في 29 ديسمبر 2025، بدأت الصين مناوراتها المشتركة حول جزيرة تايوان، وقد بدت هذه النسخة أقوى من جميع النسخ السابقة التي أُجريت منذ عام 2022،حيث اتسمت هذه الجولة تحديدًا بعدة ملامح تكتيكية واستراتيجية توحي بنضوج خطة مشتركة تتدرب عليها القوات الصينية لتنفيذ مهمتها المحتملة في تايوان.
وعلى الجانب الآخر، شكّلت هذه المناورات فرصة كبيرة لتقييم الأداء التايواني في العملية الدفاعية، من حيث سرعة رد الفعل، والمنصات المستخدمة، والمهام الموكلة إليها لإحباط الهجوم أو تأخير نجاح المهمة الصينية إلى حين وصول الدعم الأمريكي، الذي من شأنه أن يصعّد الموقف بين القوتين العظميين في شرق آسيا.
قوة صينية ضاربة وتنسيق محكم
في 17 ديسمبر 2025، وافقت الإدارة الأمريكية على واحدة من أكبر الصفقات التسليحية لصالح تايوان بقيمة 11.1 مليار دولار، وذلك بالتوازي مع تصريحات الرئيس التايواني “لاي تشينج تي” بأن بلاده ستواصل زيادة الإنفاق العسكري لمواجهة المخاطر الصينية المتزايدة. ولم يمض سوى 12 يومًا حتى بدأت المناورات الصينيةباطلاق 27 صاروخًا باليستيًا أو أرض/أرض من اتجاه بينغتان وشيشي في مقاطعة فوجيان، شمال مدينة كيلونغ، وكذلك من المياه الجنوبية الغربية لتاينان وكاوشيونغ.
تبع ذلك تنفيذ 71 طلعة جوية (منها 35 عبرت الخط الأوسط بين الصين وجزيرة تايوان)، إضافة إلى 13 سفينة (دخلت 11 منها المياه التايوانية)، و11 سفينة خفر سواحل (دخلت 8 منها المناطق التايوانية). ومن أبرز العلامات في هذا التدريب كان اشتراك تشكيلات سفن هجوم برمائية في غرب المحيط الهادئ، حيث كانت تحوم بالقرب من الجزيرة.
وبمراجعة أسلوب تنفيذ التدريب وتسلسل الدفع بالوحدات القتالية المختلفة، يتضح إصرار الجيش الصيني على تطبيق “استراتيجية القوى النارية المشتركة الصينية”، وهي عبارة عن هجمات متعددة بالصواريخ جوًا وبحرًا وبرًا في حزمة واحدة ضمن كل هجوم متعدد الطبقات، هدفها استنزاف قوات الخصم، وتآكل قدراتها، وحرمانها من القيادة والسيطرة أو من القدرة على تقديم حلول دفاعية سريعة. ولتحقيق ذلك، يمتلك الجيش الصيني غرف عمليات قيادة متكاملة، مدعومة بمنظومات رصد واستخبارات لرسم صورة إلكترونية كاملة للميدان، وتحديد الأهداف بالتكامل مع مختلف أفرع الجيش، عبر تنفيذ هجوم ثلاثي الموجات:
الموجة الأولى: تستهدف مراكز القيادة لإحداث شلل في اتخاذ القرارات.
الموجة الثانية: تهاجم الأهداف العسكرية المتمثلة في تجمعات القوات والمخازن اللوجستية.
الموجة الثالثة: تستهدف ما تبقى لدى العدو بعد الهجومين الأولين.
ولمحاكاة هذه الاستراتيجية والتدرب على تنفيذها، اختار الجيش الصيني وحدات عسكرية محددة، منها:
بريًا: الراجمة الصاروخية من طراز PHL-16 التي تطلق صواريخ عيار 370 ملم، بالتعاون مع المسيرات الاستطلاعية الصينية من طراز CH-4، وصواريخ DF-15 الباليستية التكتيكية بمدى يتراوح بين 600–900 كم وحمولة تصل إلى 750 كجم.
جويًا: شاركت أحدث المقاتلات الصينية مثل طائرات الجيل الخامس J-20، ومقاتلات الدفاع الجوي J-10، والمقاتلات متعددة المهام الثقيلة J-16 لمهام فرض السيطرة الجوية، مدعومة بطائرات الإنذار المبكر ZDK-500، وطائرة الاستطلاع الاستخباراتي والتجسس Y-9JZ، إضافة إلى تعزيز القوة النيرانية بواسطة القاذفات الاستراتيجية H-6 الحاملة للصواريخ الباليستية الجوية الفرط صوتية من طراز YJ-21، وهو مؤشر على إمكانية تنفيذ مهام هجومية على المستويين القريب (جزيرة تايوان) والبعيد (القواعد والمواقع الأمريكية في المحيط الهادئ).
بحريًا: وزعت البحرية الصينية مجهودها بين المدمرات Type-52 والفرقاطات Type-54 التي انتشرت شمال وجنوب وشرق الجزيرة، بالتوازي مع سفن خفر السواحل الصينية التي تواجدت في مضيق تايوان غرب الجزيرة. كما تم تأمين المجال البحري خارج الساحل الشرقي لتايوان لإفساح المجال لسفينة الهجوم البرمائي Type-75 التي ستتولى قيادة وربط جميع الوحدات بالتعاون مع طائرات الإنذار المبكر لتنفيذ الإنزال الهجومي على الجزيرة.

أما فيما يتعلق بمناطق التدريب، فيتضح أن القوات الصينية تغيّر مواقع المناورات في كل نسخة، وقد يكون ذلك لسببين رئيسيين: الأول هو منع الخصوم من توقع أماكن انتشار القوات البحرية الصينية بدقة، والثاني هو اختبار أفضل المواقع التي تضمن أعلى درجات الفاعلية القتالية وربط الوحدات حول الجزيرة. ومن الملاحظ أيضًا أن عمق مناطق التدريب يزداد تدريجيًا، وهو ما يهدف تحديدًا إلى تكوين مساحة عازلة أمام أي قوات أمريكية أو حليفة لتايوان قد تحاول كسر الحصار المفترض وتقديم الدعم للجزيرة بشكل فعّال.

الخطة التايوانية الدفاعية:
كأسلوب دفاعي مضاد، انطلقت المقاتلات الاعتراضية من طراز F-CK-1 من قاعدة “ماجونج” المتقدمة، وهي مقاتلات دفاع جوي خفيفة تمتاز بسرعة رد الفعل وقدرة الإقلاع السريع، وتُعد خط الدفاع الأول. هذا الانتشار يمنح أسراب مقاتلات “ميراج-2000/5” فرصة للسيطرة الجوية، حيث أقلعت من قاعدة “هاسينشو” على الساحل الغربي، بالتوازي مع انطلاق المقاتلات المتطورة من طراز “إف-16” من قاعدة “هوالين” لتنفيذ مهام متعددة تشمل الاعتراض الجوي والهجوم البحري ضد السفن الصينية في الساحل الشرقي. كما أقلعت مقاتلات F-CK-1 من قاعدة “تاينان” لتأمين الساحل الجنوبي. ويعتمد هذا الإقلاع المتتالي للقوات الجوية التايوانية أساسًا على قدرة القواعد الجوية على النجاة من الهجمات الصاروخية الصينية الافتتاحية، في حال اتخاذ القرار بتنفيذ مهمة السيطرة على الجزيرة.

أما الخط الدفاعي الثاني، فقد أثبتت التجربة الأوكرانية فعاليته، ويتمثل في امتلاك أسلحة مصممة لإحباط العمليات البرية والبرمائية، يمكن نشرها بسرعة. ولهذا تضمنت الصفقة التايوانية–الأمريكية الجديدة، وهي الأعلى قيمة من نوعها، 82 منظومة صواريخ HIMARS أرض/أرض، و60 مدفعًا ميدانيًا من طراز M109A7 عيار 155 ملم، و1050 صاروخ Javelin، و1545 صاروخ TOW المضاد للدبابات، إضافة إلى عدد كبير من المسيرات الانتحارية من طراز Altius-600 وAltius-700، فضلًا عن معدات دعم لوجستي لصواريخ Harpoon، وبرامج تقنية متقدمة تساعد على التخطيط وتنفيذ التكتيكات القتالية (C3). ويمكن استخلاص عدة دلالات من هذه المنظومات، أهمها أن القيادة العسكرية التايوانية تركز على امتلاك وسائل نيرانية مرنة يمكن استخدامها لعرقلة أي هجوم برمائي أو منع أي محاولة احتلال وتأمين الشواطئ، بما قد يجهض الإنزال البحري. ولهذا يتم توفير أنظمة صواريخ سهلة الاستخدام مضادة للمدرعات، ومسيرات انتحارية مناسبة لنفس الغرض، بالتوازي مع رفع كفاءة المنظومات الصاروخية المضادة للسفن.
أما الخط الدفاعي الأخير، فيتمثل في الانتشار السريع للقوات الخاصة مع القوات البرية، وبالأخص دبابات القتال الرئيسية M1A2T، وهي النسخة التايوانية من SEPV2 الأمريكية. هذه الدبابات قادرة على إطلاق قذائف KE-W A1 ذات قدرة اختراق تصل إلى 850 ملم في الدروع، ومزودة بمنصات رشاشات يتم توجيهها عن بُعد، بالإضافة إلى وصلات بيانات تربطها بمختلف المنصات الأخرى، ومنظومة حماية نشطة ضد الصواريخ. وتعمل هذه الدبابات بالتعاون مع مروحيات الأباتشي AH-64E الجديدة، المتخصصة في استهداف الدبابات من مدى يصل إلى 25 كم.
وفي الوقت ذاته، يتم استدعاء قوات الاحتياط، بينما يُنفذ هذا المخطط الذي يهدف إلى تأخير أو إحباط العملية الصينية السريعة لاحتلال الجزيرة، لمنح القوات الأمريكية بعض الوقت للوصول. هذا النهج يأتي في الاتجاه المضاد للإرادة الصينية التي تسعى لحسم المعركة بشكل كامل وسريع، لردع القوات الأمريكية من التدخل المباشر والتصادم مع القوات البحرية والجوية الصينية. لذلك سيحرص الصينيون على إحداث أكبر قدر ممكن من التدمير للقدرات الدفاعية التايوانية، التي تعتمد خطتها أساسًا على التكيف مع تأثيرات الصدمة المبدئية وتحريك الوحدات القتالية بسرعة على المستوى التكتيكي لضمان نجاح الاستراتيجية الدفاعية.
ختاماً.. قد تُعد المناورة التدريبية “مهمة العدالة” إحدى آخر الخطوات في بلورة الخطة الصينية لاجتياح جزيرة تايوان، ويمكن اعتبارها جزءًا مهمًا من استراتيجية الخداع التي يواظب الجيش الصيني على استخدامها عبر هذه المناورات، والتي تجعل من الصعب توقع توقيت العملية العسكرية المنتظرة. فمن الممكن أن تبدأ العملية بمناورة مشابهة، ثم تتوسع لتتحول إلى هجوم عسكري كامل الأركان. وفي هذه الحالة، سيكون الأمر معتمدًا بالدرجة الأولى على أجهزة الاستخبارات المختلفة لتحذير الجيش التايواني مسبقًا.
كما شكّلت المناورة فرصة للجانب الأمريكي وحلفائه الآسيويين لاختبار وفهم مستوى الترابط بين الوحدات الصينية أثناء تنفيذ التدريب، وتحديد الخطوات الواجب اتخاذها لمحاولة تعطيله. غير أن ذلك يظل مرتبطًا أساسًا بالقرار السياسي الأمريكي وتقدير الموقف العسكري: هل ستتمكن تايوان من الصمود وعرقلة العملية العسكرية الصينية، أم ستفشل في إيقافها ويبدأ نجاح الغزو قبل التدخل الأمريكي المنتظر، الذي قد يتجنب الاشتباك المباشر في هذه الحالة وفقًا للتوقعات الصينية؟






























