في خضمّ مرحلة دقيقة يمر بها الاقتصاد العالمي، حيث تعيد التوترات الجيوسياسية رسم خارطة التحالفات التجارية وتلقي ظلالاً كثيفة من عدم اليقين، تبرز القارة الأفريقية كنموذج لافت للمرونة الاقتصادية والقدرة على التكيف. إننا اليوم لا نتحدث مجرد أرقام نمو عابرة، بل نرصد تحولاً هيكلياً يعكس نضجاً في السياسات الاقتصادية لعدة دول بالقارة، وهو ما ترجمته التقديرات الحديثة لمجموعة البنك الأفريقي للتنمية، التي تتوقع تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.2% في عام 2025 و4.3% في عام 2026.
هذا الزخم الإيجابي ليس وليد الصدفة، بل هو حصاد لثمار إصلاحات اقتصادية جريئة ومستمرة، مدعومة بقوى ذاتية تتمثل في إنفاق استهلاكي خاص يتسم بالصلابة، وسياسات نقدية توسعية ذكية. كما أن المتغيرات الخارجية، بدءاً من تراجع سطوة الدولار الأمريكي وانعكاساته المحمودة على كبح جماح التضخم المستورد، وصولاً إلى تعافي الشركاء التجاريين الرئيسيين، قد خلقت مناخاً مواتياً للانطلاق.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يأتي تقرير “توقعات الأداء الاقتصادي الكلي في أفريقيا” الصادر عن مجموعة البنك الأفريقي للتنمية في نوفمبر 2025، ليمثل وثيقة مرجعية حيوية؛ إذ لا يكتفي برصد الأداء الآني، بل يستشرف الآفاق قصيرة ومتوسطة المدى، مقدماً تحليلاً عميقاً لموقع القارة السمراء في قلب المعادلة الاقتصادية العالمية المتغيرة. في السطور التالية، نفكك شفرة هذه التوقعات ونحلل دلالاتها لمستقبل القارة.
أولاً: توقعات النمو الاقتصادي في أفريقيا.. مرونة وسط التحولات
على الرغم من تصاعد حالة عدم اليقين التي تخيم على سياسات التجارة العالمية، أظهرت الآفاق الاقتصادية للقارة الأفريقية تحسناً ملموساً، مدفوعاً بالثمار الإيجابية للإصلاحات الهيكلية الجارية في العديد من دول القارة. تهدف هذه الإصلاحات بشكل رئيسي إلى تعزيز المرونة الاقتصادية عبر تخفيف حدة الصدمات الخارجية ومعالجة أوجه الجمود الهيكلي المحلي. وفي هذا الصدد، رفع بنك التنمية الأفريقي سقف توقعاته لمتوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقارة ليصل إلى 4.2% في عام 2025 و4.3% في عام 2026. وتمثل هذه الأرقام صعودياً بمقدار 0.3 نقطة مئوية لكل عام مقارنة بتقديرات البنك السابقة الصادرة في مايو 2025، والتي كانت تقف عند 3.9% و4.0% على التوالي.
وتستند هذه النظرة التفاؤلية بشكل جوهري إلى توقعات بتعافي وزيادة زخم الإنفاق الاستهلاكي الخاص في اقتصادات محورية بالقارة، وعلى رأسها مصر، وغانا، والمغرب، وجنوب أفريقيا. ويعزز هذا الاتجاه الصعودي حزمة من المحفزات الاقتصادية المتزامنة، تشمل الزيادات المقررة في الأجور، والتوجه نحو سياسات نقدية توسعية، بالإضافة إلى ضعف الدولار الأمريكي الذي يسهم بدوره في كبح الضغوط التضخمية المستوردة. يضاف إلى ذلك تحسن معدلات النمو لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين للقارة، مما يدعم أداء الصادرات ويعزز حركة الواردات، حتى في ظل التحديات المرتبطة بالتعريفات الجمركية الأمريكية المعلنة.
وفي سياق المقارنات الدولية، ورغم تباين التقديرات، تظل أفريقيا في طليعة مناطق النمو العالمي. فوفقاً لتقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2025، يُتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقارة نمواً بنسبة 3.2% و3.1% لعامي 2025 و2026 على التوالي. وبهذه المعدلات، تحتل أفريقيا المرتبة الثانية عالمياً كأسرع القارات نمواً، تاليةً لقارة آسيا التي تتصدر المشهد بتوقعات نمو تبلغ 4.4% و4.1% لنفس الفترة، مما يؤكد الجاذبية الاستثمارية الكامنة في الأسواق الأفريقية.
الأداء الإقليمي: ثلاث مناطق تقود قاطرة الصعود الاقتصادي
كشفت المراجعة الدقيقة لبيانات البنك الأفريقي للتنمية عن مشهد اقتصادي متباين عبر القارة، حيث حملت توقعات عام 2025 تعديلات إيجابية (تصاعدية) لثلاث مناطق جغرافية من أصل خمس، مما يعكس تحسن الآفاق الاقتصادية وتفاوت درجات التعافي. وفيما يلي تفصيل لهذا المشهد وفقاً للأقاليم:
شمال وغرب ووسط أفريقيا: زخم تصاعدي ملحوظ تصدرت شمال أفريقيا مشهد التحسن، حيث تم رفع توقعات النمو لعام 2025 بشكل ملموس إلى 4.3% (مقارنة بـ 3.6% في توقعات مايو). وجاء هذا التفاؤل مدعوماً بمراجعة شاملة لمعظم دول المنطقة، أبرزها القفزة الكبيرة في توقعات ليبيا من 6.9% إلى 12.4%، والتحسن الطفيف في الجزائر. ويمتد هذا الزخم لعام 2026 بتوقعات تصل إلى 4.1%.
بالتوازي، أظهرت غرب أفريقيا أداءً قوياً، مع رفع توقعات النمو لعام 2025 إلى 4.8% (صعوداً من 4.3%). قاد هذا التحسن المحوري اقتصادان رئيسيان: غانا (بقفزة من 4.5% إلى 5.5%) مدفوعة باستعادة الثقة في أجندة الإصلاح ونجاح إعادة هيكلة الديون وارتفاع قيمة العملة المحلية “السيدي”، ونيجيريا (من 3.2% إلى 4.0%) بفضل انتعاش قطاع الخدمات واستقرار سوق الصرف. ورغم تراجع التوقعات للسنغال وغينيا بيساو، تظل النظرة العامة للمنطقة إيجابية لعام 2026 عند 4.6%.
أما وسط أفريقيا، فقد شهدت هي الأخرى تعديلاً إيجابياً لعام 2025 ليصل النمو إلى 3.9%، مع توقعات بالتسارع إلى 4.2% في 2026. ورغم شمولية النمو لمعظم دول المنطقة، شكلت “الكونغو” استثناءً بخفض توقعاتها إلى 3.1% تأثراً بتراجع أسعار النفط العالمية، نظراً لاعتمادها الهيكلي على القطاع النفطي الذي يمثل ربع ناتجها المحلي.
شرق وجنوب أفريقيا: بين الصدارة والتباطؤ رغم احتفاظ شرق أفريقيا بلقب المنطقة الأسرع نمواً في القارة (5.9% في 2025 و6.2% في 2026)، إلا أن البنك خفض سقف توقعاته لعام 2025 بمقدار 0.3% مقارنة بتقديرات مايو. يعكس هذا التخفيض ضغوطاً مالية حدت من القدرة على الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات المحفزة للنمو، قبل أن يُتوقع تحسن طفيف في 2026.
في المقابل، تظل جنوب أفريقيا (المنطقة) الحلقة الأضعف نسبياً، حيث استقرت توقعات نمو 2025 عند 2.2% دون تغيير، مع خفض طفيف لعام 2026 إلى 2.4%. تشير البيانات إلى مراجعة سلبية لثماني دول من أصل 13 في المنطقة، أبرزها بوتسوانا التي انكمشت توقعاتها إلى (-0.8%) وأنغولا وإسواتيني. ومع ذلك، فإن التحسن في توقعات الاقتصاد الأكبر في المنطقة (دولة جنوب أفريقيا) من 0.8% إلى 1.2% قد ساهم في موازنة التراجعات الحادة في الاقتصادات المجاورة.
شكل رقم (1): التوقعات النمو الاقتصادي لمناطق القارة الأفريقية لعامي 2025 و2026

المصدر: توقعات الأداء الاقتصاد الكلي في أفريقيا، نوفمبر 2025
ثالثا: مؤشرات الاستقرار النقدي.. مسار انحسار التضخم وتباين الضغوط الهيكلية
تشير أحدث تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى بدء انحسار الموجة التضخمية في القارة، وإن كان ذلك يحدث بوتيرة متباينة. إذ يُتوقع أن يتراجع متوسط معدل التضخم في أفريقيا ليسجل 13.7% في عام 2025، ثم يواصل انخفاضه الملموس ليصل إلى 10.3% بحلول عام 2026. وتكشف مقارنة هذه الأرقام بتقديرات شهر مايو الماضي عن تحسن طفيف في رؤية البنك لعام 2025 (بانخفاض قدره 0.1%)، في حين تم رفع توقعات التضخم لعام 2026 بنسبة 0.5%، مما يشير إلى استمرار بعض الضغوط السعرية لفترة أطول مما كان متوقعاً.
فجوة الدخل وتأثيرها على الأسعار عند الغوص في تفاصيل البيانات، يظهر تباين واضح يعكس هشاشة الاقتصادات الأقل دخلاً. ففي الوقت الذي تم فيه خفض توقعات التضخم للدول متوسطة الدخل لعام 2025 بنسبة 0.6% لتستقر عند 13.2%، واجهت الدول منخفضة الدخل مراجعة تصاعدية مقلقة؛ إذ يُتوقع أن يرتفع التضخم فيها إلى 16%، بزيادة قدرها 1.9% عن التوقعات السابقة (14.1%)، مما يضاعف من تحديات المعيشة في هذه المجتمعات.
خارطة التضخم وفقاً للهيكل الاقتصادي أظهر التحليل القطاعي لعام 2025 تبايناً مماثلاً يعتمد على طبيعة الموارد المحركة للاقتصاد، وذلك على النحو التالي:
- بشائر انفراج لمصدري النفط: حظيت الدول المصدرة للنفط بأكبر مراجعة إيجابية، حيث تم خفض توقعات التضخم من 19.2% إلى 17%، مما يعكس تحسناً في استقرارها النقدي.
- استقرار نسبي للاقتصادات غير المعتمدة على الموارد: استمرت هذه الدول في تسجيل أدنى معدلات التضخم، مع تخفيض التوقعات من 6.1% إلى 5.9%.
- ضغوط متزايدة على الدول المعتمدة على الموارد والسياحة: في المقابل، شهدت الاقتصادات المعتمدة على الموارد (غير النفطية) قفزة في توقعات التضخم من 10.2% إلى 13.5%. كما طالت الضغوط الدول المعتمدة على السياحة، حيث روجعت توقعاتها تصاعدياً من 2.8% إلى 3.4%، وإن كانت لا تزال عند مستويات منخفضة مقارنة بغيرها.
شكل رقم (2): توقعات البنك الأفريقي لمعدل التضخم بالقارة الأفريقية مايو ونوفمبر 2025

المصدر: توقعات الأداء الاقتصاد الكلي في أفريقيا، نوفمبر 2025
رابعا: الأداء المالي: اتساع فجوة العجز وتحديات الاستدامة
لا يزال المشهد المالي في القارة الأفريقية يرزح تحت وطأة العجوزات النقدية المزمنة وضغوط الإنفاق المتصاعدة. وفي هذا السياق، عدّل بنك التنمية الأفريقي توقعاته للعجز المالي الكلي للقارة نحو الارتفاع، حيث يُتوقع أن يتسع العجز ليصل إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 (مقارنة بـ 4.7% في توقعات مايو). يُعزى هذا التدهور في الموازنات العامة إلى “كماشة” مالية تتمثل في تضخم فاتورة مدفوعات الفائدة من جهة، وتقلص الهوامش المالية الحكومية نتيجة تراجع عوائد التصدير وانخفاض إيرادات السياحة من جهة أخرى. وتمتد هذه النظرة الحذرة لعام 2026، حيث يُتوقع أن يسجل العجز 4.9%، وهو مستوى أعلى مما كان متوقعاً سابقاً (4.4%) .
تباين الانكشاف المالي حسب الهيكل الاقتصادي عند تشريح البيانات وفقاً لطبيعة الاقتصادات، يتضح تباين حدة الضغوط المالية لعام 2025 كالتالي:
- الاقتصادات المعتمدة على السياحة (الأكثر تضرراً): تواجه هذه الدول التحدي الأكبر، حيث يُتوقع أن تسجل أعلى معدل توسع في العجز المالي بين كافة المجموعات ليصل إلى 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي قفزة كبيرة مقارنة بتوقعات مايو (5.2%)، مما يعكس هشاشة هذه الاقتصادات أمام الصدمات الخارجية.
