وحدة الدراسات الأفريقية

عودة الصراع في دارفور: الأسباب والتداعيات

شهدت منطقة جبل مون، التي تقع شمال مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، منذ 19 نوفمبر 2021، عدة هجمات مسلحة، على خلفية نزاع قبلي مسلح وقع على إثر قيام عناصر خارجة عن القانون بعملية نهب للماشية التي تخصّ القبائل التي تقطن المنطقة، والتي أعلنت بدورها التعبئة والحشد، الأمر الذي أدى إلى مقتل العشرات وفرار العديد من المدنيين، من جبل مون إلى المناطق المجاورة. الأزمة في إقليم دارفور لا شكّ أن إقليم دارفور يعاني بصفة عامة من تدهور الأوضاع الأمنية، حيث ترتفع جرائم القتل، وتتفشى عمليات النهب والسرقة، وأصبحت الطرق الرابطة بين ولايات دارفور الخمس ليست آمنة، وقد لعبت تجارة السلاح عبر…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

شهدت منطقة جبل مون، التي تقع شمال مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، منذ 19 نوفمبر 2021، عدة هجمات مسلحة، على خلفية نزاع قبلي مسلح وقع على إثر قيام عناصر خارجة عن القانون بعملية نهب للماشية التي تخصّ القبائل التي تقطن المنطقة، والتي أعلنت بدورها التعبئة والحشد، الأمر الذي أدى إلى مقتل العشرات وفرار العديد من المدنيين، من جبل مون إلى المناطق المجاورة.

الأزمة في إقليم دارفور

لا شكّ أن إقليم دارفور يعاني بصفة عامة من تدهور الأوضاع الأمنية، حيث ترتفع جرائم القتل، وتتفشى عمليات النهب والسرقة، وأصبحت الطرق الرابطة بين ولايات دارفور الخمس ليست آمنة، وقد لعبت تجارة السلاح عبر الحدود في مضاعفة التهديدات الأمنية في الإقليم، فأبرز المتورطين والناشطين في الصراع القبلي في دارفور هم المنخرطون في تجارة السلاح العابرة للحدود بين دول (السودان، ليبيا، تشاد، إفريقيا الوسطى)، فضلًا عن زيادة انتشار السلاح من دول الجوار مثل ليبيا، وإفريقيا الوسطى، وتشاد، بالإضافة إلى تدفق السلاح بصورة كبيرة في الفترة ما بين 2003 إلى 2018، ناهيك عن تزايد انتشار تنظيم الدولة والقاعدة وبوكو حرام في بحيرة تشاد.

ومن الأسباب الأخرى التي تُمثل عقبة حقيقية في زيادة ارتفاع الصراعات القبلية في دارفور، هي أزمة الحدود بين القبائل، إضافة إلى الفقر والجهل والبطالة التي يشهدها الإقليم في ظل أزمة هامش يعيشها الإقليم منذ عقود، فلا يزال يسيطر على بعض القبائل رواسب للصراع القديمة التي نفذتها مليشيات الإسلام السياسي في دارفور في الفترة ما بين 2003 إلى 2008. وأحد أهم الصراعات في دارفور هو تسييس القبلية المبني على النظام والخطاب السياسي، حيث إن المجتمعات التقليدية التي تجعل من القبيلة نظامًا، بعيدًا عن القوانين التي تنظم حياة الفرد مع المجتمع، وتتمسك بالنظام القبلي كقوام اجتماعي؛ تندلع فيها هذه الصراعات والنزاعات من حين لآخر بسب الحدود والمراعي والثأر، ناهيك عن التنوع الإثني الذي يمثله الإقليم ويفاقم من التحديات، حيث يتسم الإقليم بتعددية لغوية وثقافية وإثنوجرافية تتحدث أكثر من 100 لغة منطوقة ومكتوبة.

عوامل الصراع في جبل مون

يرتبط الصراع في جبل مون خصوصًا بالتطورات الراهنة التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة، فهذه المنطقة يقطنها بعض القبائل (من: الزغاوة، والمساليت، والمسيرية)، وقد أصبحت مركزًا اقتصاديًا بعد اكتشاف مناجم الذهب واليورانيوم في جبل مون، فضلًا عن تحول المنطقة لمعبر للتجارة وتهريب البضائع مع دول الجوار، الأمر الذي حوّلها إلى مركز للصراع والتنافس بين القبائل، حيث تسعى بعض القبائل لفرض سيطرتها على المنطقة وبسط نفوذها على الأراضي والموارد الضخمة المكتشفة.

وبسبب الاكتشافات في جبل مون، اندفعت القبائل المختلفة في دارفور من أجل التنقيب عن المعادن الثمينة، ولا سيما أن المناطق المختلفة في الإقليم تعاني من الجفاف والتصحر، وفقدت العديد من القبائل الرعوية التي تمتهن الزراعة مواردها.

وقد تَزَايَدَ التنافس بين القبائل بعدما أصبح الإقليم جاذبًا للعديد من القبائل، وشمل التنافس الموارد المائية المحدودة، والتنافس على الموارد المعدنية، ومن ثم تفاقم الصراع، واتجهت القبائل نحو العسكرة، وامتد الصراع إلى دول الجوار في ظل الامتدادات القبلية العابرة للحدود في تلك المنطقة.

وقد ساعد على استمرار تصاعد الصراع عدة عوامل، منها: النزاع حول الأرض، ومصادر المياه، ومسارات الراعي التي تتقاطع مع الأراضي المزروعة، والسماح بتعدي الحيوانات إلى المزارعين، والتدهور البيئي، والسرقة، والثارات، وتدفق السلاح من دول الجوار، فضلًا عن عدم تأمين وتوزيع الموارد العادلة، وتهميش السياسي للجماعات الأقلية في دارفور، ومكافأة بعض القبائل على حساب آخر، وفقر التنمية الاقتصادية والاجتماعية منذ سبعينيات القرن الماضي.

جهود تسوية الصراع

دفعت المواجهات القبلية الأخيرة في دارفور، سلطات الخرطوم لإرسال تعزيزات عسكرية مشتركة من المؤسسة العسكرية وجهاز المخابرات العامة والحركات المسلحة وقوات من الدعم السريع إلى منطقة جبل مون، في محاولة منها لتدارك الأوضاع غير الآمنة، وأيضًا قبل أن تستفحل وتخرج بعيدًا عن السيطرة. واتّخذت السلطات المحلية والأمنية في غرب دارفور قرارًا بحظر التجوال. وتسعى السلطة الانتقالية للإسراع في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية وفقًا لاتفاق جوبا لسلام السودان الموقّع في أكتوبر 2020. وهو الأمر الذي دفع القوات المشتركة لأن تتدخل بقوة لإخماد الصراع القبلي للحيلولة دون تفاقمه. ونفذت السلطات السودانية حملات عسكرية تمكّنت من ملاحقة الجناة، كما صادرت عشرات الموتوسيكلات التي كانت تستخدم لترهيب المدنيين العزل في قراهم. ومن جانب آخر، وقعت في 10 من ديسمبر 2021، بعض القبائل بولاية غرب دارفور اتفاقًا لوقف العدائيات، بعد اشتباكات ومعارك أسفرت عن إصابة المئات ومقتل أكثر 25 قتيلًا. ومن جانبها، أكدت الأمم المتحدة، وفقًا لمديرها الإقليمي لمفوضية شئون اللاجئين في دارفور، توبي هاورد، في 8 ديسمبر 2021، أن ارتفاع العنف في دارفور أدى إلى فرار 10 آلاف شخص من العنف الطائفي في منطقة جبل مون، فيما لجأ أكثر من 2000 شخص إلى دولة تشاد، ومقتل حوالي 48 شخصًا في الاشتباكات بين القبائل العربية والإفريقية، وتم إحراق ونهب حوالي 46 قرية، وإصابة عدد غير معروف من المدنيين العزل بسبب القتال الذي استمر لأكثر من ثلاثة أسابيع.

معسكرات النازحين

تُمثّل معسكرات وقضية النازحين في دارفور عثرة كبيرة للحكومة الانتقالية، وتُساهم بدرجات متفاوتة في الصراعات القبلية، منذ سقوط نظام الإنقاذ بالسودان، وبقيت الدولة السودانية عاجزة عن تحفيز عودة النازحين إلى مناطقهم وتوفير الحماية لهم منذ عام 2003، أي بعد أكثر من 18 عامًا. ولا يزال ملايين النازحين في دارفور غرب السودان بعيدين عن مناطقهم وقراهم. وعلى الرغم من إبرام العديد من اتفاقيات السلام ومن أبرزها اتفاق الدوحة وجوبا، لكن بقي الوضع على ما هو عليه، وأصبحت معسكرات النزوح بؤرًا ملتهبة للصراعات والنزاعات القبلية المستمرة.

خلاصة القول، يُمثّل تراجع التغطية الأمنية للأجهزة التنفيذية السودانية لغرب السودان، كارثة حقيقية للبلاد، في ظل تمدد تنظيم الدولة والقاعدة وبوكو حرام في منطقة الساحل وبحيرة تشاد. ويتشابه السودان -إلى حد كبير- مع دول الساحل في التحديات المرتبطة بالجماعات الإسلامية العابرة للحدود، والتي تبحث عن بؤر للتوتر والصراع كبيئة مناسبة لتمدد تلك الجماعات، إذا تمكّنت هذه التنظيمات الإرهابية على غرار داعش والقاعدة من إيجاد موطئ قدم لها في غرب السودان، خاصة أن الأغلبية العظمى من سكان دارفور متصوفين، وعادةً ما يستغل تنظيم الدولة المناطق المضطربة أمنيًا كبيئة سهلة للتغلغل بين الأفراد وتجنيدهم.

وختامًا، يجب على الدولة السودانية العمل على تنمية المناطق المضطربة في دارفور، والعمل على عودة النازحين إلى مناطقهم وتوفير الأمن لهم، من خلال عودته إلى قراهم قبل موسم الحصاد مع توفير المعدات والآلات والغلة لممارسة حياة العادية، وبداية موسم زراعي دون عقبات، وملء الفراغ الأمني من خلال تدريب قواته المشتركة وفقًا لاتفاقية جوبا للسلام، لمواجهة أي اضطرابات وصراعات ونزاعات ذات طابع قبلي، وبسط الأمن والاستقرار في غرب السودان، والحد من الصراعات القبلية المتداخلة مع دول الجوار.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية