مقال تحليلي

كيف يتعامل الجوار الأفغاني مع عودة “طالبان”؟

طرحت سيطرة حركة “طالبان” على أفغانستان في منتصف أغسطس 2021 في ظل انسحاب القوات الأمريكية تساؤلات حول كيف ستتعامل دول الجوار الأفغاني مع الأوضاع الجديدة. إذ بدا هنالك اتجاهان؛ أحدهما يسعى إلى تقوية العلاقات مع السلطة الجديدة وتغليب المصالح على المخاوف، مثل الصين وروسيا وإيران وباكستان، بينما برز اتجاه آخر يخشى من تأثيرات عودة طالبان على الأمن القومي لبلاده مثل الهند. تكيف صيني (*) أظهرت الصين تكيفًا براجماتيًا مع حركة طالبان، إذ بدا موقفها الرسمي مستعدًا لتقبل الحركة، بل وإعلان إمكانية بناء علاقة صداقة معها. وفي الوقت ذاته، أكدت بكين على استمرار مكافحة الإرهاب حول ممر “واخان” الرابط بين البلدين،…

فردوس عبدالباقي و أحمد السيد

طرحت سيطرة حركة “طالبان” على أفغانستان في منتصف أغسطس 2021 في ظل انسحاب القوات الأمريكية تساؤلات حول كيف ستتعامل دول الجوار الأفغاني مع الأوضاع الجديدة. إذ بدا هنالك اتجاهان؛ أحدهما يسعى إلى تقوية العلاقات مع السلطة الجديدة وتغليب المصالح على المخاوف، مثل الصين وروسيا وإيران وباكستان، بينما برز اتجاه آخر يخشى من تأثيرات عودة طالبان على الأمن القومي لبلاده مثل الهند.

تكيف صيني

(*) أظهرت الصين تكيفًا براجماتيًا مع حركة طالبان، إذ بدا موقفها الرسمي مستعدًا لتقبل الحركة، بل وإعلان إمكانية بناء علاقة صداقة معها. وفي الوقت ذاته، أكدت بكين على استمرار مكافحة الإرهاب حول ممر “واخان” الرابط بين البلدين، إذ تسعى لضمان ألا تؤثر طالبان على حركة تركستان الشرقية الإسلامية التي تهدد الأمن القومي الصيني في منطقة شينجيانج، حيث تخشى من أن تتحول أفغانستان إلى ملاذٍ آمن للجماعات المسلحة، خاصةً تلك التي لها علاقة مع الإيجور.

(*) تريد الصين أيضًا تأمين مبادرة “الحزام والطريق” عبر ضمان ألا تعطل أي جماعات مسلحة في أفغانستان المصالح الصينية في آسيا الوسطى والممر الاقتصادي مع باكستان، ويمكن أن يتطور الأمر لتضمين أفغانستان نفسها في المبادرة والتوجه باستثمارات للاستفادة من الثروات المعدنية الأفغانية، واحتياطات من النفط والغاز الطبيعي. لذلك، تدرس الصين تكلفة وعائد احتمالية التدخل العسكري في أفغانستان إذا ما اضطرتها التطورات لذلك.

(*) من المرجّح أن تعمل الصين على تأسيس شراكات إقليمية عبر منظمة شنغهاي على سبيل المثال، كما يمكنها إتاحة فرصة لباكستان كي تمارس ضغطًا لإدراج طالبان في هياكل الحكم والأمن، حتى لا يؤدي تدهور الوضع لاندلاع حرب أهلية في أفغانستان وتدفق لاجئين لباكستان. وقد تلجأ الصين للقوات الباكستانية في حالة الاحتياج لتدخل عسكري. كما قد تعمل الصين على توسيع التعاون مع روسيا انطلاقًا من تمديد المعاهدة الثنائية بشأن حسن الجوار والتعاون الودي بينهما من أجل الاستفادة من خبرة موسكو التاريخية في أفغانستان لإيجاد آلية إقليمية منسّقة للإشراف على العملية السياسية.

ترقب روسي

(*) اتسمت سياسة موسكو تجاه عودة طالبان إلى السلطة بقدر كبير من الهدوء والعقلانية التي تتأسس على قبول الأمر الواقع، إذ أبدت موسكو استعدادها للعمل مع طالبان، حيث تم وصف قادة الحركة من قبل روسيا بـ”الأشخاص العقلاء”. وسبق أن اتضح وجود ترتيبات مُسبقة بين موسكو وقادة طالبان، وهو ما تجلى في إعلان السفارة الروسية في كابول عدم نيتها إخلاء السفارة وإجلاء موظفيها من العاصمة الأفغانية، بعد تطمينات من قادة طالبان بعدم تهديدهم لأمن البعثة الدبلوماسية.

(*) تخشى روسيا سيادة حالة عدم استقرار الأوضاع الأمنية في منطقة أوراسيا، كما تخشى من تغلغل الفوضى إلى دول الاتحاد السوفيتي السابق المجاورة في آسيا الوسطى، عبر انتشار التجارة غير المشروعة خاصة الأسلحة، والاتجار بالمخدرات، أو شن هجمات إرهابية على حلفاء موسكو في آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان وطاجيكستان.

(*) تريد روسيا أن تلعب دور الوسيط المرحَّب به في مجريات الأوضاع القادمة على الساحة الأفغانية لتشكيل حكومة انتقالية في إطار “صيغة موسكو”، أو توسيع “الترويكا” لتضم روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وباكستان.

تخوف إيراني

(*) انطلاقًا من إدراك إيران لقوة طالبان على الأرض، سعت لمد أواصر العلاقات مع الحركة، وتنحية أي اعتبار أيديولوجي أو ديني في الوقت الراهن، فقد سبق أن استقبل وزير الخارجية الإيراني السابق “جواد ظريف” أعضاء من حركة طالبان، ووصف الرئيس الحالي “إبراهيم رئيسي” الانسحاب الأمريكي بأنه “فرصة لاستعادة الحياة والأمن الدائم والسلام في ذلك البلد”، كما أعلنت طهران أيضًا استمرار بعثتها الدبلوماسية في أفغانستان في ممارسة عملها بشكل طبيعي.

(*) مع ذلك، تتخوف إيران من أن الصراع وعدم استقرار الأوضاع في أفغانستان قد يضر بالأعمال التجارية المشتركة، فالبلدان يشتركان في حدود يبلغ طولها 570 ميلًا، تتضمن العديد من طرق التجارة وعلى رأسها تجارة “الأفيون”. كما تتخوف أيضًا من سيطرة نظام “ديني سُني” مُتشدد على أفغانستان، لكن ربما يكون ذلك أهون من ديمقراطية تدين بالولاء لواشنطن. بالإضافة إلى ذلك، تظهر تخوفات أخرى من هجرة مئات الآلاف من الأفغان إلى إيران خشية تفسير طالبان المتشدد للإسلام، مما قد يمثل ضغطًا على حكومة طهران الخاضعة بالفعل لعقوبات أمريكية لم يتم رفعها بعد.

(*) تنظر إيران لطالبان الآن نظرة مختلفة عن تلك التي كانت قبل عشرين عامًا، حيث يرى كبار القادة والمسئولين الإيرانيين أن طالبان تمكّنت من تحقيق “انتصار كبير” على الحكومة الأفغانية. كما يرى آخرون أن طالبان تعلمت الكثير، وغيرت من وجهات نظرها في العديد من المسائل، مما يدفع بأهمية إقامة علاقات قوية بين إيران وطالبان.

قلق هندي

(*) لم تُبدِ الهند ترحيبًا بالتحول الذي فرضته حركة طالبان على أرض الواقع في أفغانستان، حيث امتنعت عن التواصل مع الحركة، خاصة أنها كانت تراهن على الدور الأمريكي والحكومة الأفغانية التي استسلمت أمام طالبان. إلا أن الهند لا تملك خيارات استراتيجية تؤهلها للانخراط مع طالبان مثل العديد من القوى الدولية والإقليمية لحماية مصالحها، حيث تجاهلت إعلان الانسحاب الأمريكي.

(*) تخشى الهند تكرار ما حدث في ثمانينيات القرن العشرين باندلاع تمرد مسلح في كشمير ضد الهند عقب الانسحاب الروسي من أفغانستان؛ فقد تدعم طالبان جماعات إرهابية مناهضة للهند مثل “عسكر طيبة” و”جيش محمد”، كما تتخوف من العزلة الاقتصادية التي ستمثلها مشروعات التعاون الإقليمي التي تُجريها الصين، والتي قد تضم أفغانستان فيما بعد لتقطع الجزء الذي تسيطر عليه الهند في كشمير. وقد يؤدي صراع الإرادات في المنطقة إلى تجديد النزاعات بين الصين والهند التي قد تصبح رأس الحربة الأمريكية الجديدة لمواجهة السلوك الصيني في المنطقة.

(*) بناءً على تراجع موقف الهند، سيصبح هناك عدم يقين بشأن مشاريعها في البنية التحتية الأفغانية، وتنظيم طرق التجارة إلى أفغانستان، ومشاركتها في خط سكة حديد لربط أفغانستان بأوروبا. كما ستفرض عودة طالبان تأهب الهند لحماية أمنها وحدودها من تدفق الإرهابيين، لذا قد تلجأ الهند لطلب الضغط الأمريكي على باكستان لوقف أي تدفق للمسلحين إلى أفغانستان، حتى لا تصبح الأخيرة دافعًا لمواجهة عسكرية بين الهند وباكستان.

فرصة باكستانية

(*) تملك باكستان علاقات تاريخية مع حركة طالبان، حيث تعتبر هذه الحركة عنصرًا محوريًا لمواجهة الهند، لذا ترى أن الانسحاب الأمريكي خطوة لتعزيز نفوذها الإقليمي في مواجهة الهند.

(*) تدور المخاوف الباكستانية حول تدفق اللاجئين أو تجدد الإرهاب المحلي، خاصةً في ظل رؤية حركة “طالبان الباكستانية” لاستيلاء “طالبان” على أفغانستان بأنه انتصار أيديولوجي، وهو ما ينذر بعدم الاستقرار فيما بعد، والإضرار بمساعي تعزيز الاستثمار الأجنبي إذا ما تواصلت حركة طالبان مع الجماعات المتطرفة الباكستانية. وعليه، دعت باكستان لتشكيل حكومة شاملة تُمثل جميع الفصائل الأفغانية.

(*) قد تلجأ باكستان للتنسيق مع دول مثل روسيا وإيران لتعزيز قدرتها في مكافحة الإرهاب، لكن تلك الرغبة لن تجعلها ضمن الأراضي التي يمكن أن تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.

(*) ختامًا، إن الانسحاب الأمريكي قد يعيد رسم خريطة التفاعلات الإقليمية المحيطة بأفغانستان، ويكشف عن تطورات من شأنها أن تُقلل احتمالات استقرار الوضع الأفغاني مدفوعة بالتخوفات على مصالح أمنية واقتصادية. فإذا نجت أفغانستان من خطر الحرب الأهلية وزيادة العنف الداخلي، فربما تصبح مسرحًا لحرب بالوكالة تؤدي لزعزعة الاستقرار في المنطقة ونزوح ملايين المهاجرين. كما أن ثمة تخوفات من زيادة الجماعات المسلحة ووجود فواعل إرهابية أخرى، مثل تنظيم داعش (ولاية خراسان)، مما جعل بعض الدول أكثر إقبالًا على التواصل مع طالبان.

فردوس عبدالباقي و أحمد السيد