لم يَكَدْ الاقتصادُ العالمي يتعافى من تداعيات جائحة كورونا حتى اندلع الصراع الروسي الأوكراني في ظل ظروف اقتصادية عالمية غير مواتية، ليزيد من حدة الأزمة على كافة الدول، وبصفة خاصة الاقتصادات الصاعدة والنامية. وتتمثل محاور تأثير الأزمات العالمية على الاقتصادات المحلية في ثلاث قنوات رئيسية، تتمثل في: قناة الأسعار، وقناة التجارة، وقناة الاستثمار، بجانب قناة السياحة في عدد من الدول.
ويتناول المقال بصفة خاصة انعكاسات الصراع الروسي الأوكراني على الاقتصاد المصري من خلال قناة الاستثمار، مستعرضًا حدود ذلك التأثير وآليات مواجهته، أخذًا في الاعتبار قنوات التأثير الأخرى وانعكاساتها على كافة جوانب الحياة الاقتصادية في مصر.
انعكاسات الحرب في أوكرانيا على الاستثمار في مصر
يمثل الاستثمار إحدى القنوات التي ينتقل من خلالها تأثير الصراع في أوكرانيا إلى الاقتصاد المصري، سواء من خلال التأثير على الاستثمار المباشر أو غير المباشر. فمن جهة، أدى الصراع إلى عزوف المستثمرين عن المخاطرة بأموالهم في ظل ظروف عدم الاستقرار وحالة عدم اليقين، وتفضيلهم فرص الاستثمار الآمنة وإن كانت أقل ربحية، مما أدى إلى تراجع معدلات الاستثمارات المباشر، سواء في شكل استثمارات جديدة أو توسيع حجم الأعمال القائمة. ومن جهةٍ أخرى، أدت سياسات الدول الغربية لمواجهة الأزمة برفع أسعار الفائدة إلى خروج الاستثمار غير المباشر من الأسواق الصاعدة، ومن بينها مصر، في اتجاه أسعار الفائدة الأعلى. ومن جهة ثالثة، مع قيام السلطات النقدية في مصر بتبني سياسة انكماشية برفع أسعار الفائدة انعكس ذلك على ارتفاع تكلفة الاستثمارات المباشرة، وزيادة حدة الديون، الأمر الذي ينعكس على خروج بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات الجدارة الائتمانية المنخفضة من الأسواق.
وبجانب تأثير ارتفاع مخاطر الاستثمار وارتفاع أسعار الفائدة، فإن معدل الاستثمار يتأثر بشكل مباشر نتيجة تداعيات الصراع على تعطل إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها، والتي تدخل بشكل رئيسي في إنتاج كافة السلع، فضلًا عن تأثير زيادة اضطرابات سلاسل التوريد، واضطراب الخدمات اللوجستية.
ويمتدّ تأثير الصراع في أوكرانيا إلى الاستثمار في مصر من خلال قناة السياحة؛ إذ استطاعت مصر خلال السنوات الماضية أن تجذب عددًا كبيرًا من السياح من دولتي روسيا وأوكرانيا اللتين تحتلان المرتبة السادسة والثالثة في الإنفاق السياحي عالميًا على الترتيب. ومع تراجع أعداد السائحين من كلتا الدولتين، وكذلك تراجع معدلات الإنفاق السياحي تنخفض نسبة الاستثمارات الموجهة لقطاع السياحة والترفيه، فضلًا عن تأثير تراجع السياحة على الاستثمارات الموجهة لعدد كبير من القطاعات نتيجة تعدد الروابط الأمامية والخلفية بين قطاع السياحة وعدد كبير من القطاعات الأخرى.
ومع تراجع معدل الاستثمار ينعكس ذلك على حجم الإنتاج والتشغيل، ومن ثمّ ترتفع معدلات البطالة والأسعار، وينعكس ذلك على معدلات النمو الاقتصادي. ويوضح الشكل التالي التأثير المتوقع للتغير في معدلات النمو الاقتصادي في عدد من الدول، وينقسم التأثير إلى تأثير إيجابي بالنسبة للدول المصدرة للطاقة والغذاء والتي تستفيد بشكل رئيسي من ارتفاع أسعار صادراتها، وتأثير سلبي بالنسبة للدول المستوردة للطاقة والغذاء التي تتحمل ارتفاع أسعار وارداتها من السلع الأساسية.
فرص جذب الاستثمار في ظل تداعيات الصراع الروسي الأوكراني
على الرغم من الانعكاسات السلبية للصراع الأوكراني على الاستثمار في مصر، إلا أنه يُمكن النظر إلى عدد من النقاط المضيئة التي تمثل فرصًا لجذب الاستثمارات لمصر خلال تلك الأزمة. فمن جهة يلاحظ أن ظروف الحرب تفرض مخاطر جيوسياسية في دولتي الصراع والدول المجاورة، وبصفة خاصة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، بما يؤدي إلى إعادة تقييم مخاطر الاستثمار من قبل الشركات متعددة الجنسية العاملة في روسيا وأوكرانيا والدول المجاورة، ومن ثم فإن ذلك يدفع تلك الاستثمارات لنقل أعمالها إلى مناطق أكثر استقرارًا، وإجراء تغييرات في سلاسل الإمداد. وتقارن الاستثمارات المحولة بين عدد من الفرص وفقًا لعدة عوامل من بينها توفر بيئة جاذبة للاستثمار، وانخفاض تكاليف بدء الأعمال، وسهولة بدء الأعمال، وتوفر مستلزمات الإنتاج والأيدي العاملة المدربة. وقد تستغرق عملية نقل وتحويل الاستثمار قدرًا من الوقت والتكلفة، إلا أنها ما زالت فرصة سانحة للعمل على جذب تلك الاستثمارات للاقتصاد المصري من خلال توفير مناخ جاذب للاستثمار.
ومن جهة أخرى، أدت ظروف الصراع إلى تقليص تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة من روسيا وأوكرانيا لكافة دول العالم. وعلى الرغم من قوة العلاقات التجارية وانتقالات السياحة بين مصر وروسيا وأوكرانيا، فإن نسبة الاستثمارات الروسية والأوكرانية المباشرة الموجهة لمصر تمثل نسبة منخفضة من حصيلة الاستثمار الأجنبي المباشر القادم لمصر، ويتركز معظمه في قطاع الطاقة الذي يُعد أكثر القطاعات محققة لمكاسب في ظل الصراع. ووفقًا لبيانات البنك الدولي فقد تم تقدير حجم الاستثمارات الروسية لمصر خلال الفترة 2003-2021 بنحو 30 مليار دولار يوجه نحو 13% منها لقطاع الطاقة. ويعني ذلك محدودية تأثير تراجع الاستثمارات الروسية والأوكرانية على الاستثمارات الأجنبية الموجهة لمصر في ظل الأزمة.
وبالنظر إلى القطاعات الجاذبة للاستثمار في مصر في ظل ظروف الأزمة، نجد من أهمها قطاع الطاقة نتيجة الارتفاعات التي شهدتها أسواق الطاقة منذ بدء التعافي من أزمة جائحة كورونا وحتى الآن، والتي سجلت مستويات قياسية لم تحققها منذ عام 1973، ومن المتوقع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة من نفط وغاز طبيعي أكثر من 50% في 2022، في حين يتوقع أن ترتفع أسعار الفحم بنسبة 80% خلال العام. وبالنظر إلى حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة نجد أن قطاع الطاقة هو الأكثر استحواذًا على الاستثمارات الأجنبية المباشرة قبل أن يتراجع خلال العامين الماضين، الأمر الذي يستلزم ضرورة بحث فرص إعادة جذب الاستثمارات الأجنبية لقطاع الطاقة.
وبالإضافة إلى قطاع الطاقة، نجد أيضًا القطاع الزراعي والصناعات الغذائية؛ إذ أدت الأزمة في أوكرانيا إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار عدد من السلع الغذائية خاصة الحبوب والبذور الزيتية والأسمدة وغيرها من السلع الغذائية المستوردة من دولتي روسيا وأوكرانيا. ومن الجدير بالملاحظة أن ارتفاع الأسعار يمثل حافزًا للإنتاج بالنسبة للمنتجين، وعادةً ما يبحث المستهلك عن بدائل محلية للسلع المستورة مرتفعة السعر، ومن هنا يتبين ضرورة تحفيز توجيه الاستثمارات إلى القطاع الزراعي والصناعات الغذائية، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد المحلية وتوفير مدخلات الإنتاج للصناعات الغذائية وتحقيق الاستقرار في الأسعار، فضلًا عن تخفيض فاتورة الواردات وتحسين العجز في الميزان التجاري، وحماية الأمن الغذائي بالبلاد خاصة مع اضطراب الإنتاج الزراعي في عدد كبير من الدول مع تزايد التهديدات المناخية.
ومع توجه الدولة لتوطين الصناعة المحلية، وتبني استراتيجية تعميق التصنيع المحلي، وبناء قاعدة صناعية قوية للسوق المحلية، والتوجه نحو التصدير؛ يلاحظ وجود عدد من الفرص الصناعية التي تتوفر متطلبات إنتاجها الفنية والتكنولوجية في مصر، فضلًا عن ارتفاع قيمتها المضافة، وزيادة تأثيرها على وضع الميزان التجاري. ومن بين تلك الصناعات: الصناعات الخشبية، والغذائية، والطبية، والنسيجية، والطباعة والتغليف، والصناعات الكيماوية والهندسية، ومواد البناء والصناعات المعدنية. ويتبين ضرورة الإسراع في ذلك التوجه في ظل عجز المعروض من بعض السلع في الأسواق الأوروبية، وبحث السلطات المعنية الأوروبية لسد الفجوات القائمة من خلال توسيع الاستيراد.
ومع استمرار تداعيات جائحة كورونا واستمرار انتشار سلالات جديدة من الأمراض التي تهدد الاقتصادات المختلفة نجد زيادة التوجه العالمي لضخ مزيد من الاستثمارات في قطاع الصحة، وخاصة فيما يتعلق بالبحث والتطوير. ومن جهة أخرى، يلاحظ رواج قطاع تكنولوجيا المعلومات في ظل ما افرزته أزمة كورونا من أهمية الاعتماد على التكنولوجيا لضمان استمرار العمل في كافة القطاعات في أوقات الأزمات، وكذلك ينبغي التوجه نحو مزيد من الدعم لرواد الأعمال الذين تقوم أعمالهم على الابتكارات لتقديم خدمات تقليدية بطرق مبتكرة أكثر يسرًا. وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال أهمية تشجيع توجه الاستثمارات نحو المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، خاصة مع ارتفاع تكلفة التمويل، فتلك المشروعات تقوم على رؤوس أموال أقل ويعتمد معظمها على الأموال الذاتية، ويمكن أن تمثل منتجات تلك المشروعات مجتمعة نسبة كبيرة من المعروض في أسواق السلع فتدعم النمو الاقتصادي وتدفع بالمستوى العام للأسعار نحو الانخفاض كلما قامت الدولة بتذليل العقبات التي تواجه تلك المشروعات ودفعها للنمو.
وختامًا، يتضح مدى تأثير الصراع الروسي الأوكراني على الاستثمار بشقيه المباشر وغير المباشر، وباختلاف مصادره المحلية والأجنبية، ويتبين زيادة التأثير السلبي على الدول المجاورة لمناطق الصراع، حيث تتزايد درجة الانكشاف لمخاطر الاستثمار. ويمتد التأثير السلبي على كافة الاقتصادات من خلال التأثير على اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، والسياسات النقدية التقييدية، إلا أنه يمكن توليد وخلق فرص لجذب الاستثمارات من خلال خلق بيئة داعمة للاستثمار، وتعميق العلاقات الاقتصادية مع شركاء التنمية، وتعزيز العلاقات الإقليمية، وتوجيه تلك الاستثمارات لقطاعات الطاقة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والصناعة، وتشجيع الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة.






