- الدول المصدرة للنفط: تأتي في المرتبة الثانية من حيث حدة العجز، المتوقع أن يصل إلى 6.6% (ارتفاعاً من 5.8%)، مما يشير إلى أن عوائد النفط الحالية قد لا تكون كافية لتغطية الالتزامات المتنامية.
- الاقتصادات غير المعتمدة على الموارد: تشهد ضغوطاً متوسطة، حيث ارتفع العجز المتوقع إلى 4.5% (مقارنة بـ 4.0%).
- الدول الغنية بالموارد (المعادن): تمثل النقطة المضيئة الوحيدة، حيث يُتوقع أن يظل وضعها المالي مستقراً بل ويميل للتحسن الطفيف، ليضيق العجز هامشياً إلى 3.9% (انخفاضاً من 4.0%)، بدعم من استمرار الأسعار المرتفعة لبعض المعادن الاستراتيجية كالذهب والنحاس.
شكل رقم (3): توقعات البنك الأفريقي للأداء المالي بالقارة الأفريقية مايو ونوفمبر2025

المصدر: توقعات الأداء الاقتصاد الكلي في أفريقيا، نوفمبر 2025
خامسا، مخاطر تؤثر على التوقعات الاقتصادية الإيجابية
أشار تقرير “توقعات الأداء الاقتصاد الكلي في أفريقيا” لما ممكن أن يؤثر على توقعاته الاقتصادية الإيجابية. في ضوء ما سبق، تم الإشارة للعديد من المخاطر التي ستأثر على توقعاته:
- المخاطر التنازلية
- الضغوط المالية والجيوسياسية تضخم المخاطر السلبية لتوقعات النمو الاقتصادي، وتهدد أعباء الديون المتصاعدة، ومساحة المالية المحدودة، والاحتياطيات الخارجية المنخفضة بتأجيل الإصلاحات الاقتصادية والتحول الهيكلي.
- حتى مع انخفاض أسعار السياسة النقدية، تظل تكاليف الاقتراض مرتفعة مما يقوض قدرة الدول الأفريقية على تمويل الاستثمارات طويلة الأجل. بلغ متوسط العائد ل10 سنوات على ديون جنوب أفريقيا المقومة بالدولار الأمريكي أكثر من 10% بالنصف الأول من عام 2025، وهو أعلى بكثير من المعدلات في اقتصادات الأسواق الناشئة الأخرى.
- يمثل عدم الاستقرار السياسي بالدول الأفريقية خطرًا سلبيًا كبيرًا على التوقعات النمو الاقتصادي الأفريقي؛ فالصراعات الممتدة في الشرق الأوسط تعطل النشاط الاقتصادي وتحول الموارد المتاحة للإنفاق العسكري بدلاً من أولويات تنموية واستثمارات.
- التغيرات المستمرة بالمشهد الجيوسياسي وصعود قوى اقتصادية جديدة عالمياً، يعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي وتحويل أنماط التجارة والاستثمار. بالرغم من التقدم في مفاوضات السلام بالشرق الأوسط، لا يزال التوقع بحدوث انفراج دائم للصراعات المتعددة غير مؤكد. التوترات الجيوسياسية الحالية تُقلص من إمكانات النمو الاقتصادي في أفريقيا.
- المخاطر التصاعدية
- يمكن لانخفاض ضغوط التضخم بشكل أسرع بالبلدان بمعدلات التضخم المرتفعة، أن يعزز النمو الاقتصادي. كثير من الدول الأفريقية تتبع سياسات نقدية توسعية مع انخفاض التضخم وتوقعاته الاقتصادية الإيجابية. تدعم الأسعار العالمية المنخفضة منذ بداية عام 2025، تسريع وتيرة انخفاض التضخم بالدول ذات المعدلات تضخم المزدوجة الأرقام أو الأعلى، مما يوفر هامشاً أوسع لتبني سياسات نقدية داعمة. إذا تحقق ذلك، فإن توقعات النمو بالمدى المتوسط ستكون أقوى من التوقعات الحالية.
