في ديسمبر 2015، مثّل اعتماد اتفاق باريس للمناخ لحظة فارقة في تاريخ العمل المناخي العالمي؛ إذ وللمرة الأولى اتفقت دول العالم على اختلاف مستويات تطورها ومسئولياتها التاريخية عن تغير المناخ، على هدف جماعي يتمثل في الحد من الاحترار العالمي عند أقل من درجتين مئويتين، مع السعي إلى عدم تجاوز 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. جاء الاتفاق بوصفه استجابة سياسية عاجلة لإجماع علمي متزايد حول تسارع تغير المناخ وحدّة مخاطره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، واضعًا إطارًا مرنًا يقوم على الالتزامات الوطنية الطوعية، والشفافية، والمراجعة الدورية، بدلًا من الإلزامات القانونية الصارمة التي ميزت التجارب السابقة. ووقع على الاتفاق وقتها 197 دولة حول العالم بينها الدول الصناعية الكبرى. وبعد مرور عقد كامل وعديد من مؤتمرات المناخ، بات من الضروري تقييم ما إذا كان هذا الإطار قد نجح في إعادة توجيه المسار العالمي بعيدًا عن السيناريوهات المناخية الكارثية المتوقعة، أم أنه اكتفى بتخفيف حدتها دون معالجة جذورها البنيوية.
بعد عشر سنوات من بدء تنفيذ اتفاق باريس، تتكشف صورة مركّبة تجمع بين إنجازات ملموسة وإخفاقات هيكلية عميقة. فمن جهة، شهد العالم تحولات غير مسبوقة في سياسات الطاقة، وتوسعًا سريعًا في التقنيات النظيفة والمتجددة، وتناميًا في الوعي العالمي بالمخاطر المناخية؛ مما أسهم في إبطاء معدل نمو الانبعاثات مقارنة بما كان متوقعًا قبل 2015. ومن جهة أخرى، لا تزال الانبعاثات العالمية عند مستويات مرتفعة، وتجاوز الاحترار العالمي حدود 1.5 درجة مئوية ، بينما تستمر الفجوة واسعة بين التعهدات المناخية والتنفيذ الفعلي، خصوصًا في ما يتعلق بالتمويل، والعدالة المناخية، والخروج المنظم من الوقود الأحفوري. ضمن هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى تفكيك تجربة عقد من العمل المناخي العالمي، لا بوصفها قصة نجاح أو فشل مطلق، بل باعتبارها اختبارًا تاريخيًا لقدرة النظام الدولي على ترجمة التعهدات السياسية إلى واقع مناخي قابل للتحقق. وما الواجب فعله نحو مسار العقد القادم؟
هل نجح اتفاق باريس في تغيير مسار الانبعاثات العالمية خلال عقد؟

اتفاق باريس للمناخ(1): هو اتفاق دولي أُقرّ عام 2015 في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، ويهدف إلى مواجهة ظاهرة الاحترار العالمي من خلال الحد من ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض عند أقل من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع السعي للوقوف عند 1.5 درجة مئوية. يقوم الاتفاق على التزامات وطنية طوعية تُعرف بالمساهمات المحددة وطنيًا(NDCs)، تلتزم الدول بتحديثها وتعزيز طموحها كل خمس سنوات، مدعومة بآليات للشفافية والمتابعة. ويغطي الاتفاق مجالات التخفيف من الانبعاثات، والتكيف مع آثار تغيّر المناخ، والتمويل المناخي، ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، ليشكّل الإطار العالمي الأوسع للعمل المناخي المشترك.
ولكن بعد مرور عقد كامل من الاتفاق، وتقلبات عالمية غير متوقعة أو مسبوقة، وتغييرات جوهرية في سياسات عدد من القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي انسحبت مرتين من الاتفاق، هل تغير فعلًا مسار الانبعاثات العالمية أو ظهرت نتائج العمل المناخي العالمي في حصر الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة؟
على المستوى الكمي، لا يمكن القول إن اتفاق باريس قد نجح في خفض الانبعاثات المطلقة خلال العقد (2015–2025)؛ إذ أن الانبعاثات العالمية من غازات الاحتباس الحراري استمرت في الارتفاع رغم الاتفاق. فبحسب البيانات(3) ، ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بنسبة تقارب 5.5% منذ 2015، ووصل إلى مستويات قياسية في 2024–2025، فيما زادت مستويات الميثان بنحو 5% خلال الفترة نفسها؛ مما يعكس استمرار نمو مصادر الانبعاثات الرئيسية من الوقود الأحفوري والأنشطة الاقتصادية واستخدام الأراضي.
رغم ذلك فإن معدل نمو الانبعاثات العالمية تباطأ بشكل حاد مقارنة بالعقد الذي سبق الاتفاق؛ بمعنى أنه في حين كانت الانبعاثات تنمو بنحو1.7 % سنويًا خلال العقد (2005–2015)، فإنها بعد باريس تباطأت إلى نحو 0.32% سنويًا(3)؛ أي أقل بخمس مرات تقريبًا، بالرغم من نمو الاقتصاد العالمي بأكثر من 25% خلال الفترة نفسها. هذا يشير إلى أن السياسات والمساهمات المحددة وفّرت نوعًا من التحجيم للنمو غير المنضبط للانبعاثات، وهو أثر مهم في سياق سياسات المناخ، لكنه بالتأكيد غير كافٍ.
وتشير أحدث تقديرات تقرير فجوة الانبعاثات من برنامج الأمم المتحدة للبيئة(2) إلى أن مسار الاحترار العالمي لا يزال في نطاق 2.3–2.8 °C بحلول نهاية القرن إذا ما نفّذت الدول التزاماتها المناخية كاملة، وهو تحسن مقارنةً بالتوقعات السابقة التي كانت تتجاوز 3°C ، لكنه يظل بعيدًا عن الهدف الأساسي للاتفاق وهو أقل من2 °C، ويفضل 1.5°C . إضافة إلى ذلك، تُظهر البيانات أن بعض الاقتصادات الرئيسية مثل الصين والهند شهدت ارتفاعًا في انبعاثاتها بنسبة تقلّ أو تزيد عن مضاعفات نسب التخفيض في دول أخرى؛ مما يعكس تباينًا في تنفيذ السياسات المناخية وفاعلية التدخلات على المستوى الوطني.
شكل (1): مسارات الانبعاثات العالمية ما قبل اتفاق باريس وما بعده حسب بيانات مشروع ميزانية الكربون العالمية
اتفاق باريس والنتائج الملموسة
من أهم النتائج الإيجابية لاتفاق باريس خلال العقد الماضي، أنه أسهم في إحداث تحول عالمي غير مسبوق في سياسات المناخ والطاقة؛ حيث التزمت دول العالم تقريبًا بتقديم خطط مناخية وطنية (NDCs) لتقليل الانبعاثات وتعزيز التكيف مع تأثيرات التغير المناخي. وقد شكّلت هذه الخطط أساس إطار التعاون الدولي في العمل المناخي؛ مما عزز الشفافية والمساءلة بين الأطراف المشاركة، ووسع نطاق الحوكمة المناخية على مستوى السياسات الوطنية والإقليمية.
على الصعيد الاقتصادي، شهد العقد الأخير نموًا كبيرًا في مصادر الطاقة المتجددة والاستثمارات النظيفة؛ مما يعكس تأثيرًا إيجابيًا في توجيه الاقتصاد العالمي نحو مسارات أقل كثافة في الكربون. ففي عام 2024 على سبيل المثال، بلغت الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة ما يقرب من تريليوني دولار(6)، مع زيادة في قدرات توليد الطاقة من المصادر المتجددة مثل الشمس والرياح، التي أصبحت تشكل جزءًا كبيرًا من توليد الكهرباء الجديد في عديد من الدول، بالإضافة إلى انخفاض تكلفة التقنيات المتجددة نتيجة التطور التكنولوجي وزيادة الاستثمارات.
إضافة إلى ذلك، تشير التقارير الدولية إلى أن التزامات المناخ بموجب اتفاق باريس أسهمت في خفض الانبعاثات العالمية بشكل نسبي؛ حيث كشف تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)(2)، والذي يقيم الفجوة بين السياسات الحالية والتعهدات الوطنية، أن المساهمات المحددة وطنيًا أدّت إلى تراجع في الانبعاثات بمقدار يصل إلى نحو 12% مقارنة بالمسار الذي كان متوقعًا بدون تنفيذ هذه الخطط. رغم أن هذا التخفيض لا يكفي للوصول إلى أهداف الحد من الاحترار عند 1.5°C، فإنه يمثل مؤشرًا على أن السياسات المتفق عليها دوليًا قد خفّضت بشكل ملموس معدل النمو في الانبعاثات مقارنة بما كان سيحدث بدون اتفاق باريس.
