مائة عام شرق أوسط

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

ظهر الشرق الأوسط فى اللحظة التى ولدت فيها الدولة العربية فى منطقة المشرق. ففى عام 1920 تأسست دولة لبنان، وفى عام 1921 تم تأسيس دولتى العراق والأردن، وتشكل الكيان السورى، ومن بعده الدولة السورية عام 1925. كانت كل هذه البلاد تابعة للدولة العثمانية التى خسرت الحرب العالمية الأولى، فتم تقليص مساحتها إلى حدود تركيا الحالية. لقد اتسمت سنوات الحكم العثمانى بالاضطرابات والتأخر الاقتصادى والاجتماعى، واتسمت سنوات حكمهم الأخيرة بقسوة وعنف شديدين. غير أن الشرق الأوسط المولود قبل مائة عام لم يتمتع بالسلام والحكم الرشيد، وظل الاضطراب السياسى والتهديدات هو السمة الغالبة على الأوضاع السياسية لبلاد المنطقة، وبعد مائة عام من…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

ظهر الشرق الأوسط فى اللحظة التى ولدت فيها الدولة العربية فى منطقة المشرق. ففى عام 1920 تأسست دولة لبنان، وفى عام 1921 تم تأسيس دولتى العراق والأردن، وتشكل الكيان السورى، ومن بعده الدولة السورية عام 1925. كانت كل هذه البلاد تابعة للدولة العثمانية التى خسرت الحرب العالمية الأولى، فتم تقليص مساحتها إلى حدود تركيا الحالية. لقد اتسمت سنوات الحكم العثمانى بالاضطرابات والتأخر الاقتصادى والاجتماعى، واتسمت سنوات حكمهم الأخيرة بقسوة وعنف شديدين. غير أن الشرق الأوسط المولود قبل مائة عام لم يتمتع بالسلام والحكم الرشيد، وظل الاضطراب السياسى والتهديدات هو السمة الغالبة على الأوضاع السياسية لبلاد المنطقة، وبعد مائة عام من تأسيسها، تعانى الدول العربية فى المشرق مخاطر تهدد وجودها، ويعانى معها الشرق الأوسط كله الصراعات والفوضى. فكيف تم إهدار الفرصة وصنع الفشل، وهل من دروس نتعلمها من هذه التراجيديا المشرقية.

ولدت الدولة المشرقية رغما عن إرادة أهلها. كان الناس غاضبين من سياسات الدولة العثمانية، ومن تمييز الترك على حساب العرب، ومن القسوة المفرطة التى لجأ لها الحكام الأتراك. غير أن أغلب الناس لم يفكروا فى الخروج من تحت دولة الخلافة العثمانية، بل كانوا يفضلون إصلاح الحكم القائم وليس هدمه كلية، حتى أن حزب اللامركزية العثمانية كان هو أكثر الأحزاب شعبية بين الأعيان والمتعلمين العرب حتى بداية الحرب العالمية الأولى، والتى ما إن نشبت حتى تحولت مشاعر أغلب هؤلاء نحو القومية العربية والاستقلال، بتأثير من دعاية الهاشميين، حكام الحجاز، الذين دعوا إلى مزيج من الوحدة القومية العربية على نمط القوميات الأوروبية الحديثة، وإحياء الخلافة العربية على نمط الدولة الأموية القديمة.

لم تكن أحلام أهل المنطقة واقعية. كان الزمن قد تجاوز دولة الخلافة، ولم يعد ممكنا لا الإبقاء على الخلافة العثمانية، ولا تأسيس خلافة عربية جديدة. فى الوقت نفسه فإن دولة الوحدة القومية العربية كانت مشروعا طموحا جدا، يصعب تنفيذه فى ظل التنوع والانقسامات الكثيرة فى المجتمعات، و الخطط الاستعمارية لتقسيم المنطقة. انتهى أهل المنطقة إلى عدة دول أصغر مما حلموا به، وبالنسبة للكثيرين وقتها فإن لحظة تأسيس هذه الدول الناشئة كانت لحظة حزينة، فليس هذا هو ما تمنوه. المفارقة التاريخية المؤلمة هى أن شعوب المنطقة تحتفل بعيد ميلادها المئوى وهى تتطلع باشتياق وحنين إلى لحظة التأسيس البعيدة هذه، باعتبارها لحظة مشرقة فى مواجهة المآسى والإخفاقات التى حدثت فى المائة عام اللاحقة، ولسان حالهم يقول: لو عاد بنا الزمن إلى هذه اللحظة لأمسكنا بها ولا ندعها تفلت من أيدينا.

أهل جبل لبنان هم الوحيدون الذين فازوا بدولة أكبر من أمنياتهم. لقد سعى موارنة جبل لبنان إلى الاستقلال بالجبل منذ فترة، وعندما تفككت الدولة العثمانية أصابهم الطمع، وتمنوا لو تضم إلى جبلهم الصغير مساحات إضافية من سوريا التاريخية، فاستجاب لهم الفرنسيون فى لحظة كرم استعمارى، وتم تأسيس دولة لبنان الحالية. يندم الموارنة اليوم على التفريط فى جبلهم الصغير. لقد فازوا بلبنان أكبر، لكن فيه عددا أكبر من الشيعة والسنة، الذين توالدوا بمعدلات أسرع، وأصبحوا أغلبية فى لبنان الكبير، فخسر الموارنة الهيمنة التى كانت لهم فى مطلع الأمر، فراحوا هم أيضا ينظرون إلى الخلف بحنين وحسرة، فى حين يطلقون كلاما عن الفيدرالية علها تعيد لهم لبنان الصغير.

كانت دول الشرق الأوسط التى تأسست قبل مائة عام أصغر من دول الوحدة العربية والإسلامية الكبرى التى حلم بها الأيديولوجيون الإسلاميون والعروبيون، فكرهها هؤلاء، واعتبروها دولا غير شرعية، تأسست نتيجة لمؤامرة استعمارية تستهدف تقسيم العرب والمسلمين. لكن دول الشرق الأوسط نفسها كانت أكبر من المجتمعات الطبيعية لأهل المنطقة، فهى أكبر من القبائل والطوائف والمذاهب والعرقيات، لهذا شعر هؤلاء بالغربة فى الدولة الجديدة، وبالتهديد من إخوانهم ومواطنيهم فى الوطن الجديد، فتجهزوا لخوض الصراع، والمنافسة على الثروة والسلطة، وصولا إلى السعى للانفصال فى بعض الحالات القليلة.

منذ ولادتها والدولة المشرقية تتعرض لضغوط من أعلى وضغوط من أسفل. فمن أعلى كانت الهويات الكبرى الجامعة، العروبية والإسلامية، تنزع الشرعية عن الدولة الوطنية، التى سمتها قطرية، وتسعى إلى تقويضها باسم الوحدة العربية أو الإسلامية. أما من أسفل فقد تعرضت الدولة الوطنية لضغوط القبائل والمذاهب والطوائف والقوميات، الراغبة فى تصغير الدولة الوطنية الجديدة لتلائم مصالحها وتصوراتها.

الضربة الأخطر للدولة الوطنية الناشئة جاءت من جماعات أقلوية، مذهبية وطائفية، رفعت شعارات وحدوية لزوم التمويه والمناورة، فأسهمت فى تقويض الدولة مرتين، مرة من خلال الإنهاك الأيديولوجى الوحدوى المدمر لشرعية الدولة الوطنية، ومرة أخرى من خلال مؤامرات السيطرة والتوظيف والاستغلال، التى استهدفت تمكين جماعات وعصب أقلوية من رقبة الدولة ومصيرها. التراجيديا المؤلمة هى الطريقة التى وقع بها حزب البعث، أكبر حزب عروبى فى تاريخ المنطقة، فى أهم وأكبر بلدين مشرقيين، تحت سيطرة جماعات عائلية تنتمى لأقليات طائفية ومذهبية، سخرت الحزب والدولة لخدمة سلطتها، فكانت قمة الملهاة فى ذلك الخطاب الوحدوى الفخيم المدفوع بمصالح عائلية وطائفية شديدة الضيق.

اعتصموا بالدولة الوطنية، ولا تيأسوا منها أبدا. لا تكفوا عن العمل على إصلاحها، لكن لا تتورطوا فى هدمها. لا تنخدعوا بالخطابات الفخيمة، فقد يكون وراءها مقاصد خبيثة، أو سذج يرددون كلاما لم يفكروا فيه جيدا قبل ترويجه.

نقلا عن جريد الاهرام بتاريخ 23 ديسمبر 2021 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب