أصبح تخزين النفط أحد العناصر الحيوية في منظومة أمن الطاقة لأي دولة؛ إذ يوفّر آلية استراتيجية لضمان استقرار الإمدادات وحماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق العالمية أو الاضطرابات الجيوسياسية. ومن هنا، أدركت مصر أهمية تطوير قدراتها في مجال التخزين النفطي باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق أمن الطاقة لديها، وتعزيز مكانتها الإقليمية كمحور لتجارة وتداول النفط والغاز في المنطقة. فمن خلال إنشاء وتوسيع مستودعات التخزين في مناطق استراتيجية مثل السويس، والعلمين، ودهشور، والعين السخنة، تسعى الدولة إلى رفع كفاءة منظومة الإمداد المحلي، وضمان توفر المشتقات البترولية، وتمكينها من أداء دور محوري في سوق الطاقة الإقليمي.
ويتكامل تطوير البنية التحتية للتخزين مع رؤية مصر لأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة يربط بين مصادر الإنتاج في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، ومناطق الاستهلاك في أوروبا وأفريقيا. هذا التوجه يعزّز من القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، ويفتح آفاقًا أوسع للاستثمار في الصناعات التكميلية، ويزيد من مرونة الدولة في مواجهة صدمات الطاقة العالمية. وبذلك، يمثل تخزين النفط في مصر ليس فقط أداة لإدارة المخاطر، بل أيضًا رافعة استراتيجية لتحقيق الريادة الإقليمية في قطاع الطاقة. وفي هذا الإطار، تم توقيع اتفاقية تعاون لتأسيس شركة مساهمة مصرية لإنشاء منطقة لوجستية لتخزين وتداول النفط الخام والمنتجات النفطية بحوض البحر المتوسط بمنطقة العلمين. ويستهدف المشروع تطوير ميناء الحمراء النفطي في إطار التعاون والتكامل مع ميناء الفجيرة أكبر ميناء للنفط والغاز، ويشمل التعاون نقل الخبرات وتطبيق أحدث النظم والتقنيات المعمول بها، بما يعزز كفاءته وفقًا للمستويات العالمية. كما يشمل اتفاقًا تجاريًا لتوريد المشتقات النفطية من الإمارات لصالح الهيئة المصرية العامة للبترول.
أولًا: الأهمية الاستراتيجية لتخزين النفط
تخزين النفط يعني أن الدولة أو شركات القطاع النفطي تحتفظ بكميات من النفط الخام والمُنتَجات البترولية في خزانات أو مخازن استراتيجية، بحيث يمكن استخدامها في حالات الطوارئ أو الاضطرابات؛ مثل انقطاع الإمداد، أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار، أو تأثر مرافق الإنتاج أو النقل أو توترات جيوسياسية مفاجئة. وجود هذه المخزونات يمكن أن يتيح للدولة تأمين استمرارية الإمداد المحلي، وتقليل تأثير الصدمات الخارجية على السوق الداخلي، كما يمنحها وقتًا لإعادة تنظيم الإمداد أو تنويع المصادر دون حدوث أزمة مفاجئة.
على المستوى الدولي، تُعدّ المخزونات الطارئة جزءًا من آليات أمن الإمداد النفطي. على سبيل المثال، في إطار تفاهم الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، تلتزم الدول الأعضاء التي هي من مستوردي النفط الصافي بأن تحتفظ «بمخزونات تعادل على الأقل ما يُغطّي 90 يومًا من صافي وارداتها النفطية» من السنة السابقة. هذا يعني؛ إذا كانت الدولة تستورد يوميًا (بعد خصم الصادرات والتغيرات في المخزون) مثلًا 1 مليون برميل، فإنها عليها أن تمتلك مخزونًا يُعادل تقريبًا 90 مليون برميل كحد أدنى. وهناك قاعدة أخرى يمكن أن تطبق في منطقة الاتحاد الأوروبي، وهي إما «90 يومًا من صافي الواردات أو 61 يومًا من الاستهلاك الداخلي» أيّهما أكبر. هذا التخزين يُعد بمثابة عامل أمان -فهو لا يمنع بالضرورة ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، لكنّه يخفّف من حدة ونطاق الضرر الناتج عن اضطراب مفاجئ في الإمداد. كما أن وجود مخزون غالبًا ما يُسهم في استقرار السوق.
ثانيًا: البنية التحتية لمنظومة التخزين في مصر
- تُعدّ البنية التحتية لتخزين النفط في مصر أحد محاور منظومة الطاقة الوطنية؛ إذ تمتلك الدولة شبكة واسعة من المستودعات ومحطات التخزين تمتد من الساحل الشمالي إلى البحر الأحمر، تُشغّلها وتديرها الهيئة المصرية العامة للبترول (EGPC) وشركاتها التابعة، وتقدَّر السعة الإجمالية للخزانات المصرية بنحو 13 إلى 15 مليون متر مكعب من النفط الخام والمنتجات البترولية، (وفق بيانات وزارة البترول والثروة المعدنية لعام 2024) وتشمل أهم المراكز التخزينية:
- ميناء الحمراء النفطي غرب العلمين بطاقة تقارب 5.3 مليون برميل بعد التوسعات الأخيرة.