- يُمكن أن يؤدي تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) لتعزيز التجارة البينية الأفريقية والنمو الاقتصادي بالمدى المتوسط. يوفر عدم اليقين بالسياسات التجارية أسبابًا للدول الأفريقية لتسريع تنفيذ الاتفاقية بمعالجة الحواجز غير الجمركية، والإجراءات الحدودية البطيئة، والتفاوتات التنظيمية بشكل حاسم. معالجة هذه المعوقات من شأنها تعزيز التجارة داخل أفريقيا وتحسين آفاق النمو الاقتصادي.
سادساً، توصيات المقترحة في التقرير
أشار التقرير بعض التوصيات من الجانب المالي، وجانب العرض، ومن ناحية الديون:
- أولاً، على الصعيد المالي: يجب على جميع الحكومات ترشيد الإنفاق الجاري وتحسين كفاءة الإنفاق العام. يتعين عليها تعزيز الحوكمة المالية بتحسين الشفافية والمساءلة بتنفيذ الموازنة. بالإضافة لبرامج الاستثمار العام لإعادة هيكلة تدريجية لتوجيه الموارد للقطاعات الإنتاجية وكثيفة العمالة واستهداف أفضل للتحويلات الاجتماعية لحماية الفئات الضعيفة. بالتالي، ستُحسّن تلك الإصلاحات جودة ومصداقية الإنفاق العام، وتخلق فرص عمل، وتعزز نمواً اقتصادياً أكثر شمولاً.
- ثانياً، على جانب العرض: إن معالجة الاختناقات الهيكلية وتعزيز سلاسل الإمداد ضرورياً من أجل نمو اقتصادي مستدام. يؤكد التفتت العالمي المتزايد على إلحاح تعميق التجارة البينية الأفريقية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتنويع قواعد الإنتاج والتصدير، وبناء القدرة على الصمود ضد الصدمات الخارجية. بينما يسلط عدم اليقين في السياسة التجارية الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على الأسواق خارج القارة وسلاسل القيمة العالمية، فإنه يقدم أيضاً فرصة لتسريع التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة المؤسسية.
- ثالثاً، على صعيد الديون: هناك حاجة لسياسية شاملة للحد من مخاطر الديون مع الحفاظ على تمويل التنمية. يُعد تعزيز الحوكمة المالية وإدارة الديون خطوة أولى حاسمة، تتطلب تقارير أكثر شفافية ومنتظمة عن الدين العام، وإدماج الالتزامات المحتملة بالأطر المالية، وتعزيز الرقابة البرلمانية. كما أن تعزيز تعبئة الموارد المحلية بتحديث وتقنية النظم الضريبية، وتحسين الإدارة الضريبية أمر ضروري. على المستوى الإقليمي، سيمكن التنسيق الأكبر لتعزيز ممارسات موحدة لاستدامة الديون وبناء أنظمة إنذار مبكر الحكومات من إدارة المخاطر بشكل استباقي والاستفادة من الخبرات المشتركة.
ختاماً: نحو أفق اقتصادي واعد رغم التحديات المالية
كشفت القراءة المتعمقة لتقرير “توقعات الأداء الاقتصادي الكلي في أفريقيا”، الصادر عن مجموعة البنك الأفريقي للتنمية في نوفمبر 2025، عن ملامح تعافٍ ملموس في جسد الاقتصاد القاري خلال عامي 2025 و2026. تجلى هذا التعافي في تحسن معظم المؤشرات الكلية، بدءاً من النظرة الاقتصادية العامة وتوقعات النمو المتفائلة، وصولاً إلى انحسار الموجات التضخمية. ومع ذلك، يظل “العجز المالي” وتوقعات اتساعه نسبةً للناتج المحلي الإجمالي بمثابة جرس إنذار يستدعي الحذر.
وفي هذا السياق، تبرز التجربة المصرية كنموذج استباقي؛ إذ لم تكتفِ الدولة بانتظار تحسن الظروف العالمية، بل بادرت بتنفيذ حزمة من الإجراءات الإصلاحية الجريئة لتعزيز “المناعة الاقتصادية”. وقد ارتكزت هذه التحركات على دعامتين أساسيتين: صيانة الاستقرار الكلي عبر سياسات نقدية مرنة لكبح التضخم، وتحفيز الاقتصاد الحقيقي عبر تسهيل بيئة الاستثمار.






























