على الرغم من تعقد المشهد الإقليمي المحيط بالدولة المصرية، إلا أنها نجحت في الحفاظ على أمنها القومي وإرسائها دعائم مؤسساتها الوطنية في ظل سياق شديد الاضطراب، حيث ركزت القيادة السياسية المصرية على تثبيت أركان ودعائم الدولة، بما يضمن تحقيق الأمن الإنساني من ناحية، ويعزز الأمن القومي من ناحية أخرى، ومن ثم يمكن استعراض أبرز الآليات التي اتخذتها الدولة المصرية من أجل دعم استقرارها الداخلي وتحقيق مصالحها الحيوية في ظل اشتعال الأوضاع في دول الجوار.
الردع والتحديث العسكري: عملت الدولة المصرية على امتلاك أدوات الردع بهدف حماية الأمن القومي المصري على كافة الاتجاهات الاستراتيجية، ولا سيما مع تصاعد التهديدات التي انتشرت في دوائر الأمن المباشر لها. وارتباطًا بهذا الهدف الاستراتيجي تم إحداث طفرة غير مسبوقة في تسليح وتدريب القوات المسلحة المصرية على أصعدة مختلفة.
فقد اتبعت الدولة المصرية استراتيجية مفادها التحديث الشامل للبنية العسكرية بما يتلاءم مع التحديات والتغيرات التي فرضها السياق الإقليمي والدولي، وذلك عبر توقيع عدد من الاتفاقيات في مجال التسليح بهدف تعظيم القدرات لمواكبة أحدث النظم العسكرية. وفي هذا السياق، امتلكت مصر حاملتي مروحيات “جمال عبد الناصر” و”أنور السادات” من طراز “ميسترال” والتي تعد من أحدث السفن على مستوى العالم، بجانب تدشين عدد من القواعد العسكرية المتكاملة كالأسطول الجنوبي (يناير 2017) وقاعدة محمد نجيب (يوليو 2017) وقاعدة 3 يوليو البحرية (يوليو 2021) وذلك لتكون مرتكزًا لتنفيذ أي مهام توكل إليها بنجاح في ضوء تغطيتها كافة الاتجاهات الاستراتيجية.
كما اتبعت الدولة المصرية استراتيجية تسليح قائمة على تنويع مصادر التسليح، بحيث لا تقتصر على دولة معينة، بل تشمل عددًا كبيرًا من الدول منها الولايات المتحدة وورسيا والصين وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا، وذلك بهدف الحفاظ على استقلالية القرار المصري والحيلولة دون خضوعه لأي ضغوط من ناحية، فضلًا عن تطوير القدرة العسكرية من ناحية أخرى، بما ينعكس بشكل مباشر على حمايتها لمصالحها الحيوية وأمنها القومي.
وفي إطار التحديث الشامل للقوات المسلحة، أولت الدولة المصرية أهمية خاصة لمنظومة بناء الفرد المقاتل، حيث رفع الكفاءة القتالية لأفراد القوات المسلحة باعتبارهم الركيزة الأساسية لتنفيذ مختلف المهام. ومن ثم تنوعت الإجراءات التي تم اتخاذها في هذا الصدد، لتشمل تطوير المؤسسات التعليمية العسكرية وفقًا لأحدث برامج العلوم العسكرية، بجانب زيادة كثافة المناورات العسكرية بهدف اكتساب المزيد من الخبرات الميدانية وتبادل الخبرات القتالية. وتعد أبرز هذه المناورات “النجم الساطع” و”سهم الصداقة”، و”درع العرب”، بالإضافة إلى مناورات “حسم” و”كليوباترا” و”قادر”، وغيرها من المناورات العسكرية الثنائية ومتعددة الأطراف.
وبالتوازي مع التحركات سالفة الذكر، عملت الدولة المصرية على اتباع سياسات من شأنها توطين الصناعات العسكرية والدفاعية، لتلبية الاحتياجات الرئيسية للقوات المسلحة المصرية من أسلحة وذخائر، فضلًا عن تحقيق الاستغلال الأمثل للإمكانيات والخبرات المتراكمة التي تمتلكها مصر. ويعد افتتاح “مصنع 300 الحربي” (فبراير 2020) دليلًا جليًا على حجم المجهودات المبذولة في هذا السياق.
مقاربة شاملة للإرهاب: شهدت الدولة المصرية في أعقاب أحداث 25 يناير 2011 تحديًا كبيرًا مرتبطًا بتصاعد تهديد الظاهرة الإرهابية، مما انصرف إلى ضرورة اتخاذ خطوات من شأنها تقويض نفوذ التنظيمات وتحقيق أمن الوطن والمواطن. وفي ضوء هذا الطرح جاءت المقاربة المصرية تجاه الظاهرة الإرهابية مقاربة شاملة متعددة الأبعاد والمحاور، حيث تكاملت الأبعاد الأمنية والتشريعية والفكرية والتنموية، لتقديم استراتيجية فاعلة نجحت في تحجيم نفوذ التنظيمات الإرهابية.
فقد أطلقت الدولة المصرية عددًا من العمليات الأمنية من أجل محاصرة نشاط الإرهاب، عُدّ أبرزها العملية الشاملة سيناء 2018، والتي نجحت في تدمير البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية، وتجفيف منابع التمويل، بجانب القضاء على عدد من القيادات والعناصر الإرهابية. وفي سياق المكافحة الشاملة للظاهرة الإرهابية، كان التشريع ساحة مركزية لمواجهة الإرهاب، وذلك عبر إصدار عدد من القوانين لتحجيم ممارسات العناصر الإرهابية، ويأتي على رأسها قانون مكافحة الإرهاب في أغسطس 2015، إذ حدد المشرع المصري بشكل جلي وواضح تعريف الدولة المصرية للإرهابي والعمل الإرهابي وتمويل الإرهاب.
وقد تكاملت المواجهة الفكرية مع الإجراءات الأمنية والقانونية، حيث أطلقت القيادة السياسية الدعوة لتجديد الخطاب الديني، كجزء محوري لمواجهة التطرف الفكري، ومن ثم استجابت المؤسسات الدينية الوطنية ممثلة في الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية لهذه الدعوة عبر جملة من الخطوات على رأسها إنشاء دار الإفتاء مرصدَ الفتاوى التكفيرية بهدف تفنيد الآراء المتطرفة والفتاوى التكفيرية. كما أطلقت مؤسسة الأزهر “وثائق الأزهر”، والتي برهنت على انحيازه لقيم الحوار والتعايش، وتصديه لمحاولة تشويه الإسلام من قبل بعض التنظيمات المتطرفة. هذا بجانب إعداد وزارة الأوقاف برامج لتأهيل الدعاة وأئمة المساجد لصياغة خطاب مناسب لمواجهة الفكر المتطرف.
وانطلاقًا من إيمان القيادة السياسية بأن التنمية هي السلاح الأمثل لمواجهة الإرهاب، أطلقت الدولة المصرية جملة من المشروعات القومية التي تستهدف تحسين مستوى المعيشة، وخفض معدلات البطالة، بجانب تعزيز قيم الولاء والانتماء، مما يساهم في تجفيف منابع التجنيد على خلفية سد أي ثغرات تستطيع أن تنفذ منها التنظيمات الإرهابية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى المشروع القومي حياة كريمة الذي يعد من أكبر المشروعات القومية، حيث هدف إلى توفير حياة كريمة للفئات الأكثر احتياجًا على مستوى الجمهورية.
وفي ضوء هذه الاستراتيجية المتكاملة، نجحت الدولة المصرية في تطهير سيناء من الإرهاب والقضاء على التهديد الإرهابي، مما انصرف إلى حصولها على إشادات دولية على خلفية نجاحها في تقويض نفوذ التنظيمات الإرهابية، إذ أشاد تقرير صدر عن مجلس الأمن الدولي حول التهديد الذي يشكله تنظيم داعش للسلام والأمن الدوليين في فبراير 2020 بالمقاربة التي اتبعتها الدولة المصرية في مكافحة الإرهاب وذلك على المستويين العسكري والتنموي.
دعم استقرار الإقليم: اتبعت الدولة المصرية سياسة خارجية هدفها الأساسي دعم الاستقرار الإقليمي، ومن ثم تبنت مصر مقاربة رصينة، قوامها الرئيسي تعزيز مفهوم الدولة الوطنية، ودفع مسارات التسوية السلمية للصراعات، ورفض التدخلات الخارجية المعرقلة لجهود تحقيق الاستقرار.
وقد تمسّكت الدولة المصرية بهذه الثوابت والمحددات في ضوء تعاطيها مع مختلف الازمات الإقليمية في المنطقة. فبالحديث عن التعاطي المصري مع القضية الفلسطينية، يتسنى لنا القول إن القضية الفلسطينية تعد ضمن أبرز القضايا المرتبطة بالأمن القومي المصري، إذ كان الهدف الرئيسي لمصر في تعاطيها معها هو ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة تقوم على الأسس والمرجعيات الدولية.
ويؤكد العدوان الإسرائيلي المتكرر تجاه قطاع غزة، على الدور المصري التاريخي تجاه القضية الفلسطينية؛ حيث تتمكن مصر بفضل تحركاتها الإيجابية من إقناع الأطراف بوقف إطلاق النار، لكن دورها لم يتوقف على ممارسه الوساطة فحسب، بل امتد إلى إطلاق مبادرة رئاسية عاجلة لإعادة إعمار قطاع غزة في عام 2021. ومع اندلاع الأحداث الأخيرة في فلسطين دعت الدولة المصرية إلى ضرورة توفير النفاذ العاجل والآمن للمساعدات الإنسانية إلى غزة، هذا بجانب إعلانها الاستعداد لتسخير كل قدراتها وجهودها للوساطة، بالتنسيق مع كافة الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة دون قيد أو شرط من أجل العودة إلى المسار التفاوضي.
وبالانتقال إلى التعاطي المصري مع الأزمة الليبية، نجد أن الأخيرة احتلت مساحة واسعة على أجندة عمل الدولة المصرية؛ إذ حرصت مصر في كل تحركاتها تجاه الأزمة الليبية على أن تكون مساعي الحل نابعة من الأطراف والمؤسسات الليبية، ومن ثم جاء التحرك المصري تجاه ليبيا قائمًا على دعم المؤسسات الوطنية الليبية، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مع الدعوة إلى وقف القتال، والانحياز إلى أطر التسوية السلمية.
أما على صعيد التعاطي المصري مع الأزمة السورية، فنجد أنها تبنت رؤية قوامها الحفاظ على وحدة أراضي الدولة السورية، ورفض التدخل العسكري في الشأن السوري، وإعطاء الأولوية للمساعي الدبلوماسية. ولم يختلف الموقف المصري من الأزمة اليمنية عن مثيلتيها الليبية والسورية، حيث تبلور الموقف المصري في الحفاظ على سيادة الدولة اليمنية، وضمان سلامة مؤسساتها الوطنية، بالإضافة إلى دعم الحل السياسي للأزمة، مع الدعوة إلى ضرورة وقف استغلال الأراضي اليمنية لاستهداف دول الجوار، أو لعرقلة حرية الملاحة في مضيق باب المندب.
وبالحديث عن المشهد في السودان، نجد أن الدولة المصرية نجحت في استعادة العلاقات الاستراتيجية مع السودان، وأكدت على استمرار دعمها لحكومة وشعب السودان في كافة المجالات والمسارات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار وتعزيز التنمية في السودان. ومع اندلاع الأحداث الأخيرة في منتصف أبريل الماضي بين كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وقفت الدولة المصرية على مساحة واحدة من مختلف الأطراف، واتبعت مبدأ الحياد، مع دعمها أطر الوساطة بهدف التسوية السلمية للأزمة، فضلًا عن دورها الإنساني المتمثل في تحوّلها إلى معبر وملاذ آمن للاجئين.
مجمل القول، على الرغم من التحديات غير المسبوقة التي واجهت الدولة المصرية منذ عام 2011، إلا أنها تتبع سياسة تهدف إلى تحقيق السلام والتنمية والتعاون، مما يستدعي حرصها على امتلاك القوة والقدرة ليس بهدف الدخول في صراعات ولكن رغبة في الحفاظ على أمنها القومي، وصيانة مصالحها الحيوية، والتأكيد على مكانتها الاستراتيجية. وقد يكون أصدق وأعمق ما يعبر عن أهمية مصر ومحورية دورها قول الأديب الكبير “عباس العقاد” حينما كتب مقالًا جاء تحت عنوان “نحن المصريين” قال فيه: “نحن في بقعة من الأرض لا يستقر العالم إذا اضطربت، ولا يضطرب العالم إذا استقرت، ولم يحدث في الزمن الأخير حدث عالمي قط إلا كان رده وصداه على هذه البقعة من الكرة الأرضية. فإذا ملكنا إرادتنا في هذه البقعة فهي حاجز الأمان بين المشرق والمغرب، وبين المتنازعين في كل وجهة.






