- مجمعات السويس والإسكندرية التي تحتوي على أكثر من 120 خزانًا لتخزين الخام والمشتقات.
- منشآت دهشور والعين السخنة المخصصة لمنتجات الوقود والغاز المسال.
وتعمل مصر على تطوير وتوسيع هذه البنية التحتية ضمن رؤيتها للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة، من خلال شراكات مع دول مثل الإمارات والسعودية واليونان، واستثمارات حكومية وخاصة تتجاوز 2.5 مليار دولار في مشروعات التخزين والنقل. في هذا السياق، تستهدف مصر تحويل ميناء الحمراء البترولي بمدينة العلمين الجديدة إلى مركز ومنطقة لوجستية لتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية وتداولها على ساحل البحر المتوسط. وتأتي هذه الخطوة في إطار المشروع المُعلن في مصر منذ عام 2020، لإنشاء مجمعات ومستودعات كبيرة للنفط بمناطق: رأس غارب، ورأس شقير، ورأس بدران، وعجرود بالصحراء الشرقية. ويضم المشروع 24 خزانًا كبيرًا في المناطق الأربعة، وسعة إجمالية تصل إلى 26.5 مليون برميل. إضافة إلى تعزيز نظم السلامة والمراقبة البيئية في المستودعات عبر أنظمة تحكم رقمية متطورة للحد من الفاقد والانبعاثات. هذا التطوير يسهم في رفع كفاءة منظومة الإمداد المحلي، وتحقيق مرونة أكبر في تصدير واستيراد النفط الخام، ويضع مصر في موقع تنافسي إقليميًا.
ثالثًا: ماذا يعني تخزين النفط الإماراتي في مصر
وقّعتا مصر والإمارات (الفجيرة) في أكتوبر 2025، ثلاثة اتفاقيات لتطوير «منطقة لوجستية» في مدينة العلمين الجديدة وتوسعة ميناء الحمراء البترولي ليعمل كمركز تخزين وتداول نفطي إقليمي يربط مسارات الخليج–البحر الأحمر–شرق المتوسط. تشمل الأعمال إضافة خزانات بحرية وبرّية (من ضمنها خطوة توسعية شمالية تضمنت خزانين بسعة 630 ألف برميل لكل منهما)، بالإضافة إلى مراحل مخصّصة لمنتجات الديزل والوقود النفاث؛ وتتركّز الأهداف على رفع السعة الإجمالية لميناء الحمراء البترولي (الميناء المصري الوحيد المتخصص في خدمة قطاع النفط على ساحل البحر المتوسط) إلى تخزين حوالي 20 مليون برميل من النفط الخام، و2.9 مليون برميل من المنتجات النفطية بحلول 2030، وذلك لزيادة القدرة على استقبال وتداول شحنات خام خليجية وتوصيلها للأسواق الأوروبية والأفريقية بسرعة أكبر.
ويُعدّ هذا التعاون خطوة فعليّة نحو ترسيخ هدف مصر بأن تصبح مركزًا إقليميًا لتداول وتخزين مصادر الطاقة (النفط والغاز). ومن خلال الشراكة مع الإمارات، تستفيد مصر من نقل التكنولوجيا والخبرة، وتُتاح لها فرص لإيرادات خدمية –مثل تخزين النفط، النقل، وإعادة التصدير– مما يُعزّز من اقتصادها اللوجستي للطاقــة. كما تتوافق هذه المشاريع مع استراتيجية مصر التي تُركّز على الاستفادة من موقعها كبوابة بين شرق المتوسط والبحر الأحمر، وتقليص التبعية المباشرة لممرات النفط التقليدية؛ مما يعزّز مرونتها في مواجهة تقلبات الإمداد والأسواق. بالتالي، فإن تخزين النفط الإماراتي في مصر ليس مجرد عقد تجاري، بل تحالف استراتيجي يرتبط بأمن الإمداد، وتعظيم العائد من البُنى التحتية، وبترسيخ المكانة الإقليمية لمصر في قطاع الطاقة.
رابعًا: تعاون إقليمي ودولي في تخزين النفط في مصر
تلعب الشراكات الإقليمية والدولية دورًا محوريًا في تطوير قدرات مصر في مجال تخزين النفط وتعزيز مكانتها في مجال الطاقة إقليميًا؛ إذ يمثل التعاون مع دول الخليج والبحر المتوسط ركيزة أساسية لربط مصر بشبكات الإمداد العالمية.
