية القائمة بكل ما تمثله من أبعاد وعناوين ومخططات: المشروع الإيراني (فكرة ايديولوجية عقائدية وشبكات نفوذ وميليشيات) – المشروع التركي (نفوذ ومطامع جيوسياسية وأرث تاريخى) – المشروع الإسرائيلي (تفوق وأمن مطلق) فى ظل غياب رؤية ومشروع عربى يحدث التوازن وهو ما يجعل هناك صعوبة فى دمج هذه المشاريع في إطار واحد؛ إضافة إلى أزمة الثقة العميقة نتيجة التاريخ الطويل والمشترك من الحروب؛ فضلا عن أن الواقع يقول أن غياب ضمانات حقيقية تحول دون المضى فى هكذا منظومة فى ظل الخوف الناتج عن خبرات من “الخداع الإستراتيجى” الذى مارسته غالبية الأطراف صاحبة المشاريع… و تظل القضية الفلسطينية جوهر الصراع وأي نظام يتجاهلها او يحاول تجاوزها سيكون هشًا وقابل للإنهيار والفشل… كما لا يمكن تغافل او تجاهل الفاعلون غير الدولتيين مثل الميليشيات العابرة للحدود؛ جماعات مسلحة (حزب الله، الحوثيون، إلخ) والتى تؤدى إلى تعقيد وتقييد فكرة “سيادة الدولة”… كما لا يجب أن نغفل عامل التدخلات الدولية المؤثرة على بناء أى نظام لان العديد من الصراعات الدولية تلقى بظلالها على الإقليم وفى مقدمتهم صراع الولايات المتحدة وروسيا والصين الذين يستخدمون الإقليم كساحة تنافس…
لقد فرضت ديناميكيات الواقع الأمنى والسياسى والاجتماعى والاقتصادى العاصف بالمنطقة ككل، أهمية التقييم وإعادة النظر فى مستقبل الاطروحات الرامية لبناء تعاونى امنى إقليمى فى ظل الترجيحات المتباينة ما بين الاتاحة او العرقلة استنادا إلى حالة الضبابية وعدم اليقين القائمة، وعلى الرغم من تنامى التحديات التى تعيق وتعرقل اطروحات “الهندسة الإقليمية”، وغياب التصور الشامل لبناء هذا النظام فى ظل تأكل سيادة الدول وتحديات إعادة بناء الدولة المركزية؛ إلا أنه هناك “نافذة للفرص” لتطويق ومحاصرة المخاطر المترتبة على التحولات القائمة فى البيئتين الدولية والإقليمية، وتعزيز فرص البناء الإقليمى وذلك من خلال أربعة نقاط طرحتها الدكتورة إيمان زهران فى ختام الكتاب المشار إليه سلفا تتلخص فى:
- أولا: إرساء أسس التعاون الإقليمى وإستيعاب التنوعات المجتمعية وتحويلها إلى مصدر قوة بما يقلص من حالة الإنكشاف الداخلى والخارجى.
- ثانيا: تعزيز الدبلوماسية متعددة الاطراف (كإطار رسمى) بترتيبات التسوية السياسية، ودبلوماسية “المسار الثانى” (كإطار غير رسمى) لحلحة جوانب الصراع المستعصية خاصة مع الأطراف من دون الدول والجماعات المسلحة.
- ثالثا: إنجاز متطلبات التكامل الإقتصادى وتوظيف كافة أدوات الثورة الصناعية الرابعة بما يخدم أجندة النسق التعاونى لمستقبل “الهندسة الإقليمية”.
- رابعا: إنشاء آلية فعالة وملزمة لحل النزاعات بالإقليم، والاعتراف بتنوع الهويات دون إنتقاص من الانتماء الوطنى، وخلق بيئة مواتية لاستيعاب وتلبية المطالبات الحيوية من الأمن والمشاركة فى السلطة والموارد، تمهيدا للخروج الكامل من “الدائرة المفرغة” للصراعات القائمة والمحتملة.
الخلاصة الاستراتيجية هى أن الواقعية هى السبيل الأمثل لبدء مسيرة هذه المنظومة بعد أن تتوقف الحرب الدائرة ومع أى نتيجة تصل إليها؛ والبداية تكون بخفض التصعيد بوجود تفاهمات تساهم فى بناء الثقة تدعمها شفافية ودعم لآليات الاتصال مباشر… ثم التحول إلى أطار مؤسسي فى شكل منظمة إقليمية شبيهة بـ OSCE (منظمة الامن والتعاون الأوروبى) تشمل الأمن + الاقتصاد + السياسة… لنخلص إلى أن إنشاء نظام أمن إقليمي في الشرق الأوسط ممكن نظريًا لكنه لن يكون شاملاً في المدى القريب والمسار الأكثر ترجيحًا: شبكة ترتيبات جزئية متداخلة وليس نظامًا موحدًا متكاملًا…
رئيس وحدة الدراسات العربية