إضافة إلى ما سبق، نتج عن اتفاق باريس إدراج التكيف مع آثار التغير المناخي كركيزة أساسية إلى جانب التخفيف من الانبعاثات، مع الاعتراف الدولي بمفهوم الخسائر والأضرار (Loss & Damage) الناجمة عن الكوارث المناخية. وقد شكّل إنشاء صندوق الخسائر والأضرار نقطة تحول سياسية مهمة، إذ أتاح تمويلًا للدول الأكثر تضررًا لمواجهة التأثيرات المناخية، مع تعزيز العدالة المناخية والاعتراف بأن الدول النامية تتحمل غالبًا العبء الأكبر رغم مساهمتها المنخفضة في الانبعاثات العالمية.
الوعود غير المنفذة: الفجوة بين التعهدات والواقع
تواجه جهود تنفيذ اتفاق باريس تحديات بنيوية في الطموح والسياسات الوطنية؛ حيث تبقى مساهمات الدول غير متسقة بالقدر الكافي مع متطلبات العمل المناخي، ولا تُترجم الالتزامات عادة إلى تنفيذ فعلي سريع وملموس على الأرض.وهناك فجوة واضحة بين التزامات الدول وبين ما هو مطلوب لتحقيق أهداف الاتفاق، سواء من حيث التمويل المناخي، أو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، أو توفير الدعم للتكيف في الدول النامية. هذه الفجوة تؤكد أن العمل الدولي لا يزال متأخرًا عن وتيرة التحول اللازم للتعامل مع التحديات المتصاعدة للتغير المناخي.
ورغم الطموح العالي لاتفاق باريس، يظل الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري واحدًا من أبرز إخفاقاته الهيكلية.فالاتفاق لم يفرض في أي مؤتمر عقد خلال العقد الماضي أي نص ملزم يضمن التخلص التدريجي من النفط والغاز أو إنهاء الدعم الحكومي للوقود الأحفوري؛ مما ترك الدول الكبرى تعتمد على هذه المصادر في أوقات الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار النفط والغاز أو انقطاعات الإمداد خلال النزاعات. ونتيجة لذلك، شهد العقد الماضي ارتفاعًا نسبيًا في استخدام الفحم والنفط في بعض المناطق؛ مما قلل من فاعلية التعهدات المناخية وأسهم في استمرار الانبعاثات عند مستويات مرتفعة مقارنة بما هو مطلوب للحد من الاحترار العالمي.
إلى جانب ذلك، تعاني جهود التنفيذ من أزمة تمويلية مزمنة؛ حيث لم يتم الوفاء بالتعهد الدولي المعلن بتقديم 100مليار دولار سنويًا للدول النامية؛ مما أدى إلى فجوة واضحة بين التمويل المخصص للتخفيف من الانبعاثات وتمويل التكيف مع آثار التغير المناخي. ويُفاقم هذا الوضع عبء الديون على الدول الأكثر تضررًا، ويحد من قدرتها على الاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية المقاومة للمناخ. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن نقص التمويل يبطئ بشكل كبير وتيرة التحول الطاقي ويترك عديدًا من المجتمعات في مواجهة مباشرة للكوارث المناخية دون دعم كافٍ.
وفي النهاية هناك فجوة واضحة بين التعهدات والإجراءات التنفيذية الواقعية، وهو ما يحدّ من فاعلية الاتفاق على الأرض. فحتى نهاية 2025، لم تقدّم سوى نسبة محدودة من الدول مساهمات جديدة محدثة تشمل أهداف تخفيض الانبعاثات لما بعد 2030؛ مما يعني أن الالتزامات غالبًا لا تزال غير كافية أو غير مدعومة بخطط تنفيذ قوية تقود إلى تغييرات هيكلية في الاقتصادات. وتشير البيانات المتاحة من مؤشر الانبعاثات العالمي(8)، إلى أن الانبعاثات العالمية لا تزال في مسار تصاعدي، وأن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية بات مرجّحًا في العقد القادم إذا لم تتسارع الجهود بشكل كبير. هذه الفجوة بين الطموح والواقع العلمي تؤكد أن اتفاق باريس -رغم أهميته كإطار سياسي دولي- لم يحقق المطلوب علميًا بعد، ويتطلب تسريعًا جوهريًا في التطبيق والتمويل في العقد القادم للحد من المخاطر المناخية المتصاعدة.