وتشهد مصر تعاونًا نشطًا بجانب الامارات، مع السعودية واليونان وقبرص في مجال تخزين ونقل الطاقة، ضمن خطة أوسع لجعلها مركزًا لوجستيًا لتداول النفط والغاز في شرق المتوسط. وتشير بيانات الهيئة المصرية العامة للبترول (EGPC) إلى أن استثمارات تطوير مرافق التخزين والنقل خلال الفترة 2023–2025 تجاوزت 2.5 مليار دولار، شملت مشروعات التوسعة في السويس، والعلمين، ودهشور.
وعلى جانب آخر، قد تفكّر السعودية في توسيع خطط تخزين النفط في مصر، خاصة أنها تستعمل قدرة التخزين الخادمة لخط أنابيب سوميد، وتمتلك الهيئة المصرية العامة للبترول 50% من شركة سوميد التي تملك وتشغّل ميناء سيدي كرير، في حين تتوزع الـ50% الأخرى على 4 كيانات من السعودية، والكويت، والإمارات، وقطر. وقد تم توقيع مذكرات تفاهم مع شركات عالمية مثل أرامكو للتجارة (Aramco Trading) وTotalEnergies لتخزين منتجات بترولية لها في الموانئ المصرية.
وقد تشكّل مزايا تخزين النفط في مصر دافعًا لدول مثل العراق للتفكير بجدية؛ حيث إن هناك مفاوضات جارية بين الطرفَيْن لنقل النفط العراقي إلى القاهرة عبر توسعة خط أنابيب “البصرة-العقبة“، بالإضافة إلى مشاورات لتكريره في مصر ثم تصديره إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. حيث إن بغداد قد تفكر في تنويع مصادر التخزين بمصر ذات الموقع الاستراتيجي المميز المدعوم بقناة السويس. مما يعزز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ويقوّي دور مصر في منظومة أمن الطاقة الإقليمي.
خامسًا: التحديات وراء التخزين النفطي في مصر
على الرغم من توافر مزايا تنافسية ملموسة يمكن استثمارها في مصر لتحقيق هدفها الأكبر في تداول الطاقة إقليميًا؛ مما يعزز المرونة في شبكات التوريد الإقليمية، كما تفتح المجال لنقل التكنولوجيا، وخلق فرص قيمة مضافة في قطاع الطاقة، فإنه لا تزال هناك تحديات لربما تعيق هذا التوجه؛ حيث تواجه منظومة تخزين النفط في مصر ضغوطًا متعددة، منها توفير التمويل لتوسعة الخزانات وتحديث البنية التحتية والأنظمة الأمنية والبيئية (خاصة مع اشتراطات مراقبة الفاقد والانبعاثات)، إذ تتطلّب مشاريع التوسعة استثمارات كبيرة وعمليات صيانة مستمرة. كما تبرز الحاجة إلى التحديث المستمر للأطر التنظيمية والمالية لتشجيع استثمارات خاصة وطاقة استيعابية تجارية تكفي لدعم تحقيق أهداف مصر، خصوصًا إذا ما استهدف استيفاء معايير احتياطي الطوارئ الدولية (مثل معايير تغطية أيام من الواردات مثل المطبقة لدى مؤسسات عالمية)، وكل ذلك يستدعي تنسيقًا بين الجهات المعنية مثل وزارة البترول، الهيئة المصرية العامة للبترول، مشغّلي الموانئ، والمستثمرين الأجانب لتقليل مخاطر التنفيذ وضمان استدامة التشغيل.
وختامًا، يُعدّ تخزين النفط في مصر ركيزة استراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية وأمنية واقتصادية متشابكة؛ إذ يتجاوز دوره حدود الإدارة الاقتصادية إلى كونه أداة لتعزيز أمن الطاقة الوطني والإقليمي. فمن الناحية الجيوسياسية، يمنح موقع مصر الفريد بين قناة السويس والبحرين المتوسط والأحمر ميزة محورية في منظومة تجارة الطاقة العالمية؛ مما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية في أمن الإمدادات بين الشرق الأوسط وأوروبا. كما أن تعزيز قدرات التخزين يمنح القاهرة نفوذًا تفاوضيًا أكبر في إدارة الأزمات النفطية العالمية، ويعزز دورها كـمركز إقليمي لتداول الخام والمنتجات البترولية، بما ينعكس على استقرار أسواق الطاقة الإقليمية ويعزّز من شراكاتها الاستراتيجية مع دول الخليج والاتحاد الأوروبي.
علاوة على أن تطوير بنية التخزين يرتبط مباشرة بضمان مرونة منظومة الإمداد الوطني في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية أو التقلّبات السوقية، ويمثل مشروع تخزين النفط في مصر ليس مجرد خيار اقتصادي، بل أداة مهمة لتعزيز الاستقرار الطاقي، وتعزيز الأمن القومي، وترسيخ مكانة مصر كمحور إقليمي في أمن الطاقة العالمي.
المراجع






