مستقبل العقد القادم (2025–2035)
مع بداية العقد القادم، تتباين سيناريوهات العمل المناخي عالميًا بين ثلاثة مسارات محتملة. السيناريو الأول: التسريع الكبير، يفترض تعزيز الالتزامات الوطنية بشكل طموح، وتوفير التمويل الكافي للدول النامية، وتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة، وهو المسار الوحيد القادر على تقريب الاحترار العالمي من هدف 1.5°C . والسيناريو الثاني: استمرار الوضع الحالي؛ بمعني استمرار وتيرة التعهدات الحالية دون تعزيز التنفيذ؛ مما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة عالميًا نحو 2.3–2.8 درجة مئوية، مع استمرار بعض التحديات في التكيف والعدالة المناخية. أما السيناريو الثالث: الإخفاق المتدرج، فيتمثل في ضعف الالتزام والسياسات الدولية؛ مما يزيد احتمال تجاوز 3 °C ويضع العالم أمام مخاطر مناخية جسيمة لا يمكن الصمود معها طويلًا.
ولتجنب السيناريوهات السلبية، يمكن العمل على تطوير عدة سياسات استراتيجية، من بينها: إصلاح هيكل المساهمات الوطنية (NDCs) لرفع الطموح بشكل دوري وربطه بخطط تنفيذية ملموسة، إدماج آليات إلزام مالي لضمان تمويل مستدام للتخفيف والتكيف، خصوصًا للدول الأكثر تأثرًا، إعادة توجيه الدعم من الوقود الأحفوري نحو الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة لتسريع التحول الطاقي، اعتماد آليات تسعير الكربون الفاعلة ونظم تجارة الانبعاثات التي أثبتت الدراسات أنها تسهم في خفض الانبعاثات عند تطبيقها بشكل صارم، وتمكين الجنوب العالمي تكنولوجيًا وماليًا لتقليل الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، وضمان مشاركة عادلة في جهود الحد من الاحترار العالمي وتحقيق التنمية المستدامة.
إلى جانب ذلك، يتطلب العقد القادم معالجة مسئوليات الدول ذات الانبعاثات التاريخية والحالية الكبرى بشكل واضح ضمن آليات التنفيذ، وهو ما يتوافق مع مبدأ المسئولية المشتركة المتباينة والقدرات المختلفة الملزم في اتفاق باريس. ويتطلب ذلك تمويلًا مناخيًا أكثر طموحًا وثابتًا؛ حيث تؤكد المنظمات الدولية ضرورة رفع مستوى التمويل خاصةللتكيف والخسائر والأضرار في الدول النامية التي تتحمل أعباء بيئية أكبر رغم مساهمتها المنخفضة في الانبعاثات. كما ينبغي دعم نقل التكنولوجيا النظيفة وبناء القدرات لتعزيز قابلية البلدان على تنفيذ السياسات المناخية والتحول الطاقي، مع وضع مؤشرات قياس واضحة لتتبع التقدم في التخفيف والتكيف، بما يعالج التفاوتات الحالية في تنفيذ الالتزامات.
إن دمج هذه العناصر في السياسات الوطنية والدولية سيكون ضروريًا لتقليل فجوة الاحترار العالمي، وتعزيز فرص الوصول إلى أهداف باريس وتحويل الالتزامات النظرية إلى نتائج ملموسة خلال العقد القادم.
المراجع
- United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC). (2015–2025). Paris Agreement and subsequent progress reports https://unfccc.int
- United Nations Environment Programme (UNEP). (2025). Emissions Gap Report 2025. Nairobi: UNEP. https://www.unep.org/resources/emissions-gap-report-2025
- https://eciu.net/analysis/reports/2025/10-years-post-paris
- Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). (2023). Sixth Assessment Report (AR6). Geneva: IPCC. https://www.ipcc.ch/report/ar6/
- International Energy Agency (IEA). (2025). World Energy Outlook 2025. Paris: IEA. https://www.iea.org/reports/world-energy-outlook-2025
- International Renewable Energy Agency (IRENA). (2024). Renewable Capacity Statistics 2024. Abu Dhabi: IRENA.
- https://www.irena.org/Publications/2024/Jan/Renewable-Capacity-Statistics-2024
- Climate Action Tracker (CAT). (2025). Global Climate Progress and Emissions Trends. https://climateactiontracker.org






























